خطاة بين يدي إله غاضب | جوناثان إدوارد


jonedward
مقدمة
ألقيت هذه العظة ظهر يوم 8 يوليو سنة 1741، في مدينة “انفليد” من أعمال “كونيكتكات” فعلى اثر نهضة روحية استخدم الله فيها “جورج هويتفيلد” اندلعت نيران الانتعاش في “نيو انجلند”، بيد أن أشر بقعة وهى “انفيلدا” لم تتأثر. وقد دعى “يوناثان ادواردز” مع مجموعة من الخدام لإلقاء بعض العظات في تلك المدينة في فترة بعد الظهر، لكن هؤلاء الوعاظ أصيبوا بصدمة بسبب ما رأوه في المستمعين من استخفاف، فكانت تظهر عليهم اللامبالاة والغرور، وبالكاد كانوا يراعون الآداب العامة.وفي هذه المرة وقف ادواردز يعظ، ولم يكن يستعمل اشارة من يده، لكنه وقف بلا حراك وهو يرتكز بكوعه الأيسر على المنبر وبيده اليسرى يمسك مذكراته، وكان الشاهد الكتابى هو (تثنية 32: 35) : “فِي وَقْتٍ تَزِلُّ أَقْدَامُهُمْ.”.

ربما لم يكن لعظة ما التأثير الذى تركته هذه العظة، فقد قوطعت بصرخات الحاضرين رجالاً ونساء. كانوا يقفون ثم يرتمون على الأرض، وكانت صرخاتهم تعلو أحياناً وتغطى على صوت الواعظ، وأمسك بعض الحاضرين بأعمدة البيت وبدا عليهم في تلك الأثناء وكانهم قد أحسوا بأن اقدامهم تنزلق لتهوى بهم إلى قاع الجحيم، وكانت تتردد في جنبات المكان صرخات أولئك الذين أحسوا أنهم هالكون فكانوا يصرخون طلباً للرحمة.

وطول الليل باتت “انفيلد” كمدينة محاصرة، ومن كل بيت تقريباً كانت تنبعث صرخات الرجال والنساء طالبين الخلاص!.
خطاة بين يدي

خطاة بين يدى إله غاضب

“فِي وَقْتٍ تَزِلُّ أَقْدَامُهُمْ.” (تثنية32: 35)

في هذه الكلمات نرى غضب الله معلناً على الأشرار وغير المؤمنين من ذلك الشعب الذى عاش تحت معطلات النعمة، ورغم عجائب الله التى صنعها بينهم لكنهم ظلوا – كما هو مدون عنهم في ع 28 – ” أُمَّةٌ عَدِيمَةُ الرَّأْيِ وَلا بَصِيرَةَ فِيهِمْ. “، ورغم عناية السماء المستمرة بهذه الكرمة لكنها أخرجت ثمراً مراً وساماً ” لأَنَّ مِنْ جَفْنَةِ سَدُومَ جَفْنَتَهُمْ وَمِنْ كُرُومِ عَمُورَةَ. عِنَبُهُمْ عِنَبُ سُمٍّ وَلهُمْ عَنَاقِيدُ مَرَارَةٍ. خَمْرُهُمْ حُمَةُ الثَّعَابِينِ وَسِمُّ الأَصْلالِ القَاتِلُ. ” (ع 32، 33).
والشاهد الذى اخترته موضوعاً لحديثى “فِي وَقْتٍ تَزِلُّ أَقْدَامُهُمْ.” ستضمن الحقائق التالية المتعلقة بعقاب وخراب ذلك الشعب الشرير:

(1)إن الدمار كان يتهددهم دائماً، كما الحال حين يقف المرء أو يسير في أماكن زلقة فيكون معرضاً للسقوط. وهذا يشير إلى الطريقة التى سيأتى بها الهلاك عليهم وذلك بانزلاق أقدامهم، وهذا ما يعبر عنه في المزمور (73: 18) : “حَقّاً فِي مَزَالِقَ جَعَلْتَهُمْ. أَسْقَطْتَهُمْ إِلَى الْبَوَارِ. “.

(2)إنهم معرضون لهلاك مباغت، كما هى الحال حينما يسير الإنسان في أماكن زلقة فيكون معرضاً للسقوط في أية لحظة. إنه لا يعرف إن كان سيبقى واقفاً أم أنه سيسقط في اللحظة التالية، وعندما يسقط سيكون سقوطه بغتة وبدون سابق انذار كما هو وارد في المزمور (مز73: 18، 19) ” حَقّاً فِي مَزَالِقَ جَعَلْتَهُمْ. أَسْقَطْتَهُمْ إِلَى الْبَوَارِ. كَيْفَ صَارُوا لِلْخَرَابِ بَغْتَةً! “.

(3)إنهم معرضون أن يسقطوا من تلقاء أنفسهم بغير أن يسقطهم أحد، مثل من يقف أو يمشى في أماكن زلقة، إنه يسقط من تلقاء ذاته.

(4)وإن كانوا لم يسقطوا بعد ولا يزالون واقفين فهذا لأن الوقت المعين من قبل الله لم يأت بعد، وعندما يحين فعندئذ سيتركون ليسقطوا، ولن يعود الله يحول، بينهم وبين الانزلاق إلى مهاوى الدمار، لكنه سيتركهم، وفي نفس تلك اللحظة سيسقطون مثل من يقف على حافة حفرة زلقة فتزل قدمه حالاً ويهلك.

ومجمل القول انه لا يوجد ما يمنع الأشرار من الاتزلاق في أية لحظة إلى الجحيم إلا إرادة الله وحدها. وعندما أقول إرادة الله فأعنى بها الارادة العليا التى لا يعوقها عائق ولا تعترضها صعوبة، فليس سوى إرادة الله وحدها هى التى تسمح ببقاء الخطاة خارج الجحيم.

وهذه الحقيقة تزداد وضوحاً من الاعتبارات التالية:

1)إن الله لا تعوزه القوة ليلقى الأشرار في الجحيم في أية لحظة، وذراع الإنسان لا تعتز عندما يقوم الله، البطل تخونه القوة، وليس ما ينجى من يده.

وهو ليس قادراً فحسب أن يلقى الأشرار في الجحيم، ولكنه أيضاً يستطيع أن يفعل ذلك بكل سهولة. أحياناً تصادف حكام الأرض صعوبة كبيرة في اخضاع واحد من المتمردين قد تحصن بطريقة أو بأخرى ومنع نفسه بكثرة تابعيه، لكن ليس الأمر كذلك مع الله، فلا توجد قلعة تحم من غضب الله، مهما تكتلت القوى وتضافر أعداؤه معاً فإنهم ينكسرون بلا مقاومة. إنهم كأكوام عظيمة من العصافة أمام ريح عاتية، أو كميات كبيرة من الحطب الجاف أمام لهيب نار مندلعة. بل كما يسهل علينا ان ندوس ونسحق بأقدامنا دودة تزحف على الأرض، فهكذا ما أسهل على الله أن يلقى بالخطاة في الجحيم. ومن نحن حتى يخيل لنا أننا نستطيع ان نقف أمامه، وهو الذى من زجرته ترتجف الأرض وتتفتت الصخور!.

2)إن الخطاة يستحقون هذا العقاب، لذا فإن العدل الإلهى لن يعترض إن كان الله يستخدم قوته في أية لحظة ليبيد الأشرار، بل على النقيض إن صوت العدل يرتفع حالياً مطالباً بعقاب أبدى للخطاة، ولأنهم اخرجوا ثمراً رديئاً فهو يطالب بقطعهم: “هُوَذَا ثَلاَثُ سِنِينَ آتِي أَطْلُبُ ثَمَراً فِي هَذِهِ التِّينَةِ وَلَمْ أَجِدْ. اِقْطَعْهَا. لِمَاذَا تُبَطِّلُ الأَرْضَ أَيْضاً؟ ” (لو13: 7). إن سيف عدالة الله مسلط دائماً على رؤوسهم، وليس سوى تدخل الرحمة وإرادة الله التى تحول دون ذلك.

3)إنهم من الآن تحت حكم الدينونة ويستحقون الطرح في جهنم كما يقضى بذلك ناموس الله، شريعة الحق التى لا تنسخ ولا تتغير التى دخل بها الله في عهد مع الجنس البشرى. هذه الشريعة بعينها تشهد عليهم وتدينهم لأن “الَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ ” (يو3: 18). ومن ثم فإن كل إنسان لم ينل الحياة الجديدة هو في حقيقة الأمر ينتمى للجحيم، “أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ” (يو8: 23)، فهو مرتبط بها، وهى المكان الذى تعينه له عدالة الله وحكمة الله وناموس الله الذى لا يتغير.

4)إنهم من الآن هدف غضب وسخط الله الذى تعبر عنه عذابات الجحيم. فإن كانوا لم يذهبوا للجحيم بعد فهذا لا يعنى أن الله غير غاضب عليهم كما هو غاضب على الذين يسامون العذاب في الجحيم الآن من نفوس تعسة تتجرع كأس غضبه، لكن الله في الحقيقة اشد غضباً على أعداد غفيرة من الناس الذين لا يزالوا احياء، وايضاً على كثيرين من الذين يسمعون هذه الكلمات الآن رغم أنهم لا يحسون بذلك.

فإن كان الله لم يطلق بعد يده ليقطعهم فهذا لا يعنى أنه لا يعبأ بشرورهم، فهو ليس إنساناً نظيرهم رغم أنهم يتصورونه هكذا. لكن الحقيقة إن غضبه يشتعل ضدهم، وهلاكهم لا ينعس، والحفرة مهيأة والنار معدة، والأتون المحمى مستعد لاستقبالهم، واللهب تتاجج وتتوهج، والسيف البراق قد أستل وصار مسلطاً على رقابهم، والهاوية فتحت فاها من أسفل.

5)إن الشيطان يقف على أهبة الاستعداد لينقض عليهم ويقتنصهم كفريسة في اللحظة التى فيها يسمح له الله بذلك، فهم من أتباع إبليس وأرواحهم في حوزته، وكما تقرر كلمة الله أنهم قنيته “حِينَمَا يَحْفَظُ الْقَوِيُّ دَارَهُ مُتَسَلِّحاً تَكُونُ أَمْوَالُهُ فِي أَمَانٍ. ” (لو11: 21)، لذا فالشياطين يرقبونهم ويقفون دائماً بجوارهم وعن يمينهم. إنهم يتحفزون كأسود جائعة شرهة تبصر فريستها وتتحين الفرصة للانقضاض عليها، وحين يرفع الله يده التى يحجزهم بها فإنها سوف تنطلق بسرعة على هذه النفوس المسكينة، والهاوية فاتحة فاها مستعدة لقدومهم، وإن سمح الله فإنهم سيبتلعون سريعاً.

6)إن أرواح الاشرار تحكمها المبادئ الجهنمية التى هى قابلة للاشتعال السريع لتتحول إلى نار جهنم، لولا حواجز الله. وفي طبيعة الناس الجسديين أساس يهيئهم لعذابات الجحيم، وأسس الدنس تمسك بزمام حياتهم وتتسلط عليهم تماماً، وهذه تضرم نار جهنم. وهذه الأسس قوية ونشيطة تزداد عنفاً في طبيعتهم، ولولا يد الله الحاجزة لتحولت سريعاً إلى نيران مستعرة.

إن نفوس الأشرار تشبه البحر المضطرب ” أَمَّا الأَشْرَارُ فَكَالْبَحْرِ الْمُضْطَرِبِ لأَنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَهْدَأَ وَتَقْذِفُ مِيَاهُهُ حَمْأَةً وَطِيناً. ” (إش57: 20)، وما يفعله الله في الوقت الحاضر هو ان يحجز شرورهم بقوته العظيمة كما يفعل مع الامواج الصاخبة قائلاً: “إلى هنا تأتى ولا تتعدى”. ولكن، إن كان الله يرفع تلك القوة الحاجزة فإنها ستحمل سريعاً كل ما في طريقها. إن الخطية مخربة بطبيعتها، وإليها يعزى خراب وبؤس الإنسان، فإن تركت بغير حاجز فلن يوجد ما يمنع عن النفس أن تصبح في أشد حالات البؤس والشقاء. إن فساد قلب الإنسان كنار محصورة، لو انطلقت من عقالها لجعلت الطبيعة كلها تشتعل، وإن لم يحجز الله الخطية فإنها سريعاً ما تحول النفوس إلى آتون متقد أو تنور نار وكبريت.

7)ليس هناك أى ضمان يجعل الأشرار يطمئنون لحظة على مستقبلهم على الرغم من عدم توفر علامات واضحة لاقتراب الموت، وليس ما يضمن للإنسان الطبيعى حياته حتى لو كان الآن بصحة جيدة وكان لا يبصر خطراً ظاهراً يتهدد من هو في مثل ظروفه. لكن الحقيقة المؤكدة هى أن الخطاة يسيرون فوق فوهة الجحيم على غطاء متعفن، وسهام الموت تطير في وقت الظهيرة بغير أن يراها أحد ودون ان يلمحها أشد الابصار حدة، والله له طرق مختلفة ومتعددة وغير مدركة يستطيع بها أن يأخذ الخطاة من العالم ويرسلهم للجحيم. فلا يتطلب الأمر إجراء معجزة، أو ان يخرج الله عن الطريق المألوف لتدابيره لكى يهلك الإنسان الخاطئ في أية لحظة، ولا يعتد الأمر إلا على إرادة الله وحدها لكي يذهب الخطاة في أية لحظة إلى الجحيم.

8)إن حكمة البشر الطبيعية واهتمامهم بصحتهم لا يضمن لهم حياتهم ولو إلى لحظة، وإن اعمال العناية الإلهية واختبارات الناس لتشهد بذلك بصورة واضحة. إن حكمة الناس ليست ضمان لهم من الموت، وإلا كنا نجد فرقاً بين رجال السياسة وحكماء العالم وبين غيرهم من جهة التعرض للموت المفاجئ والمبكر. لكن ترى ما هى الحقيقة! “كَيْفَ يَمُوتُ الْحَكِيمُ؟ كَالْجَاهِلِ! ” (جا2: 16).

9)إن كان جهاد الخطاة والحيل التى يستخدمونها لكى ينجوا من الجحيم بينما يستمرون في رفضهم للمسيح لن تحفظهم ولا إلى لحظة من الانزلاق إلى الجحيم. معظم البشر الذين يسمعون عن جهنم يطمئنون انفسهم بأنهم سينجون منها، ويعتمدون على أنفسهم من جهة ضمان مستقبلهم الأبدى، لكنهم يخدعون انفسهم فيما فعلوه وما يفعلوه وما ينوون أن يفعلوه.

إن كل إنسان يحاول أن يرتب لنفسه لكى ينجو من العذاب، ويخدع نفسه أنه يدبر لنفسه حسناً وأن خططه لن تبوء بالفشل. ورغم انه يعلم أن قليلين هم الذين يخلصون، وأن الغالبية العظمى من الذين ماتوا قد ذهبوا إلى الجحيم، لكن كل إنسان يتصور أنه يرتب أموره بطريقة أفضل لنجاة نفسه بخلاف ما يفعله الآخرون. إنه لا يقصد ان يذهب إلى موضع العذاب، ويقول في نفسه انه ينوى ان يتخذ الحيطة ويبدى اهتماماً مثمراً ويدبر أموره بطريقة بعيدة عن الشطط.

لكن بنى البشر الأغبياء يخدعون انفسهم باتكالهم على خططهم الخاصة، وهم في اعتمادهم على قوتهم وحكمتهم الخاصة لا يعتمدون إلا على خيال. إن الغالبية العظمى من أولئك الذين كانوا يعيشون تحت نفس معاملات النعمة وهم الآن اموات قد ذهبوا بدون شك إلى الجحيم، ولم يذهبوا إلى هناك لأن حكمتهم تقل عن حكمة الأحياء اليوم، ولا لأنهم لم يرتبوا أمورهم بطريقة تضمن لهم النجاة. وإن تيسر لنا أن نسألهم إن كانوا قد توقعوا وهم أحياء أنهم سيلقون هذا المصير، فلابد أن يأتينا الجواب من كل منهم:

“كلا، أنا لم أضع في نفسى قط أن آتى إلى هنا. لقد كنت أرتب لنفسى الأمور في ذهنى بخلاف ذلك، وظننت أنى أستطيع أن أرتب لنفسى حسناً. تصورت أن برنامجى ناجح، وقصدت أن أتخذ الحيطة، ولكن جاءنى ما لم أتوقعه. لم أكن مستعداً له، ولا تصورت أن يأتينى بهذه الصورة. لقد جائنى كلص، وفاجأنى الموت على حين غرة، وعاجلنى غضب الله. يالحمقتى! لقد كنت أخدع نفسى بأحلام كاذبة، وبينما كنت أقول سلام وأمان جاءنى الهلاك بغتة”.

10)إن الله لم يلتزم بأي وعد أن يحفظ الإنسان الطبيعى خارج الجحيم لحظة، كما انه بالتأكيد لم يعط وعداً بالحياة الأبدية او بالتحرر او النجاة من الموت الأبدى، ولكن ما يتضمنه عهد النعمة هو المواعيد التى أعطيت في المسيح الذى فيه كل المواعيد نعم وآمين. لكن الإنسان الطبيعى لا يسر بمواعيد عهد النعمة، لأنه ليس من أبناء العهد، ولأنه لا يؤمن بأي من وعود العهد، ولا يؤمن بوسيط العهد نفسه.

ومهما حاول الإنسان الطبيعى وجد في سعيه، ومهما بلغت الآلام التى يتكابدها في سبيل الدين، ومهما كانت الصلوات التى يصليها، فإن لم يؤمن بالمسيح فإن الله ليس تحت أى التزام من أى نوع أن يحميه لحظة من الدمار الأبدى.
إن غير المخلصين يستحقون الجحيم، والحكم بالدينونة صادر ضدهم. لقد أسخطوا الله وذخروا لأنفسهم غضباً عظيماً سوف يتجرعونه كما هى الحال مع الذين في الجحيم اليوم، الذين لم يستطيعوا فعل أى شئ للتقليل او التخفيف من هذا الغضب العظيم.

إن الله غير ملتزم أن يبقى الخطاة لحظة خارج الجحيم، فإبليس ينتظرهم، والهاوية توسع فاها، واللهب تتجمع وتتوهج حولهم وسوف تنشب فيهم وتلتهمهم، وليس من وسيلة للنجاة. وبالاختصار ليس لهم ملجأ ولا مناص يلوذون به، وليس ما يبقيهم خارج الجحيم إلا إرادة الله وأناة الله .. الغاضب.

خطوة بين
خطوة بين الخاطئ والهلاك

إن ما دفعنى لأن اتكلم في هذا الموضوع الرهيب هو رغبتى في أن أوقظ غير المجددين، وأن أنبههم للخطر الذى يتهددهم، وهذه حالة كل واحد منكم يا من لستم في المسيح. إن عالم البؤس وبحيرة النار والكبريت تمتد من تحتك، إنها هوة مرعبة تندلع فيها نيران غضب الله، والهاوية توسع فاها وليس لك ما تقف عليه، ولا شئ تنذرع به، وليس ما يفصلك عن الجحيم، وإنها فقط قوة الله ومسرته التى تمنعك من السقوط.

ربما لا تكون تحس بهذا، فأنت تجد نفسك خارج الجحيم، لكنك لا ترى يد الله في الأمر وهذا لأنك تنظر إلى أشياء أخرى، وتظن أن بقاءك خارج الجحيم يرجع إلى قوة بنيتك واهتمامك بصحتك وعنايتك بحياتك الخاصة والوسائل التى تستخدمها لتصون بها نفسك. لكن آه لو علمت أن هذه الأشياء كلها لا تنفع، فإن كان الله يرفع يده فلن تفيد هذه الأمور في حفظك من السقوط أكثر مما يستطيع أن يفعله الهواء ليمنع شخصاً معلقاً في الفضاء من السقوط.

إن شرورك تصيرك ثقيلاً كالرصاص، فتنجذب إلى اسفل بثقل وقوة دفع نحو جهنم، وإن كان الله يتركك تمضى فسوف تهبط في الحال وتغوص في الهاوية التى لا قرار لها، ولن يبقى نفع لبدنك السليم ولا لحرصك أو حكمتك او أفضل تدابيرك، وكل برك لن يفيد ليبقى عليك أو يمنعك من الانزلاق نحو الجحيم أكثر مما تستطيعه خيوط العنكبوت في أن تمنع حجراً من السقوط.

ولولا مسرة الله العليا ما كانت الأرض تحتملك لحظة واحدة لأنك ثقل عليها، وبسبب خطاياك تئن الخليقة التى أخضعت لعبودية فسادك، ليس طوعاً، فالشمس لا تشرق عليك طوعاً لتعطيك نوراً لخدمة الخطيةو الشيطان، والأرض لا تعطيك غلتها طوعاً لاشباع شهواتك فهى لا ترغب أن تكون مسرحاً يعرض شرورك، والهواء لا يسر بأن يعطيك لتتنسم بينما تقضى حياتك في خدمة أعداء الرب.

إن كل الخليقة الله صالحة وقد جعلت لأجل الإنسان ليخدم الله بها، وهى لا توافق أن تشجع أهدافاً أخرى، وتئن عندما يساء استخدامها في أغراض لا توافق طبيعتها وغايتها، ولولا يد الله العظيمة التى أخضعت الخليقة على الرجاء لكانت الأرض تلفظك. إن سحب غضب الله القاتمة تتجمع فوق راسك زاخرة بالعواصف الرهيبة وممتلئة رعوداً، ولولا يد الله التى تمنعها لأفرغت شحناتها فوقك. إن مسرة الله في الوقت الحاضر أن يوقف الرياح العاتية وإلا كانت تأتيك غاضبة، ويفاجئك الهلاك كإعصار، وأنت كالعصافة في الصيف أمام الريح.

مياه الغضب
مياه الغضب محجوزة الآن

إن غضب الله يشبه مياهاً طامية تقف خلف سد عظيم في الوقت الحاضر، والمياه تعلو وتطمو يوماً فيوماً حتى يعطى لها مخرجاً، وكلما طال الوقت في حجزها كان اندفاعها سريعاً رهيباً عندما تعطى الفرصة للخروج فجأة.

إنها حقيقة أن دينونة الله على أعمالك الشريرة لم تنفذ بعد، هذا لأن طوفان غضب الله محجوز، ولكن آثامك في نفس الوقت تتزايد باطراد، وكل يوم تذخر غضباً لنفسك، والمياه آخذة في الارتفاع المستمر وتزداد قوة، وليست سوى مسرة الله وحدها التى تحجز المياه التى لا تطيق أن تظل حبيسة فتضغط بشدة لتخرج من عقالها.

وعندما يرفع الله يده فسوف تندفع المياه العارمة – مياه غضب الله – في ثورة وعنف وهياج، وإن كانت قوتك أعظم آلاف المرات من قوة أقوى شيطان في الجحيم فإنها لن تحسب شيئاً، ولن تستطيع أن تحتمل أو تصمد امام طوفان المياه.

إن قوس الله قد شدت، والسهم مثبت في الوتر، وعدل الله يوجه نحو قلبك، وليس شئ سوى مسرة الله وحدها – الله الغاضب – بغير وعد أو مانع على الاطلاق، هى التى تمنع السهم لحظة من أن يسكر بدمك.

الهلاك سيأتي
الهلاك سيأتى على غير انتظار

وهكذا جميعكم الذين لم تلمس قلوبكم نعمة الله المغيرة، ولم تختبروا قوة روح الله المجددة، يا من لم تولدوا ثانية ولم تصبحوا خليقة جديدة، ولم تقوموا من موت الخطية إلى الحياة الجديدة، ولم تختبروا النور والحياة – رغم أنكم قد تكونوا قد أصلحتم حياتكم من نواحى كثيرة، وقد تكون لكم نزعات دينية ولكم بعض مظاهر التقوى في وسط عائلاتكم وفي مخادعكم وفي بيت الله – أنكم على هذا النحو في يدى إله غاضب وليس شئ سوى مسرته وحدها التى تمنعكم من أن يبتلعكم الهلاك الأبدى.

قد تكون غير مصدق لما تسمعه الآن من حقائق، لكنك شيئاً فشيئاً سوف تقتنع. إن كثيرين كانت لهم نفس ظروفك، ويفكرون بنفس تفكيرك، لكن جاءهم الهلاك بغتة، بينما لم يكونوا ينتظرون شيئاً، وعاجلهم الخراب بينما كانوا يقولون “سلام وأمان”. إنهم الآن قد علموا أن ما استندوا عليه لأجل السلام والأمان لم يكن إلا خيالاً وسراباً خادعاً.

يد الله هى التى تبقيك خارج الجحيم

إن الله يمسك بك وأنت فوق الهاوية الجهنمية مثلما تمسك بعنكبوت أو حشرة كريهة فوق نار مشتعلة، هذا الإله يمقت خطاياك وغضبه يشتعل كنار. إنه ينظر إليك على أنك لا تستحق شيئاً آخر سوى الطرح في النار لأن عينيه أطهر من أن تنظر إليك، وانت نجس في عينيه أكثر عشرة الاف مرة من الأفعى السامة التى نبغض رؤيتها. إنك قد أذنبت إليه بلا حدود أكثر مما يفعله عاص متمرد، ورغم ذلك فليست سوى يده هى التى تمسك بك وتمنعك الآن من السقوط في النار.

إن الأمر لا يعزى إلى شئ أخر – سوى إرادة الله – إنك لم تذهب إلى الجحيم الليلة الماضية، وقد تركت لتفتح عينيك في هذا العالم بعد أن أغلقتهما لتنام. وليس من سبب آخر يمكن أن يقدم عن عدم سقوطك في الجحيم منذ أن استيقظت في الصباح إلا أن يد الله قد دعمتك. وليس من سبب آخر يمكن أن يقدم عن دعمتك. وليس من سبب آخر يمكن أن يقدم عن ذهابك للجحيم منذ أن جلست هنا في بيت الله بحالتك الشريرة الأثيمة التى تمارس بها عبادته المقدسة، الأمر الذى يسبب الأذى لعينيه الطاهرتين. نعم، ليس من سبب آخر يعزى إليه عدم هبوطك للجحيم في هذه اللحظة عينها إلا أن يد الله قد أبقت عليك حتى الآن.

تأمل الخطر الذى يتهددك! إنه أتون عظيم من الغضب، حفرة واسعة بلا قرار ملأى بنار الغضب، وأنت معلق فوقها تمسك يد الله الذى يتقد غضبه من نحوك كما يتقد ضد الكثيرين من الأرواح التى في الجحيم. إنك معلق بخيط رفيع، وألسنة نيران الغضب تمتد حول هذا الخيط وتوشك أن تلتهمه في أية لحظة، بينما أنت غير عابئ بالمخلص وليس لك ما تتمسك به لانقاذ نفسك، ولا شئ يبعد عنك نيران الغضب. لا شئ فيك، ولا شئ قد فعلته، ولا شئ تستطيع أن تفعله يجعل الله يبقيك خارج الجحيم لحظة واحدة.

إنه غضب الإله
إنه غضب الإله غير المحدود

فانظروا بعين الاعتبار، غضب من هو؟ إنه غضب الإله غير المحدود. لو كان مجرد غضب إنسان – حتى لو كانت له سطوته وجبروته – لكان الأمر يهون. كم يخشى الناس غضب الملوك والرؤساء خاصة إذا كانوا قساة عتاة في يدهم أن يميتوا ويحيوا: ” رُعْبُ الْمَلِكِ كَزَمْجَرَةِ الأَسَدِ. الَّذِي يُغِيظُهُ يُخْطِئُ إِلَى نَفْسِهِ. ” (ام20: 2)، وكم يقاسى الإنسان أحياناً العذاب ألواناً على يد مولى قاس.

لكن أعظم رؤساء الأرض بكل ما لهم من قوة وجلال، وعندما يرتدون الغضب والسخط كثوب، فليسوا سوى ديدان ضعيفة محتقرة في التراب أمام الخالق العظيم المقتدر ملك السماء والارض. وعندما يتقد غيظهم فقليل ما يستطيعون فعله، وبعد أن يكونوا قد فعلوا أقسى ما يستطيعون فكلهم أمام الله كالجراد، بل كلا شئ وكالعدم، فإن كانوا يرضون أو يغضبون فهذا لا يفيد شيئاً. لكن كم يكون غضب ملك الملوك؟! إنه أشد هولاً، كما انه عظيم في القوة والجلال،: ” وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ يَا أَحِبَّائِي: لاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ وَبَعْدَ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُمْ مَا يَفْعَلُونَ أَكْثَرَ. بَلْ أُرِيكُمْ مِمَّنْ تَخَافُونَ: خَافُوا مِنَ الَّذِي بَعْدَمَا يَقْتُلُ لَهُ سُلْطَانٌ أَنْ يُلْقِيَ فِي جَهَنَّمَ. نَعَمْ أَقُولُ لَكُمْ: مِنْ هَذَا خَافُوا! ” (لو12: 4، 5).

إنك معرض لشدة غضب هذا الإله. كثيراً ما نقرأ عن غضبه كما جاء في (إشعياء59: 18): “حَسَبَ الأَعْمَالِ هَكَذَا يُجَازِي مُبْغِضِيهِ سَخَطاً وَأَعْدَاءَهُ عِقَاباً. جَزَاءً يُجَازِي الْجَزَائِرَ. “، ثم في (إشعياء66، 15):” لأَنَّهُ هُوَذَا الرَّبُّ بِالنَّارِ يَأْتِي وَمَرْكَبَاتُهُ كَزَوْبَعَةٍ لِيَرُدَّ بِحُمُوٍّ غَضَبَهُ وَزَجْرَهُ بِلَهِيبِ نَارٍ. “، وهكذا في مواضع أخرى كثيرة.

وكذلك نقرأ في (رؤيا19: 15) عن “وَمِنْ فَمِهِ يَخْرُجُ سَيْفٌ مَاضٍ لِكَيْ يَضْرِبَ بِهِ الأُمَمَ. وَهُوَ سَيَرْعَاهُمْ بِعَصاً مِنْ حَدِيدٍ، وَهُوَ يَدُوسُ مَعْصَرَةَ خَمْرِ سَخَطِ وَغَضَبِ اللهِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. “. إنها كلمات رهيبة للغاية، فلو كان قد قيل فقط “غضب الله” فإن الكلمات تكون قد دلت على شئ رهيب لا يوصف، لكن ما قيل هو: “سخط وغضب الله”. آه من غضب الله! آه من سخطه! يا له من شئ رهيب للغاية! من يقدر أن يطيقه؟! ولكن لم يقل هكذا فقط لكنه قال: ” سَخَطِ وَغَضَبِ اللهِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. ” .

وكأن قوته وقدرته العظيمة ستتجلى فيما سيفعله سخطه وغضبه، وكأن قدرته غير المحدودة قد أسخطت كما يفعل الناس أحياناً عندما يظهرون بطشهم في شدة غضبهم، آه فماذا يكون الحال؟! وماذا ستصير إليه الدودة الحقيرة التى ستذوق العذاب؟! من ذا الذى تقوى سواعده؟! ومن ذا الذى يحتمل قلبه؟! وأى عمق من البؤس الرهيب الذى لا ينطبق به ستنزل إليه الخلائق المسكينة التي ستتعرض لهذا الغضب؟!.

غضب بلا شفقة

تأمل في هذا يا من لا تزال في حالتك غير المجددة: إن الله سيسكب سخط غضبه بلا شفقة، وحين ينظر الله ويرى أن حالتك لا تحتمل، وأن عذاباتك لا تتناسب مطلقاً مع قدرتك، وأن نفسك المسكينة قد سحقت للغاية وهى تغوص إلى أسفل في حزن وشقاء مرير لا ينتهي ، فإنه لن يرق لحالك، ولن يوقف تنفيذ القصاص الرهيب، أو على الأقل يخفف يده. لن يكون هناك اعتدال أو رحمة، ولن تهدأ رياح الغضب العاتية، ولن يعمل الله حساباً لمصلحتك، ولن يهتم أبداً وهو يراك تقاسى الكثير، ولن يمنع جزاءاً من العقاب لأنه أشد مما تقوى على احتماله. ” فَأَنَا أَيْضاً أُعَامِلُ بِالْغَضَبِ. لاَ تُشْفِقُ عَيْنِي وَلاَ أَعْفُو. وَإِنْ صَرَخُوا فِي أُذُنَيَّ بِصَوْتٍ عَالٍ لاَ أَسْمَعُهُمْ]. ” (حز8: 18).

الآن يقف الله مستعداً أن يشفق عليك، واليوم يوم رحمة، ولك الأن أن تصرخ، ولك ما يشجعك للحصول على الرحمة، ولكن بعد أن يكون يوم الرحمة قد عبر فإن صرخاتك المرة وصرير أسنانك لن يجدى نفعاً. إنك ستكون مفقوداً إلى الأبد مطروحاً عن وجه الله بغير أدنى اعتبار لما يصيبك. سوف يجد الله انه لا نفع لك إلا أن تعانى البؤس، وسوف تبقى على هذا الحال دون أن يتغير مصيرك، لأنك ستكون آنية غضب معدة للهلاك، ولن تستعمل هذه الآنية لغرض آخر إلا أن تمتلئ إلى ملء الغضب.

لن يفكر الله أن يشفق عليك، أو يرق لحالك عندما تتصرخ إلبه، بل الأكثر من ذلك أنه سيضحك ويشمت “لأَنِّي دَعَوْتُ فَأَبَيْتُمْ وَمَدَدْتُ يَدِي وَلَيْسَ مَنْ يُبَالِي بَلْ رَفَضْتُمْ كُلَّ مَشُورَتِي وَلَمْ تَرْضُوا تَوْبِيخِي. فَأَنَا أَيْضاً أَضْحَكُ عِنْدَ بَلِيَّتِكُمْ. أَشْمَتُ عِنْدَ مَجِيءِ خَوْفِكُمْ. إِذَا جَاءَ خَوْفُكُمْ كَعَاصِفَةٍ وَأَتَتْ بَلِيَّتُكُمْ كَالزَّوْبَعَةِ إِذَا جَاءَتْ عَلَيْكُمْ شِدَّةٌ وَضِيقٌ حِينَئِذٍ يَدْعُونَنِي فَلاَ أَسْتَجِيبُ. يُبَكِّرُونَ إِلَيَّ فَلاَ يَجِدُونَنِي. لأَنَّهُمْ أَبْغَضُوا الْعِلْمَ وَلَمْ يَخْتَارُوا مَخَافَةَ الرَّبِّ. لَمْ يَرْضُوا مَشُورَتِي. رَذَلُوا كُلَّ تَوْبِيخِي. فَلِذَلِكَ يَأْكُلُونَ مِنْ ثَمَرِ طَرِيقِهِمْ وَيَشْبَعُونَ مِنْ مُؤَامَرَاتِهِمْ. لأَنَّ ارْتِدَادَ الْحَمْقَى يَقْتُلُهُمْ وَرَاحَةَ الْجُهَّالِ تُبِيدُهُمْ. ” (أم1: 24 – 32).

ما أرهب هذه الكلمات التى تكلم بها الله العظيم: “قَدْ دُسْتُ الْمِعْصَرَةَ وَحْدِي وَمِنَ الشُّعُوبِ لَمْ يَكُنْ مَعِي أَحَدٌ. فَدُسْتُهُمْ بِغَضَبِي وَوَطِئْتُهُمْ بِغَيْظِي. فَرُشَّ عَصِيرُهُمْ عَلَى ثِيَابِي فَلَطَخْتُ كُلَّ مَلاَبِسِي. ” (إشعياء63: 3).

إن صرخت إلى الله لكى يشفق عليك وأنت في حالتك البائسة فإنه سيكون أبعد من أن يرق لك أو يظهر نحوك أقل اهتمام أو عطف، بل على عكس ذلك سيطأك بأقدامه، ورغم أنه يعلم انك لا تقوى على تحمل شدة قوته وهو القادر على كل شئ لكنه لن يهتم بذلك، بل سيسحقك تحت قدميه بلا رحمة. إنه سيسحقك فتتناثر دماؤك وترش ثيابه وتصبغ كل ثوبه، وسوف لا تكون مبغضاً منه فحسب لكنه سيضعك في أشد حالات الازدراء، ولن يجد لك مكاناً أنسب من الوجود تحت قدميه لكى تداس كما يداس الطين في الأسواق.

غضب الله
غضب الله سيكون إعلاناً عن قدرته

إن الشقاء الذى ينتظر الخاطئ هو العقاب الذى سيقع عليه حتى النهاية لكى يظهرالله غضبه ويبين قوته. وقد وضع الله هذا في قلبه أن يظهر للملائكة والناس مقدار عظمه محبته، وكذ أيضاً شدة غضبه. أحياناً يظهر ملوك الأرض شدة غضبهم في العقاب الصارم الذى يوقعونه بمن يسخطونهم. عندما أراد نبوخذ نصر الامبراطور الكلدانى المتكبر أن يظهر شدة غضبه على شدرخ وميشخ وعبدنغو أعطى أمراً أن يحمى الأتون سبعة أضعاف أكثر من المعتاد، ولاشك أن حرارة الأتون قد ارتفعت إلى أقصى درجة يستطيع فكر الإنسان أن يصل إليها.

كذلك فإن الله العظيم يرغب أيضاً أن يظهر غضبه ويعلن عن عظمة جبروته وشدة بأسه في قسوة وعنف العذابات التى تحل بأعدائه: “فَمَاذَا إِنْ كَانَ اللهُ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرَ غَضَبَهُ وَيُبَيِّنَ قُوَّتَهُ احْتَمَلَ بِأَنَاةٍ كَثِيرَةٍ آنِيَةَ غَضَبٍ مُهَيَّأَةً لِلْهَلاَكِ – ” (رو9: 22). وكما نرى فهذا هو فكره، وما نوى أن يفعله، وما صمم عليه لكى يظهر هول غضبه الذى سينصب صرفاً وبلا حدود على الخطاة وسيكون شيئاً رهيباً لمن يراه.

وبعد أن يكون الله العظيم الغاضب قد نهض ليوقع انتقامه الرهيب بالخاطئ المسكين، ويذوق الشقى بالفعل شدة الغضب غير المحدودة، عندئذ سيدعو الله العالم كله ليرى جبروته وبأسه الشديد الظاهر في عقاب الأشرار: “وَتَصِيرُ الشُّعُوبُ وَقُودَ كِلْسٍ، أَشْوَاكًا مَقْطُوعَةً تُحْرَقُ بِالنَّارِ13 اِسْمَعُوا أَيُّهَا الْبَعِيدُون مَا صَنَعْتُ، وَاعْرِفُوا أَيُّهَا الْقَرِيبُونَ بَطْشِي. 14 ارْتَعَبَ فِي صِهْيَوْنَ الْخُطَاةُ. أَخَذَتِ الرِّعْدَةُ الْمُنَافِقِينَ: «مَنْ مِنَّا يَسْكُنُ فِي نَارٍ آكِلَةٍ؟ مَنْ مِنَّا يَسْكُنُ فِي وَقَائِدَ أَبَدِيَّةٍ؟» (إش33: 12- 14).

فهكذا سيكون الحال معك يا من لم تتجدد، إن كنت تستمر على ما أنت فيه. إن قوة الله القادر على كل شئ ستظهر في شدة العذابات التى لا توصف التى ستأتى عليك، وسوف تتعذب في حضور الملائكة القديسين وفي حضور الحمل.

وعندما يحل بك هذا العذاب فإن سكان السماء النورانيين سيخرجون من مواطن راحتهم لينظروا المشهد الرهيب، ويروا غضب وبطش الله القادر على كل شئ الذي حل بالأشرار مما يجعلهم يخرون ويسجدون ويعظمون الله: ” وَيَكُونُ مِنْ هِلاَلٍ إِلَى هِلاَلٍ وَمِنْ سَبْتٍ إِلَى سَبْتٍ أَنَّ كُلَّ ذِي جَسَدٍ يَأْتِي لِيَسْجُدَ أَمَامِي قَالَ الرَّبُّ. وَيَخْرُجُونَ وَيَرُونَ جُثَثَ النَّاسِ الَّذِينَ عَصُوا عَلَيَّ لأَنَّ دُودَهُمْ لاَ يَمُوتُ وَنَارَهُمْ لاَ تُطْفَأُ وَيَكُونُونَ رَذَالَةً لِكُلِّ ذِي جَسَدٍ. ” (إش66: 23، 24).

عذاب أبدي
عذاب أبدى

إن غضب الله أبدى، وأنه لأمر رهيب أن يقاسى الإنسان ولو إلى لحظة شدة غضب الله القادر على كل شئ. ولكن سيكون عليك أن تقاسى منه طوال الأبدية، لن تكون نهاية لهذ البؤس القاتل، وكلما تطلعت أمامك تجد أنه لازال أمامك زمن طويل لا ينتهى، وهذا سوف يبلع أفكارك ويدهش روحك. سوف يمتلكك اليأس المطبق من أن تكون نجاة، أو تصل إلى نهاية أو حتى تسكين للألم. ولن تجد راحة إطلاقاً، وسوف تتحقق أنك يجب أن تقضى أزمنة طويلة، ملايين الدهور في صراع وخصومة مع هذا العذاب الرهيب الخالى من الرحمة. وبعد أن تكون قد مرت عليك ازمنة عديدة وأنت في هذه الحالة ستجد أنك لازلت في البداية، وهكذا سيستمر عقابك بلا نهاية حقاً.

من يستطيع ان يصف حالة نفس في ظروف هكذا؟! كل ما نحاول أن نقوله لا يعطى إلا فكرة باهتة ضعيفة للغاية. إنه شئ لا يوصف ولا يدرك لأنه “من يعرف قوة غضب الله؟!”.

ما أرهب حالة اولئك الذين في كل يوم وكل ساعة يتهددهم خطر هذا الغضب العظيم والبؤس الشنيع الذى لا ينتهى! ولكن هذه هى الحالة الكئيبة التى ستصل إليها كل نفس لم تولد ثانية، مهما كانت مؤدبة، أو مدققة، أو متعقلة، او متدينة، وأيا كانت حالتها. آه لو كنت تنتبه للمصير الرهيب الذى ينتظرك سواء كنت حدثاً أو شيخاً!. يوجد ما يدعونا للاعتقاد ان كثيرين سيكونون بالفعل تحت هذا البؤس بعينه طوال الأبدية، ونحن لا نعلم من هم وما هى أفكارهم الآن. قد يكونون الآن في رغد من العيش، وربما هم يستمعون الآن لكل هذه الأمور بغير أن يظهر عليهم الانزعاج، وربما، يتملقون أنفسهم أنهم ليسوا هم الأشخاص الذين نتكلم عنهم، وانهم سوف ينجون من العقاب.

ولو علمنا أنه يوجد شخص واحد، واحد فقط ممن نعلم أنهم سيقعون تحت طائلة العقاب، فكم ينبغى على كل مسيحى أن يصرخ بمرارة على هذا الإنسان! ولكن مما يؤسف له أنه ليس شخصاً واحداً وإنما كثيرون سيذكرون هذه التحذيرات الخطيرة في الجحيم. في وقت قصير، قبل أن ينتهى هذا العالم، وهذا سيحدث حتى وإن كان البعض يتمتعون بصحة جيدة وإن كانوا ينعمون بالهدوء والأمان، لكنهم سيصلون إلى هناك ربما قبل صباح الغد.

يوجد بين الأحياء اليوم من هم أشر من الذين في الجحيم. إن أولئك الذين سيستمرون إلى النهاية في حالتهم الطبيعية، والذين بقوا خارج الجحيم وقتاً أطول، سيصلون إليها سريعاً. إن دينونتهم لا تتوانى لكنها ستأتى سريعاً، وأغلب الظن أنها ستأتى فجأة على كثيرين منكم قد يكون هناك ما يبرر تعجبكم انكم لستم في الجحيم الآن، فلا شك أن حالة البعض ممن رأيتموهم وعرفتموهم لا تستحق الجحيم اكثر منكم وكانوا يظهرون انهم سيظلون على قد الحياة مثلكم الآن، لكن حالتهم الآن تعدت كل انتظار، إنهم يصرخون في مرارة وبؤس شديد ويأس مطبق، لكنكم الآن في ارض الأحياء ولكم الفرصة لنوال الخلاص. وماذا تبخل به تلك النفوس المسكينة المحكوم عليها وقد انقطع عنها حبل الرجاء، وماذا لا تضحى به لأجل فرصة يوم واحد مثلما لكم الآن؟!.

الفرصة أمامك
الفرصة أمامك الآن

الآن لكم فرصة فريدة، واليوم قد فتح المسيح باب الرحمة على مصراعيه، وهو واقف بالباب يدعو وينادى بصوت عال للخطاة المساكين. اليوم يلجأ كثيرون إليه ويدخلون ملكوت الله. كثيرون يأتون كل يوم من المشارق والمغارب، من الشمال والجنوب. كثيرون كانوا يستحقون نفس المصير التعس لكنهم الآن في حالة سعيدة وقد امتلأت قلوبهم محبة لذاك الذى أحبهم وقد غسلهم من خطاياهم بدمه وصاروا فرحين مبتهجين على رجاء مجد الله.

ويا له من أمر رهيب ان تترك في ذلك اليوم!. ان ترى كثيرين يفرحون ويترنمون من بهجة القلب، بينما تجد انت ما يسبب لك الأنين وحزن القلب، فتولول من انكسار الروح! فكيف تستريح ولو إلى لحظة واحدة وأنت في هذه الحالة؟!. أليست نفسك ثمينة وغالية مثل نفوس الذين يهربون إلى المسيح كل يوم؟!!

يوجد كثير من المسنين في العالم، لكنهم إلى هذا اليوم لم يولدوا ثانية، ولذا فهم غرباء عن رعوية المسيح، ولم يفعلوا شيئاً من بدء حياتهم إلى أن يذخروا لأنفسهم غضباً في يوم الغضب. آه، إن حالتك في غاية الخطورة، وآثامك وقساوة قلبك عظيمة للغاية! ألا ترى أن اشخاصاً في نفس عمرك قد فارقوا الحياة وتركوها بغير أن يستفيدوا من تدبير الله العجيب للخلاص وفرصة باب الرحمة المفتوح؟! إنك لمحتاج أن تقدر قيمة نفسك، وتهب من نومك لأنك لا تستطيع أن تحتمل شدة غضب الله القادر على كل شئ.

وأنتم أيها الأحداث والحدثات، هل تهملون هذه الفرصة الثمينة التى أمامكم الآن بينما كثيرون جداً غيركم وفي مثل سنكم يتركون غرور وأباطيل الشباب ويرجعون إلى المسيح؟ إنك بنوع خاص أمامك فرصة ذهبية، ولكن إن كنت تهملها فإنك ستصير إلى الحالة التى صار إليها أولئك الذين قضوا أيام أيام شبابهم الثمينة في الخطية، وقد أقبلوا الآن إلى طريق مرعب رهيب في العمى والقساوة.

وأنتم أيها الأولاد الذين لم تتجددوا بعد، ألا تعلمون انكم ستهبطون إلى الجحيم لكى تحملوا الحكم الرهيب من الإله الغاضب الذى تغيظونه نهاراً وليلاً؟ وهل تقنعون أن تكونوا اولاد للشيطان بينما كثيرون من الأولاد غيركم قد تغيرت حياتهم وصاروا قديسين سعداء لملك الملوك؟.

اهرب لحياتك

فليت كل واحد لم يزل خارج المسيح معلقاً فوق الحفرة الجهنمية، سواء من الشيوخ، أو العجائز، أو من هم في منتصف العمر، أو الشباب، أو الأحداث، أو الأولاد، ليصغى الآن لنداءات كلمة الله المدوية، ويلتفت إلى اعمال العناية، فهذه سنة الله المقبولة، وهذا يوم خلاص عظيم للبعض، لكنه بلا شك سيكون يوم انتقام مشهود بالنسبة للآخرين. إن قلوب الناس تتقسى، وآثامهم تتزايد كثيراً في يوم كهذا إن كانوا يهملون أمر نفوسهم، وليس من خطر أعظم يتهدد مثل هؤلاء الأشخاص عندما يسلمهم لقساوة قلوبهم وعمى أذهانهم، والله يظهر في هذه الأيام أنه يسرع في جمع مختاريه في كل الأرض، وما سيحدث الآن مثلما حدث في الانسكاب العظيم للروح القدس أيام التلاميذ: المختارون نالوا الخلاص والباقون تقسوا.

فإن صارت الحال معك هكذا فإنك ستلعن هذا اليوم إلى الأبد، وسوف تلعن اليوم الذى ولدت فيه لترى مثل هذا الوقت الذى يستعلن فيه روح الله، وسوف تشتهى أن تكون قد مت وفارقت الحياة وذهبت إلى الجحيم قبل أن تعاينه. مما لاشك فيه ” وَالآنَ -كما كان في ايام يوحنا المعمدان- قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ -بطريقة غير عادية- عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَراً جَيِّداً تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ. ” (مت3: 10).

فليت كل من لايزال خارج المسيح ينهض الآن ويهرب من الغضب الآتى، فلا مجال للشك أن غضب الله القادر على كل شئ ينتظر كل خاطئ لم يتجدد حياته. فليهرب كل إنسان من سدوم: “اهْرُبْ لِحَيَاتِكَ. لاَ تَنْظُرْ إِلَى وَرَائِكَ، وَلاَ تَقِفْ فِي كُلِّ الدَّائِرَةِ. اهْرُبْ إِلَى الْجَبَلِ لِئَلاَّ تَهْلَِكَ” (تك19: 17).

المصدر : http://www.sssegypt.org/ جمعية خلاص النفوس

Advertisements

ما الذي يجول بخاطرك بخصوص التدوينة؟

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: