شرح إنجيل متى | الإصحاح السابع والعشرون | بنيامين بنكرتن


الإصحاح السابع والعشرون

تلفيق تهمة سياسية للمسيح وتسليمه لبيلاطس

(إصحاح 1:27، 2؛ مرقس 1:15؛ لوقا 1:23، 2؛ يوحنا 28:18-32)

«ولما كان الصباح تشاور جميع رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب على يسوع حتى يقتلوه. فأوثقوه ومضوا به ودفعوه إلى بيلاطس البنطي الوالي» (إصحاح 1:27، 2)

كانوا قد حكموا عليه بالموت ولكن لم يكن لهم سلطان أن يُنفذوا حُكمهم. وبما أن العِلة كانت دينية لا يمكن للوالي الروماني أن يقبلها ويأمر بقتله بسببها، فاضطروا بأن يتشاوروا معًا قبل إحضارهم إياه أما الوالي لكي يجدوا شِكَاية أخرى عليه تظهر أنها من الجرائم السياسية فلفقوا عليه أنه يُقاوم قيصر ويمنع أن تُعطى الجزية له وقدموه للوالي بهذا الاتهام (لوقا 2:23، 5؛ يوحنا 12:19).

 

يأس يهوذا وانتحاره (عدد 3-10)

«حينئذ لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دِينَ نَدِمَ وردّ الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ قائلاً قد أخطأت إذ سلّمت دمًا بريًا، فقالوا ماذا علينا؟ أنت أَبصرْ. فطرح الفضة في الهيكل وانصرف. ثم مضى وخنق نفسه. فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا لا يحل أن نُلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم. فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغُرباء. لهذا سُميّ ذلك الحقل حقل الدم إلى هذا اليوم» (عدد 3-8).

يمكن لإبليس أن يُهيج شهوات قلوبنا ويغوينا على ارتكاب الخطية ولكنه لا يقدر أن يُعزينا بعد ارتكابها أو يُسكن شِكَاية ضمائرنا المُضطربة. لقد استخدم يهوذا لتنفيذ غايته. ولما تم العمل تركه لليأس والقنوط. المُحتمل أن يهوذا انتظر أن الرب يُخلص نفسه بقوته الإلهية من أيدي أعدائه، لأنه كان قد عَمِلَ كذلك عدة مرات قبل ذلك (لوقا 29:4، 30؛ يوحنا 59:8). ولكن هذا مما يُعظم إثمه إذ كان يعلم يقينًا بوجود هذه القوة فيه. ولكن المال كان يسود على قلبه وبه قاده الشيطان إلى هذه الخطية الشنيعة. إن الطمع يَعمي البصر تمامًا وكذلك سائر الشهوات إذا تحركت واشتدت فينا. وكوننا لا نقدر أن نرى العواقب في الوقت الحاضر لا يجعلنا أقل ذنبًا ولا يُخفف تلك العواقب وقت حصولها «توجد طريق تظهر للإنسان مستقيمة وعاقبتها طرق الموت» (أمثال 12:14). إن من تهور في طرق الإثم لا يعرف إلى أين تؤدي به أخيرًا. فإنه كمن يحاول أن يمشي على الجرف جليد يخطو أول خطوة ثم تنزلق قدمه فلا تعود له قدرة على أن يقف. ندم يهوذا ولكن ما عاد يمكن للندامة أن تنفعه. ردّ الثلاثين من الفضة إلى رفقائه الأشقياء في الشر لأنها صارت ثقلاً على قلبه لا يطاق حمله بعد. فما هو المال للمقطوع الرجاء؟ وهل يستطيع أن يتعزى من مشاهدة ثمر خطيته ويفرح به بعد أن خسر نفسه وصار ينتظر الدينونة الأبدية؟ قال لهم «قد أخطأت إذ سَلمت دمًا بريئًا» فعلم يقينًا ماذا يفعل. الشهوة ترينا الخطية لذيذة إلى حين وتُخفى قباحتها عن أعيننا حتى بعد ارتكابها. وإبليس أيضًا يعمل في أفكارنا ويقدم لعقولنا حججًا وأعذارًا حتى زي أنفسنا مبرّرين بعملنا. وأما بعد سقوطنا وانتباهنا إلى خطيتنا ولا نرى في إثرها سوى الظلام الدامس واليأس المؤبد إن لم تكن عندنا نعمة الله لنلتجئ إليها.

«فقالوا ماذا علينا؟ أنت أبصر» (عدد 4). لما أتاهم قبل ذلك وقال لهم «ماذا تُريدون أن تعطوني وأنا أُسلمه إليكم» فرحوا وتكلموا معه بغاية اللطافة ولكنهم الآن قد حصلوا على مرامهم فلا يبالون بندامته ولا بإقراره ببراءة الرب. فبجوابهم أظهروا القساوة القصوى. فنرى فيهم صورة فظيعة للقلب البشري المنصب إلى إثمه. كان يجب عليهم بحسب وظيفتهم أن يرشدوا يهوذا إلى الحق ولكنهم شاركوه في الظلم ولما أقر بذنبه قالوا له «ماذا علينا؟ أنت أبصر» وعند ذلك طرح لهم الفضة في الهيكل وانصرف وليس ذلك فقط بل مضى وخنق نفسه. ويظهر أن يهوذا دخل إلى الهيكل موضع الكهنة حيث لم يكن جائزًا لأحد أن يدخل إلا للكهنة فقط. وهذا مما يدل على حالة الاضطراب الشديد التي كان عليها، والتي حملته أيضًا بعد ذلك أن يُنهي حياته بيده إذ لم يقدر أن يحتمل وجوده في الحياة بعد. فعادت فضتهم إليهم فالتزموا أن يتشاورا أيضًا ماذا يصنعون بها. لم يزالوا متعصبين في ديانتهم لذا لم يقدروا أن يحسبوها بين القرابين لله فاشتروا بها مقبرة للغرباء. لم يترددوا في شراء دم ابن الله بثلاثين من الفضة ولكنهم حافظوا على طهارة خزانة الله إلى هذا المقدار حتى لم يريدوا أن يدنسوها بشيء. ولكن الغرباء من الأمم الذين كانوا يموتون في أورشليم احتاجوا إلى موضع لدفن جثتهم. فهذه الفضة الدنسة قامت بحاجتهم. وأما اليهود المقدسون في أعين أنفسهم فلا يليق بأن يدفنوا في تلك المقبرة. ولكنهم أقاموا تذكارًا لأثمهم حيث سُمِى الحقل حقل الدم. ونرى من ذلك انه يمكن لنا أن نتعصب في الديانة ونحن منصبون في أعظم الشرور. وبالحقيقة التعصب الديني يقترن غالبًا بأشد الرياء والفجور.

«لا يُخفى أن أصل هذه الشهادة متضمن في نبوة (زكريا إصحاح 11). ولكن سفر إرميا النبي كان في أول أسفار الأنبياء بحسب ترتيبها في كتاب التلمود فكان اليهود معتادين أن يشيروا إلى مجموع النبوات باسم السفر الأول منه. فلا يجوز أن ننسب خطأ للبشير مَتَّى كأنه لم يعرف انه اقتبس هذا الكلام من أقوال زكريا. وإذا راجعنا الإصحاح المُشار إليه في زكريا نرى أنه يتعلق بخدمة المسيح في إسرائيل كراعيهم. ثم عند نهاية خدمته أعطاهم فرصة ليُظهروا تقديرهم لها «فقلت لهم إن حسن في أعينكم فأعطوني أُجرتي وإلا فامتنعوا. فوزنوا أجرتي ثلاثين من الفضة «فقال لي الرب القها إلى الفخاري الثمن الكريم الذي ثمنوني به. فأخذت الثلاثين من الفضة ألقيتها إلى الفخاري في بيت الرب» (زكريا 12:11، 13)

وكان اقتباس مَتَّى لهذه النبوة بالمعنى لا باللفظ إذ أن العمل في عبارة النبي منسوب فعله للنبي كرمز للرب راعي شعبه بينما فعله في عبارة البشير منسوب للرؤساء. وهذا لأن الرب استعمل أولئك الرؤساء كأداة لتتميم العمل. فتمموا كلام الرب بدون أن يقصدوا ذلك. كان الله فوق الكل يحول مَشُوراتهم وأعمالهم إلى إتمام مقاصده رغمًا عن خبثهم وغاياتهم الشخصية.

قد قيل أيضًا عن يهوذا في هذه الحادثة «فإن هذا اقتنى حقلاً من أجرة الظلم وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها وصار ذلك معلومًا عند جميع سكان أورشليم حتى دُعي ذلك الحقل في لغتهم «حقل دما» أي «حقل دم» (أعمال 18:1، 19). فهنا شراء الحقل منسوب إلى يهوذا مع انه ما اشتراه بيده لأن الرؤساء اشتروه نيابة عنه. إذ حسبوا الفضة له ولم يقبلوها من يده لما ردها لهم وعند ذلك طرحها في الهيكل وانصرف. فالتزموا أن يتشاوروا معًا كيف يتصرفون في مسالة كهذه. فصار شراء الحقل بناء على أن ثمنه دفعهُ يهوذا. ولا يذكر وقت الشراء ولا الوقت الذي بفترة قصيرة. ثم مضى يهوذا وعلق نفسه بحبل وسقط من حيث كان معلقًا فانسكبت أحشاؤه كلها. لا يُخفى أن تفاصيل تلك الحادثة ليست مذكورة. ولكن لا يوجد تناقض في ما ذكر.

 

محاكمة المسيح السياسة أمام بيلاطس

(عدد 11-31؛ مرقس 2:15-20؛ لوقا 3:23-25؛ يوحنا 33:18-إصحاح 16:19)

فوقف يسوع أمام الوالي قائلاً، أانت ملك اليهود؟ فقال له يسوع، أنت تقول. وبينما كان رؤساء الكهنة والشيوخ يشتكون عليه لم يُجب بشيء. فقال له بيلاطس أما تسمع كم يشهدون عليك؟ فلم يُجيبه ولا عن كلمة واحدة حتى تعجب الوالي جدًا» (عدد 11-14).

لما وقف يسوع أمام مجمع رؤساء اليهود كانت المسألة هي هل هو المسيح ابن الله؟ فأقر بذلك لأنه كان الحق. ولكن هذه المسألة لا تنفع شيئًا أمام الوالي. ومن ثم اشتكوا عليه لدى بيلاطس انه جعل نفسه ملكًا إذ عرفوا أن شكاية كهذه تؤثر في مسمع الوالي وتهيج مخاوفه. فلما سأله قائلاً «أانت ملك اليهود؟ » أقر بذلك أيضًا لأنه كان الحق وكان قد أتى إلى العالم ليشهد للحق (أنظر يوحنا 37:18؛ تيموثاوس الأولى 13:6) فكان هو الحق بشخصه وشهد للحق إذ أقر بحقيقة شخصه. وأما بيلاطس فرأى بسهولة أن يسوع لا يقول عن نفسه أنه ملك اليهود في الوقت الحاضر بحسب المعنى الاعتيادي للفظة مَلك، أو بعبارة أخرى فهم أنه ليس من الأشخاص الخطرين أصحاب الفتن والثورات، الذين ينبغي أن يخشى منهم على حكومة قيصر. فلذلك أراد أن يُطلقه (لوقا 20:23) ولكن بطريقة تُرضي اليهود الذين كانوا دائمًا مشاغبين وصعب على أسيادهم الأجنبيين أن يضبطوهم. وقد تعجب أيضًا من سكوت الرب لأنه لم يكن معتادًا أن يرى المشكو عليهم يتصرفون هكذا.

«وكان الوالي معتادًا في العيد أن يُطلق للجمع أسيرًا واحدًا من أرادوه. وكان لهم حينئذ أسير مشهور يُسمى باراباس. ففيما هم مجتمعون قال لهم بيلاطس من تُريدون أن أطلق لكم؟ باراباس أم يسوع الذي يُدعي المسيح؟ لأنه علم أنهم أسلموه حسدًا. وإذ كان جالسًا على كرسي الولاية أرسلت إليه امرأته قائلة، إياك وذلك البار لأني تألمت اليوم كثيرًا في حلم من أجله. ولكن رؤساء الكهنة والشيوخ حرضوا الجموع على أن يطلبوا باراباس ويُهلكوا يسوع. فأجاب الوالي وقال لهم، مَنْ من الإثنين تُريدون أن أطلق لكم؟ فقالوا باراباس. قال لهم بيلاطس، فماذا أفعل بيسوع الذي يُدعى المسيح؟ قال له الجميع، ليُصلب. فقال الوالي، وأي شر عمل؟ فكانوا يزدادون صراخًا قائلين، ليُصلب. فلما رأى بيلاطس أنه لا ينفع شيئًا بل بالحري يحدث شغبًا أخذ ماء وغسل يديه قدام الجميع قائلاً، إني برئ من دم هذا البار. أبصروا أنتم. فأجاب جميع الشعب وقالوا دمه علينا وعلى أولادنا. حينئذ أطلق لهم باراباس. وأما يسوع فجلده وأسلمه ليُصلب» (عدد 15-26)

كان الوالي يُطلق لهم أسيرًا واحدًا إكرامًا للعيد. ولما كان يؤمل أنهم على أي حال يفضلون إطلاق يسوع على إطلاق لص مشهور بجرائمه الفظيعة سألهم أي الاثنين يريدون أن يُطلق لهم (مرقس 7:15؛ لوقا 19:23) وقد تحول في سؤاله عن الرؤساء إلى الشعب إذ كان اختيار الأسير للشعب لا للرؤساء (مرقس 6:15، 9) فضلاً عن أنه عرف جيدًا أن هذا الهيجان ضد المسيح إنما حصل من جراء حسد الرؤساء الدينيين له (مرقس 10:15) إذ انحط اعتبارهم كمعلمين ومرشدين بسببه. فما ارذل القلب البشري المحمول من شهواته الدنيئة خصوصًا الرغبة في الحصول على الشهرة المتعلقة بالرياسة الدينية!

وبينما كان ينتظر رد الشعب بإطلاقه تأثر أيضًا إذ أرسلت إليه امرأته تقول له «إياك وذلك البار لأني تألمت اليوم كثيرًا في حلم من أجله» كم من الإنذارات يتنازل الله من لطفه أن يُعطي البشر عندما يكونون في تجربة أن يتهوروا في مسالك الإثم. لا شك أنه أعطى امرأة الوالي هذا الحلم لكي يزيد به اقتناعه ببراءة ذلك الأسير الجليل الواقف للمحاكمة أمامه، ويعظم إثمه إذا تساهل مع الشعب وسلمه إلى إرادتهم. غير أنه كان ينبغي للجميع أن يُمتحنوا بواسطة حضور ابن الله بينهم فحصل لبيلاطس امتحان يناسبه في دائرة سلطانه كما لإسرائيل ورؤسائهم أيضًا وإن كان أولئك الرؤساء قد وجدوا عند الامتحان منافقين ومبغضين للحق والصلاح الظاهرين في شخص المسيح، فبيلاطس الأممي المتكبر الحاكم باسم قيصر سيده العظيم في رومية أظهر صفاته أيضًا وعند الامتحان تبرهن أنه عديم المبالاة بإجراء العدل بين إنسان وإنسان وإنصاف المظلومين فلماذا وضع السيف في يده إلا لتخويف فعلة الشر ولمدح الذين يعملون الصلاح (رومية 3:13، 4) وأما رؤساء الكهنة والشيوخ فلما رأوا تردد الوالي إلى عملوا جهدهم في تهيج الشعب ثانية وقادوهم أن يختاروا اللص. ولما عاد بيلاطس وسألهم ماذا يُفعل بيسوع قالوا «ليُصلب» (انظر أعمال 14:3) ولما سألهم أيضًا «وأي شر عمل؟ » عجزوا عن أن يذكروا له ذنبًا وازدادوا صراخًا طالبين صلبه، فانغلب الوالي من مخاوفه، فإنه كان ينظر إلى اضطراب الشعب منقادين إلى رؤسائهم الأردياء لا إلى واجباته كحاكم ولكنه تردد في تحمل المسئولية في إصدار الحكم على البريء فأخذ ماء وغسل يديه قدام الجمع قائلاً «إني بريء من دم هذا البار. أبصروا انتم» فكان عمله هذا اجتهادًا باطلاً في أن يُبرئ نفسه من الذنب وهو مرتكب أعظم جريمة يمكن لحاكم أن يرتكبها لا شك أن الماء يُزيل الوسخ عن الجسد ولكن هل ينزع الإثم عن النفس قدام الله؟ وعند ذلك قَبِل الشعب المسلوب العقل على نفسه وعلى أولاده حَمل الإثم الفظيع الذي كان ذلك الوالي الوثني قد امتنع عن قبوله على نفسه فصاروا أعظم منه ذنبًا ولا يزال ذلك الحمل مثقلاً عليهم إلى الآن. فلما أراح بيلاطس ضميره بغسل يديه أطلق لهم باراباس وأما يسوع فجلده وأسلمه ليصلب.

«فجلده» واللفظة اليونانية هنا ليست اللفظة المترجمة «بجلدة» في (بطرس الأولى 24:2 ) أو «إشعياء5:53) لأن بطرس يُشير إلى جميع آلامه بقوله «بجلدته شُفيتم» لا إلى الضرب الخاص الذي أصابه بأمر بيلاطس. لا شك أن الوالي أهانه إهانة رديئة فاحتملها ولكن الوحي لا يذكر ذلك كأنه هو الكفارة التي أكملها لأجلنا.

«فأخذ عسكر الوالي يسوع إلى دار الولاية وجمعوا عليه كل الكتبة فعروه وألبسوه رداء قرمزيًا وضفروا إكليلاً من شوك ووضعوه على رأسه وقصبة في يمينه وكانوا يجثون قدامه ويستهزئون به قائلين السلام يا مًلك اليهود وبصقوا عليه وأخذوا القصبة وضربوه على رأسه. وبعدما استهزأوا به نزعوا عنه الرداء وألبسوه ثيابه ومضوا به للصلب» (عدد 27-31)

قد سبق القول بأن حضور ابن الله كان امتحانًا تامًا لقلوب البشر جميعًا وقد صار الآن الوقت لعسكر الوالي ليظهروا ما في قلوبهم نحو ذلك الشخص الوديع

«فجمعوا عليه كل الكتبة» لأنه من دأب البشر عندما يمرحون في الظلم أن يجتمعوا معًا لكي يُشجعوا بعضهم بعضًا ويتسابقون معًا في من منهم يفوق رفقاءه في الفجور. لم تكن لأولئك العساكر الأجنبيين خلطة مع اليهود ولا دخل لهم في مشاجراتهم الدينية. فمن دربهم على الإفراط في إهانة المسيح؟ فبلا شك الشيطان ملأ قلوبهم في تلك الساعة واستعملوا لإظهار ما عندهم من البغض الغريزي في قلب الإنسان نحو ابن الله. ومما نتعجب منه أنهم في حماقتهم وهزئهم به جثوا قدامه ساجدين له. ولكن هذا ما سيفعله له الأمم في المجد، المستقبل جديًا وتَعَبُديًا بعد ظهوره في المجد، حينما تسجد قُدامه كل قبائل الأمم.

 

صلب المسيح

(عدد 32-56؛ مرقس 21:15-41؛ لوقا 26:23-49؛ يوحنا 16:19-37)

«وفيما هم خارجون وجدوا إنسانًا قيروانيًا اسمه سمعان فسخروه ليحمل صليبه. ولما أتوا إلى موضع يُقال جُلجُثة وهو المُسمى موضع الجُمجُمة أعطوه خلاً ممزوجًا بمرارة ليشرب. ولما ذاق لم يُرد أن يشرب. ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مُقترعين عليها لكي يتم ما قيل بالنبي اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي ألقوا قُرعة. ثم جلسوا يحرُسُونه هناك. وجعلوا فوق رأسه علته مكتوبة هذا هو يسوع مَلِك اليهود. حينئذ صُلِبَ معه لصان واحد عن اليمين وواحد عن اليسار» (عدد 38:32).

«إنسانًا قيروانيًا اسمه سمعان الخ» يظهر أن سمعان هذا صار معروفًا بعد ذلك بين تلاميذ المسيح (مرقس 21:15). وقد سخروه الجُند ليحمل صليب المسيح وطوبى لسمعان القيرواني الذي أُجبر بأن يحمل صليب الرب ثم بعد ذلك تَعلَّم قيمته.

«إلى موضع يُقال له جُلجُثة الخ» «جُلجُثة» موضع خارج المدينة في جهة الشمال ولكنه بالقرب منها (يوحنا 20:19) وبالقرب من البستان الذي كان به القبر الذي دُفن فيه المسيح (41:19) ولا نعلم لماذا يُقال لذلك الموضع «موضع الجُمجُمة» وربما كان السبب أنه جرت العادة أن يقتل هناك المحكوم عليهم بالموت.

«أعطوه خلاً ممزوجًا بمرارة ليشرب» (عدد 34) كان ذلك مشروبًا من شأنه أن يعدم الحس. فلم يقبله الرب لأنه شاء أن يحتمل كل شيء بحسب إرادة الله.

«ولما صلبوه اقتسموا ثيابه الخ» (عدد 35) لما علقوه على الخشبة أخذوا يقتسمون ثيابه (يوحنا 23:19، 24) وتمموا النبوة بدون معرفة (مزمور 18:22) لأنهم كانوا وثنيين.

«وجعلوا فوق رأسه علته مكتوبة هذا هو يسوع مَلِك اليهود» قَصَدَ الله أن يكون لقب المسيح كملِك اليهود ظاهرًا قُدام أعين إسرائيل والعالم أيضًا في ساعة إهانته العظمى. لقد اغتاظ بيلاطس من اليهود ورؤسائهم لسبب طلبهم بلجاجة موت إنسانًا بريء من بعدما شهد هو لبراءته. وقَصَدَ أن يغيظهم ويهينهم بتعليق علته فوق رأسه مكتوبة باللغات المعروفة عند المُجتمعين (يوحنا 20:19) وإن أرادوا أن يتطلعوا إلى ذلك المنظر المُحزن فينبغي أن يقرأوا ما يُفكرهم بأنهم رفضوا مَلِكهم. وبالحقيقة بلغوا حينئذ إلى أقصى درجة من الإهانة كأُمة إذ صُلِبَ مَلِكهم. فصار ذلك وصمة عليهم إلى هذا اليوم فاضطروا إلى أن يحتملوه رغمًا عنهم. ولأجل زيادة العار صُلِبَ لصان معه.

«وكان المُجتازون يُجدفون عليه وهم يهزون روؤسهم قائلين، يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خَلِص نفسك إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب. وكذلك رؤساء الكهنة أيضًا وهم يستهزئون مع الكتبة والشيوخ قالوا، خَلَصَ آخرين وأما نفسه فما يقدر أن يُخلصها إن كان هو مَلِك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به. قد اتكل على الله فليُنقذه الآن إن أراده. لأنه قال أنا ابن الله وبذلك أيضًا كان اللصان اللذان صُلِبا معه يُعيرانه» (عدد 44:39).

«وكان المُجتازون يُجدفون عليه الخ» لقد صارت الآن الفرصة للجموع المُجتازين أن يُظهروا ما فيهم نحو ابن الله. فاقتبسوا كلام شاهدي الزور وعيروه به. الكذب دائمًا ينتشر بسرعة ويسبق الحق ويجد القبول في قلب الإنسان الكاذب. كان الخبر عن مُحاكمته أمام المجمع اليهودي قد شاع بين الشعب فأخذوا يُظهرون الآن أعظم سرور لمُشاهدتهم إياه مُعلقًا في عار. نشكر الله لأننا نعلم أن ليس الجميع أنفقوا في ذلك العمل المُهين لأن قلوب البعض امتلأت حُزنًا في ذلك اليوم المُحزن ولم تشترك مع الجموع في شماتتهم الأثيمة.

«وكذلك رؤساء الكهنة أيضًا الخ» بعد هُزء المُجتازين نرى هنا ذكرًا خاصًا لهزء رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ كانوا قد اضطربوا مع هيرودس الملك حين بلغ أورشليم الخبر بولادة المسيح كملك اليهود وقاوموه وقت حياته، فليس مستغربًا أن يشمتوا فبه ساعة موته لقد ذكروا أعمال الرحمة والمحبة التي عملها قائلين «خلص آخرين» وكنا نظن أنهم يقفون عند هذا الحد ويخجلون من عملهم، ولكنهم أقروا بهذا الإقرار وأضافوا إليه القول «وأما نفسه فما يقدر أن يخلصها» (عدد 42) افتكروا في القوة فقط ولم يعرفوا شيئًا عن المحبة، شكرًا لله أننا نحن قد عملنا أنه بذل نفسه لأجلنا بمحبة لا توصف ولا تستقصى فلم يقدر أن يخلص نفسه وإيانا أيضًا.

«إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل عن الصليب فنؤمن به» كان الصليب معثرة لهم. وهذا هو الحال إلى اليوم، فإن الصليب لا يزال معثرة للمعتدين ببر أنفسهم وجهالة للمدعين بحكمة هذا الدهر. المتكل على بره الذاتي لا موضع للصليب في قائمة أعماله الصالحة وأما الفيلسوف فيظن أن ذكر الصليب حماقة وجهالة (كورنثوس الأولى 17:1-25) فالرؤساء في فيض غضبهم تمموا ما قيل عنه في (مزمور 22) دون أن يخطر على بالهم أنهم يتممونه «قد اتكل على الله فلينقذه الآن إن أراده» (عدد 43) (أنظر مزمور 8:22) حيث ينسب الحي هذا الكلام لأعداء المسيح غير المؤمنين.

«وبذلك أيضًا كان اللصان اللذان صلبا معه يعيرانه» يظهر أن الاثنين عملاً ذلك في الأول ثم تاب واحد منهما (أنظر لوقا 40:23-43). وأما مَتَّى فإنما يذكر الحادثة الغريبة أن اللصين اشتركا مع أولئك الرؤساء في إهانة ابن الله. لأنه لم يسمع قط أن إنسانًا مشرفًا على الموت يعير رفيقه في الآلام. فأنه لو كان الواحد قد ظلم الآخر فالموت الذي هو ملك الأهوال ينهي كل الدعاوي بينهما ويسكن احساسات الغضب، ولكن حضور المسيح بين الناس امتحن قلوبهم وجعلهم يظهرون عدواتهم الغريزية لله، وفي تلك الساعة هاج عليه كل قلب عدا قلوب الذين كانت النعمة قد فعلت فيهم واجتذبتهم إلى المسيح ولكنهم كانوا كخراف بددها الذئب.

«ومن الساعة السادسة كانت ظلمة على الأرض إلى الساعة التاسعة. ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائل،إيلي إيلي لِما شبقتني؟ أي إلهي إلهي لماذا تركتني. فقوم من الواقفين هناك لما سمعوا قالوا إنه يُنادي إيليّا . وللوقت ركض واحد منهم وأخذ إسفنجة وملأها خلاً وجعلها على قصبة وسقاه. وأما الباقون فقالوا. أُترك. لنرى هل يأتي إيليّا يُخلصه. فصرخ يسوع أيضًا بصوت عظيم وأسلم الروح» (عدد 45-50). قد رأينا أن أمواج الظُلم البشري هاجت واحدة بعد أخرى تلاطم الرب بقوة مُتزايدة، ولكن لله تعالى السلطان المُطلق ويقول للبحر المُضطرب «إلى هنا تأتي ولا تتعدى. وهنا تتخم كبرياء لُججك» (أيوب 11:38). كان البشر اليهود والأُمم آلات في يد إله هذا الدهر وكانت قوتهم عظيمة جدًا ومع ذلك كله إنما قدروا أن يُعذبوا ويذلوا إنسانًا بريئًا ويقتلوا جسده. وكان الرب قد قال لتلاميذه أن لا يخافوا ممن ليس لهم أن يعملوا أكثر من ذلك.

«ومن الساعة السادسة كانت ظُلمة على كل الأرض إلى الساعة التاسعة» نرى هنا العلامات التي تدل على أن الله نفسه يتداخل في تلك الحوادث العظيمة. فأولاً يرخى الظلام1الدامس كحجاب على المشهد حيث هو مُزمع أن «يفعل فعله الغريب» (إشعياء 21:28) وهو الدينونة. ولكن إن كان الظلام يُخرج البشر عن محضر الله ويتركهم هنيهة في الحيرة والشعور بعجزهم فإنه يفرز المسيح ليكون وحده مع الله في تلك الساعة الخطيرة لأن الله فيها «جعل الذي لم يعرف خطية (أو ذبيحة خطية) لأجلنا» (كورنثوس الثانية 21:5). وإن كان المسيح قد صار الذبيحة فكان ينبغي أن نار الله تنزل عليه. بل والذبائح القديمة نفسها، مع أنها لم تكن إلا رموزًا إلى المسيح في آلامه، فقد احترقت بنار. أما غضب البشر مهما اشتمل فلا يكون سوى نار غريبة لا تصلُح لمحرقات الرب (انظر لاويين 1:20، 2) وعندما يُحاسبهم الله على عملهم في إماتتهم ابنه يُعاملهم بالمثل ويُخرج نار دينونته عليهم فتأكلهم (عبرانيين 37:10) ولكن وقت المُحاسبة لم يأت بعد. ونرى أن عكس ذلك تمامًا قد جرى وقت صلب المسيح فإن الله حينما تداخل أوقع الدينونة على ابن محبته لا على قاتليه.

«ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً إيلي إيلي لِما شبقتني؟ أي إلهي إلهي لماذا تركتني؟ في وسط الظلام تكلم المسيح وكان صوته لله لا للإنسان. واقتبس كلامه من (مزمور 1:22). كان رؤساء الكهنة قد اقتبسوا ما يخصهم من هذا المزمور وأما الآن فالمسيح اقتبس قسمه هو منه ولا يُخفى أن موضوع هذا المزمور الرئيسي هو آلام المسيح التي تألمها من يد الله. يوجد فيه ذكر للعار والعذاب اللذين وقعا عليه من الناس ولكن ذلك مهما كان فليس شيئًا بالنسبة إلى ما وقع عليه من يد الله الذي ألجأه لأن يصرخ «إلهي إلهي لماذا تركتني؟» إن الأيادي الأثيمة التي أمسكته وسمرته على الخشبة عجزت عن تعذيب نفسه البارة وما قدرت أن تصد عنه لمعان وجه أبيه وفضلاً عن ذلك كان البشر قد عملوا عملهم قبل أن صرخ يسوع ذلك الصُراخ الذي يُخبرنا بالاختصار بما جرى في ذلك الدُجى العميق. إن غضب الإنسان يمكن أن يُحتمل وأما غضب الله فمَنْ يستطيع احتماله؟ وأطلب إلى القارئ المسيحي أن يتذكر أن خطايانا باهظة وتستوجب غضب الله ورجزه في هذه الحياة وفي الحياة العتيدة أيضًا. كان مفرضًا على المسيح أن يواجه عدل الله غير المُتغير ويقبل على نفسه البارة عقاب الخطية الذي لا يستقصي من يد الله الذي أخطأنا إليه إن كان هو قائمًا مقامنا فينبغي أن يُعامل مُعاملتنا. عن كنا مستوجبين غضب الله مصبوبًا صرفًا فينبغي أن ينصب صرفًا على نفس نائبنا البار. وإن كان الله لا يقدر أن ينظر إلينا بعين الرضى ونحن في خطايانا فينبغي أن يُصرف وجهه عن ابنه العزيز وهو حامل إياها على سبيل الكفارة لدى العزة الإلهية. آه مَنْ منا يستطيع أن يتصور آلام نفس فادينا المُبارك حين أصبح متروكًا من الله مُختبرًا في نفسه ثقل ذلك الغضب العادل الذي كنا نستحق نحن أن نُكابده إلى أبد الآبدين! «غمر يُنادي غمرًا عند صوت ميازييك. كل تياراتك ولُججك طمت عليَّ» (مزمور 7:42) إن كانت لُجج الظُلم البشري قد هاجت جدًا عليه فلم تكن سوى الأمواج التي على وجه البحر. لأنه كانت تحت ذلك أعماق آلام لا تُقاس قد تعينت لفادينا ينبغي أن ينحدر إليها لكي يبلغ إلى حيث كنا نحن مُضطجعين في خطايانا ويُصعدنا من هناك، نعم ويضعنا أمام الله في الرضى الكامل الغير المُتناهي. كان قلبه مُمتلئًا من المحبة الإلهية بكمالها فَقَبِلَ أن يجعل نفسه ذبيحة إثم وبما أنه كان قدوسًا ولم يعرف الخطية كشيء فيه استطاع أن يأخذ خطايانا عليه ويحتمل عواقبها لدى الله الذي حجب عنه وجهه وجعل غضبه يضغط عليه. الإنسان الساقط المُبتعد عن الله قد أُصيب بالعمى وقلما يُفكر في انصراف وجه الله عنه. وأما الغضب فيظنه مُستقبلاً بعد. فلا يعرف الأول ولا يُبلي بالثاني. ولكن لم يكن الأمر هكذا مع يسوع المسيح ربنا الذي كان كالابن الوحيد للآب مُنذ الأزل في ذلك الرضى الذي هو أفضل من الحياة. وكذلك في حياته كإنسان على الأرض لم ينقطع تمتعه التام بشركته مع الله الآب ولا دقيقة واحدة إلى أن بدأت ساعات الظُلمة الرهيبة على الصليب. حتى في جهاده العظيم في البستان كانت له شركة تامة مع أبيه ولم نسمع منه صُراخًا كهذا «إلهي إلهي لماذا تركتني» ويجب أن نُلاحظ أنه كان قبل هذا دائمًا يُخاطب الله بحسب نسبته البنوية الفريدة قائلاً «يا أبتاه» (لوقا 34:23) أما في ساعات الظُلمة على الصليب فخاطبه قائلاً له «إلهي» ولهذا أهمية عُظمى. ولا يجوز أن نقول أن الآب صرف وجهه عنه. فإنه لم تزل نسبته الفريدة كالابن الوحيد موجودة ولكن الله حجب وجهه عنه كإنسان في تلك الساعة حينما قام مقامنا أمام الله المُطلق السلطان الذي معه أمرنا لأن لفظة أب تدل على نسبة وهي أخص من لفظة الله الدالة على العزة الإلهية المُطلقة. لم ينقطع اتكال المسيح على الله لأنه قال له «إلهي» مع أنه كان متروكًا ومضروبًا منه ولاق به أن يقول له «لماذا؟» لأنه لم يكن فيه سبب إذ كان هو البار مُتألمًا بدل الأثمة لا يستطيع الهالكون المُكابدون العقاب الأبدي أن يقولوا «لماذا» لأن كل واحد منهم يعرف بغاية اليقين أنه مُعاقب على خطاياه بعدل وكان يسوع المسيح مُعتادًا على مُقاومة الخطاة لنفسه مُنذ دخوله إلى العالم ولم يستغرب أن يكون متروكًا من تلاميذه (يوحنا 32:16) وأما ترك الله فلم يحصل له قبل الصليب كل مَنْ أراد أن يفهم موضوع آلام المسيح ينبغي أن لا يُقصر نظره على ما عملته أيادي البشر الآثمة. لم نقرأ قط أن الشيطان كان له تداخل معه في تلك الساعة الفريدة حين قام وحده أمام الله كذبيح مُتألم بلا عيب فإن الله هو الذي جلب عليه الغضب وهو الذي قدمه كفارة (رومية 5:3، 25) وليس للشيطان يد في إجراء قضاء الله العادل على الخطية. يمكنه أن يغوي الناس إلى ارتكاب الخطية حتى يجلبوا غضب الله على أنفسهم. ولكنه لم يتعين قط لتنفيذ القضاء الإلهي. قد حدث بعض الأوقات عند حلول الضربات على أُناس أحياء على الأرض أن الله استخدمهم كواسطة لإبادة بعضهم بعضًا. وقد استخدم الشيطان هكذا أيضًا. غير أن ذلك إنما يحصل في الدينونات الجُزئية الوقتية فقط. فإن الله عندما يُعامل الخطية بحسب الدينونة المُطلقة الأبدية كما صار عند صلب المسيح وكما سيصير أيضًا عند العرش العظيم الأبيض فإنه يدينها بحسب طبيعته القدوسة ويجلب غضبه رأسًا، فلنتذكر ذلك. حينما يقوم في رجزه ليرعب الأرض ويُطالب الأثمة على آثامهم ينحط حالاً الشيطان والبشر إلى مقامهم الحقيقي لأنهم هم المحكوم عليهم لا الحاكمون فأي قاض يستخدم المُجرمين لتنفيذ أحكامه الخطيرة. فالله الذي هو ديان الأرض كلها يحكم ويُجري أحكامه. فمن قال بأن ظلم البشر كان يكفي لإجراء غضب الله على شخص المسيح كنائبنا لم يتعلم بعدما هي الخطية ولا ما هو الذي يستحقه الخاطئ. فمن هو الذي سيُعذب الهالكين ليلاً ونهارًا إلى الأبد في جهنم النار؟ إننا لا نقرأ أنهم يُعذبون بعضهم بعضًا ولا أن الشيطان يُعذبهم. فإن الله يُعاقبهم جميعًا والشيطان نفسه يُكابد قصاصًا أشد من قصاصهم كلهم.

وإن قال قائل أننا نستحق أن نتألم إلى الأبد وأما المسيح فإنما تألم إلى برهة. فكيف يُمكن أن تألمه مؤقتًا يوازي ما نستحق أن نُكابده مؤبدًا؟ فأجيب:

أولاً- ينبغي أن نتذكر مَنْ هو الذي تألم بدلاً عنا وننظر إلى جلال شخصه وعدم محدوديته في ذاته، الأمر الذي جعل لعمله عدم محدودية في قيمته.

ثانيًا-لأن الخطية هي ضد الله الغير المحدود لذلك صارت جُرمًا غير محدود، وصار الخاطئ بالتبعية مُستوجبًا قصاصًا غير محدود. ولكن الطاقة الإنسانية قاصرة ومحدودة. فلا يمكن للإنسان المحدود أن يحتمل كل ثقل غضب الله الغير المحدود لحيظة. وعليه، فمهما احتمل من الغضب فلن ينفعه ذلك شيئًا على سبيل الكفارة لأنه لا يمكن للمحدود أن يوفي لغير المحدود حقه عن نفسه أو عن غيره. فمهما تألم فآلامه لا تأتي له بالغفران أو الإطلاق من موضع العذاب. وأما فادينا العزيز فكان إناء المحبة الإلهية التي لا تقاس، وكان يستطيع أن يشعر بحقيقة الخطية أمام الله ويكابد الرجز الإلهي بسببها في نفسه البارة إلى الدرجة الغير المحدودة وبعمق ألم لا يتصور ولا يقاس. كان من الجهة الواحدة يعرف الله تمامًا وكل ما كانت العزة الإلهية تقضيه، ومن الجهة الأخرى عرف الخطية كما هي كذنب باهظ جدًا مُغيظ لله. وبما أنه لم تكن فيه خطية استطاع أن يأخذ الخطية على نفسه ويحتملها لدى الله إلى أن اكتفى العدل اكتفاء تامًا وقال، كفى. وكل ما قاساه كان كفاريًا واستحق أن يأتي لنا بالرضا من اليد التي آلمته. أولاً: لسبب جلال شخصه وثانيًا: لأن المشيئة الإلهية هي التي أقامته مقامنا وثالثًا: لأنه تألم طاعة. وأما الخاطئ فيتألم اضطرارًا لا طاعة. ومهما تألم فليس من فضل لآلامه. فلم يمكن لله أن يتمجد تمجيدًا كاملاً إلا في موت المسيح على الصليب. لا شك أنه تمجد فيه كإنسان وهو حي على الأرض ولكن ذلك ولو كان جميلاً في محله لا يقدر أن يمجد الله من جهة حكمه العادل على الخاطئ بالموت، ومن ثم كان ينبغي أن يتمجد فيه على طريق أخرى كذبيحة إثم (أنظر يوحنا 31:13، 32) فأنه أظهر شيئًا من لطفه للبشر بخدمة المسيح الجهارية. ولكن أين عدله، لا بل جميع صفاته بكمالها؟ فأنه لم يستطع أن يعلن حقه وعدله وقداسته ومحبته وسائر الصفات الإلهية ويثبتها تثبيتًا أبديًا في معاملته للبشر إلا في صليب يسوع المسيح. لو عفى عن الخطاة بلا كفارة فأين كانت القداسة والحق؟ لأنه كان قد صرح أن الخطية مكرهة أمامه وأنه لا يبرئ المذنبين، ولو أهلك الجميع بعدل فأين كانت المحبة؟ ولكن الشكر له إلى الأبد لأنه وجد طريقًا به قدر أن يبرر الفاجر ويظل بارًا.

لا يُخفى أن الإنسان يتلذذ في الخطية مع أنه يتحسر من أجرتها. يتمنى أن يعيش فيها وينجو من عواقبها. ولكن ذلك من المستحيل كما قد أوضح لنا صليب المسيح. لأنه لو كانت الخطية من الأمور الزهيدة لِما كان هناك موجب لأن الله يضعها شرعيًا على ابنه ثم يصرف عنه وجهه ويجعل كل لجج غضبه تطمو عليه. إذن فصليب يسوع المسيح قد برهن إلى الأبد أن الله لا يستطيع أن يجازي الخطية ولا أن يتساهل معها وأنه قد قام بعقابها في الصليب.

إن كان القارئ من الذين يتهاونون بالإثم ظانين أنهم ينجون بطريق من الطرق من غضب الله فعليه أن يلتفت إلى ذلك المنظر العجيب الذي قد أظهر مرة في موضع الجمجمة ولا يمكن أن يظهر ثانية وعليه أن يصغي إلى صوت المسيح وهو صارخ «إلهي إلهي لماذا تركتني» ويسأل نفسه: لماذا؟

كان الله قد خرج من مكانه ليدين الخطية وهي موضوعة على ابن محبته، ولم يقدر أن يتساهل فيها أو يلطف قصاصها لأنه في ذات طبيعته نار آكلة. فمخيف هو الوقوع في يديه في الدينونة. وكل ما هو الله ضد الخطية، وكل ما يمكنه تعالى أن يظهر من علامات غضبه العادل فذاك وقع على المسيح فلابد أن يتعلم يومًا ما حقيقة الخطية بمكابدة عواقبها الهائلة في ذلك الموضع الذي لا رجاء لمن أنحدر إليه. لا يُخفى أن إبليس يفرع جهده ليعمي أعين الناس ويخفي عنهم معنى صليب المسيح، لأنهم لو انتبهوا إليه لتعلموا ما هو الله وهو مجري قضاءه العادل وإذ ذاك يهربون من الغضب الآتي ويجدون الملجأ في ذلك الذبيح القدوس الذي دمه يطهر من كل خطية وبستر خطايا المؤمن إلى البد عن نظر الله في صفته كقاضي. ولكنه ينبغي لنا أن نؤمن، لأن الذي لا يؤمن يدان. كل من لا يقبل أن المسيح قد حمل خطاياه ينبغي أن يحملها هو لنفسه أمام الله في الدينونة. فلا يستخف أحد بصراخ المسيح على الصليب أو يظن أن الخطية من المسائل الخفيفة.

أخيرًا أقول أيضًا أنه إن أراد أن نفهم آلام ربنا يسوع المسيح حق الفهم فيجب أن لا نشغل أفكارنا كثيرًا في ما عمل البشر معه. إن نظرنا إلى نفاق اليهود وظلم الأمم ننسى يد الله ونغتاظ من الناس ونلومهم كأننا أفضل منهم ونشفق على المسيح كأنه فقط مظلوم من شر الإنسان، ولكن صليبه لا يطلب منا أبدًا شفقتنا عليه بل إيماننا به وخضوعنا له. فإن خطايانا أتت إلى الصليب وربطته به وهي الجواب الوحيد لصراخه لله «لماذا تركتني؟».

«فقوم من الواقفين هناك لما سمعوا قالوا أنه ينادي إيليا. وللوقت ركض واحد منهم وأخذ إسفنجة وملأها خلا وسقاه. وأما الباقون فقالوا اترك. لنرى هل يأتي إيليا يخلصه». تكلم المسيح باللغة الآرامية الدارجة حينئذ بين اليهود في وطنهم وأما بعض الواقفين فلم يفهموها تمامًا ولعلهم كانوا من اليهود الذين حضروا العيد من الأماكن الأجنبية. ولا يظهر جليًا ما هو قصد الذي ركض ليسقيه خلاً. ولكن المرجح أنه عمل ذلك على نوع من الهُزء. فإن الآخرين قالوا له اترك لنرى هل على الصليب (لوقا 26:23) وأنه هو قال أخيرًا «أنا عطشان» والبعض قدموا له خلاً (يوحنا 28:19-30) فإذا حصلت عدة أعمال من هذا القبيل. ولكن مهما كانت أفكارهم في ما عملوا فقد تمموا الكُتب بجهالتهم (مزمور 15:22؛ 21:69).

«فصرخ يسوع أيضًا بصوت عظيم وأسلم الروح» (عدد 50) مَتَّى لا يذكر ما هو الصراخ ولكن لوقا يوضح أن ذلك كان في قوله «يا أبتاه في يديك أستودع روحي» (لوقا 46:23) إذ كان قصد مَتَّى هو أن يُظهر فقط الحقيقة المُهمة في أن موت المسيح لم يكن من فراغ القوة الجسدية. فإنه «صرخ بصوت عظيم وأسلم الروح» وهذا يُطابق قوله «لأني أضع نفسي لآخذها أيضًا. ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن آخذها أيضًا. هذه الوصية قبلتها من أبي» (يوحنا 17:10، 18).

لا شك أنه مات بالجسد حقيقة ولكنه قبل تسليم الروح كان قد احتمل دينونة الله الرهيبة في نفسه. وبعد ما أكمل كل شيء وهو حي بعد، خضع بحسب مشيئة الله للموت الجسدي أو لانفصال الروح عن الجسد (يوحنا 29:19-30).

«وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل. والأرض تزلزلت والصخور تشققت. والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين. وخرجوا من القبور بعد قيامته ودخلوا المدينة المُقدسة وظهروا لكثيرين. وأما قائد المئة والذين معه يحرُسون يسوع فلما رأوا الزلزلة وما كان خافوا جدًا وقالوا، حقًا كان هذا ابن الله. وكانت هناك نساء كثيرات ينظُرنَّ من بعيد وهُنَّ كُنَّ قد تبعنَّ يسوع من الجليل يخدمنه. وبينهُنَّ مريم المجدلية ومريم أم يعقوب ويوسي وأم ابني زبدي» (عدد 51-56).

قد رأينا في هذا الإنجيل أن البشير مَتَّى قد ألهم على نوع خاص بأن يدرج كل ما يتعلق بالمسيح في حياته كابن داود ابن إبراهيم حاضرًا بين نسل إبراهيم كيهوه إلههم ثم بعد رفضه صار ذبيحة إثم. ومع أنه يدرج أيضًا الحوادث المُهينة التي أصابته من الناس بعدما أُسلم إلى أيديهم، فالموضوع الأعظم في هذا الفصل من إنجيله هو موت المسيح كذبيحة قدوسة وبلا عيب، قائمًا وحده أمام الله مُحتملاً حجب وجهه عنه وضغط غضبه. لا يُخفى أنه توجد أوجه مُختلفة لموته ولكل منها فوائد عظيمة لنا. ولكنه أنفع لنا أن نتبع كلام كل واحد من الأربعة البشيرين في محله. لا شك أن جميع الذبائح الدموية القديمة أشارت إلى المسيح كفادٍ مُتألم ولكن اليهود ما كانوا يفهمون أنها مُختصة بالمسيح، لأنهم لم يدركوا الحقيقة الرئيسية من الإعلانات الإلهية أنه بدون سفك دم لن تحصل المغفرة. وأما من جهة أفكارهم فكانوا على المبدأ الناموسي أي أن الله طالب من الإنسان وليس مُعطيًا له مجانًا بلا شرط. وكانوا مُمتلئين من الأفكار من جهة أعمال الله في سياسته للناس في هذه الحياة إذ يُجازي الأبرار الآن على برهم ويُعاقب الأشرار على شرهم. فلذلك أخذوا يشمتون في المسيح لِما تيسر لهم أن يأتون به إلى الصليب، إذ ظنوا أن الله مُصادق على عملهم في عنايته وسياسته. قائلين «قد اتكل على الله فليُنقذه الآن إن أراده» وكان جانب من الحق في أفكارهم هذه. لأن الله كان مُعتادًا في سياسته أن يُظهر رضاه على الأتقياء، وإن سمح بأن يظلموا إلى حين فلا بد أن يكون معهم في شدائدهم وكان غالبًا يفرج ضيقاتهم ويُخرجهم منها. كان يوسف مَثلاً قد ظُلم من اخوته وبِيع كعبد إلى مصر وهناك وقعت عليه تهمة ردية ومع ذلك نقرأ أن الرب كان مع يوسف في السجن (تكوين 39) وفي الوقت المعين أنقذه (تكوين 41) كذلك الثلاثة الفتية الذين ألقوا بأمر الملك في أتون النار. فأن شخصًا إلهيًا وقف معهم في النار وحفظهم من قوتها (دانيال 3) ودانيال كذلك حين رموه في جب الأسود لأن الله أرسل ملائكة وسد أفواهها ثم خرج سالمًا وحصل على شرف زائد (دانيال 6) وأما الأمر مع المسيح في عظم شدته فلم يكن هكذا. فأنه اضطر إلى أن يعترف علنًا بصوت عظيم أنه متروك من الله وفي ذلك نرى السر العظيم لعمل الفداء الذي لم يقدر اليهود أن يدركوه (مزمور 1:22-8) ونحن أيضًا لا نقدر أن ندركه أن لم نتعلم من الله. لأنه أمر خلاف أفكارنا الطبيعية أن الله يضرب البار بدل الأثمة ولكن هذا ما عمله مع المسيح على الصليب. وبذلك أعلن ذاته أعلانًا تامًا لمن قد انتبه وعرف خطاياه. أن طرق الله وأعماله في سياسته للعالم لا نقدر أن تعلنه إلا إعلانًا جزئيًا. لأنها أكثر ما يكون إنما تظهر حقيقة واحدة أي أنه ينظر إلى الأبرار بعين الرضى ويجعل وجهه ضد الأشرار (بطرس الأولى 12:3) ولكن هذه وأن كانت مهمة فلا تخبرنا كيف للأثيم أن يصير بارًا أو للخاطئ المذنب أن يفوز بالغفران ويوضع في النعمة الإلهية الغير المتناهية. وبالجمال أقول أن الله في مدة النظام القديم لم يعلن ذاته تمامًا. فأنه كان ساكنًا وراء الحجاب. لا شك أنه كان يجري أعمال دينونة ورحمة خارج الحجاب. ولكن النظام نفسه كان متصفًا بتعليق الحجاب ليمنع عن الوجود في قدس الأقداس مسكن الله الخاص. لأن الطريق إليه ظل غير ظاهر مدة إقامة النظام الأول (أنظر عبرانيين7:9-14). ولكن عند صلب المسيح خرج الله من مكانه بكمال صفاته لكي يتمم عملاً عجيبًا يوافق صفاته ويعلنها أيضاً. فأنه دان الخطية لكونها ضد طبيعته. ولكن حلت دينونته على البار نفسه خلاف معاملاته الجزئية السياسية السابقة. وبالتبعية عمله هذا أنهى النظام القديم. لأنه لم تعد بعد حاجة إلى ما يستره منه بعدما أعلن نفسه تمامًا وبالعمل نفسه نزع الخطية التي كانت قد أبعدت الإنسان عنه ومنعته من الاقتراب إليه بجراءة مقدسة فكان من الأمور اللائقة كل اللياقة أنه يشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل (أنظر عبرانيين19:10، 20) كان الحجاب نفسه تشبيهًا لجسد المسيح ووجه الشبه أن الله كان محجبًا في ذلك الجسد ولم يقدر أن يعلن ذاته إلا عند انشقاقه بالموت، وعند ذلك نزع ما كان يفصل بينه وبيننا ولا يبقى شئ في الوسط سوى المسيح نفسه وهو الذي حمل خطايانا وقربنا إلى الله بدمه. كل من أراد أن يضع فاصلاً بيننا وبين الله ينكر حقيقة الإيمان المسيحي ويحاول أن يجدد الحجاب المشقوق ويرجعنا تحت النظام الذي أبطله الله عند موت ابنه.

«والأرض تزلزلت والصخور تشققت» هنا نرى أنه جرت حوادث أخرى وقتئذ برهنت على حضور الله على نوع خاص. كان الظلام الخارق العادة الذي غطى وجه الأرض في نصف النهار قد أظهر أن الله نفسه تداخل كإله القضاء. ولكن بعد موت الذبيحة عمل في الطبيعة ليجعلها تشهد لعظم الشخص الذي مات. فأنه إن كانت الرياح والبحر قد خضعت لصوته وهو حي يخدم احتياجات الإنسان العديم الشكر فيليق بالأرض والصخور أن تشهد له بعد موته على أسلوب قد أثر في فظاظة قلوب العساكر الرومانيين وجعلهم يصادقون على الشهادة التي قدمها عن نفسه قائلين«حقًا كان هذا ابن الله» (عدد 54) أن الزلزلة من العلامات الدالة على حضور الله وقوته في الطبيعة. لا نقدر أن نجزم في أمر أولئك العساكر وقائدهم أحصل فيهم عمل إلهي ثابت أم لا. غير أنه يجوز لنا أن نرجو أن الله جعلهم مثل باكورة للأمم المعترفين بابنه حق الاعتراف. قصد الوحي هنا أن يذكر الشهادة الفائقة الطبيعية التي قدمها الله للمسيح عند موته حتى اخترقت قلوب وضمائر الذين كانوا يحرسونه وأخرجت من أرواحهم المرتعدة الاعتراف بمن هو. لا كملك اليهود فقط، بل كابن الله أيضًا. كانت أخباره قد شاعت وصارت المسألة عند الجميع ترى أهو ابن الله أم لا، والخليقة نفسها بادرت إلى أن تعطي الجواب قائلة نعم. ولم يقدر أن يقاوم بعد إلا الذين قد صارت قلوبهم أصلب من الصخور.

«والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين وخرجوا من القبور بعد قيامته ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين» هذا الكلام هو كجملة معترضة. لأن الحوادث المذكورة لم تكن معلومة في تلك الساعة. ولكن لما عُرِفت كانت شهادة أخرى لفاعلية موت المسيح وقيمة آلامه عند الله. طالما كان القبر يفتح فاه ليقبل فرائسه الذين لم يكن لهم مناص. وعندما يضمهم لا يعود يردهم «ثلاثة لا تشبع. أربعة لا تقول كفى الهاوية والرحم العقيم وأرض لا تشبع ماء. والنار لا تقول كفى» (أمثال 16:30) لم يكن القبر قد شبع ومهما ابتلع فلم يقل كفى. ولكن عند موت المسيح أخذ يفتح فاه ويرد فريسته طاعة له. لأنه بالموت غلب الموت. لاحظ أن موته هو علة الحياة لنفوسنا وأجسادنا أيضًا. فلذلك عاش أولئك القديسون وقت موت المسيح1 مع أنهم لم يقدروا أن يخرجوا من القبور إلا بعد قيامته لأنه هو باكورة الراقدين (كورنثوس الأولى 20:15) فكان يلزم أنه يسبقهم في هذا الطريق الجديد. إني أفهم أنهم قاموا بأجساد متغيرة ولم يرجعوا إلى أجسادهم على حالتها الطبيعية الأصلية ليموتوا أيضًا كلعازر وغيره من الذين أُقيموا من الأموات بقوة الله ثم ماتوا أيضًا. وهذا يُفهم أيضًا من أن الكتاب استعمل لهم كلمة«ظهروا» التي استعملها لشخص الرب في قيامته المجيدة (مرقس 9:16، 12)، والتي تدل على أن لهم القدرة على الظهور بهذه الأجساد للبعض والاختفاء عن البعض الآخر، بخلاف الأجساد الطبيعية المنظورة دائمًا وللجميع. والكتاب لا يذكر شيئًا آخر عنهم. ولا يجوز لنا أن نتكلم بحسب تصوراتنا. غير أني لا أشك في أنهم أُخذوا إلى السماء مع المسيح كعلامة ظفره ونحن سنلحقهم بعد قليل.

«وكانت هناك نساء كثيرات ينظرن من بعيد إلخ» نرى هنا ذكرًا جميلاً لبعض المؤمنات اللواتي خدمن المسيح في حياته بغاية التقوى ولم تزل قلوبهن تلتصق به في موته. ولكنهن كن ينظرن إليه من بعيد.

 

دفن المسيح

(عدد 57-61؛ مرقس 42:15-47؛ لوقا 50:23-56؛ يوحنا 38:19-42)

«ولما كان المساء جاء رجل غني من الرامة اسمه يوسف. وكان هو أيضًا تلميذًا ليسوع. فهذا تقدم إلى بيلاطس وطلب جسد يسوع. فأمر بيلاطس حينئذ أن يُعطى الجسد. فأخذ يوسف الجسد ولفه بكتان نقي. ووضعه في قبره الجديد الذي كان قد نحته في الصخرة. ثم دحرج حجرًا كبيرًا على باب القبر ومضى. وكانت هناك مريم المجدلية ومريم الأخرى جالستين تجاه القبر» (عدد 57-61).

رتب الله جميع الحوادث المتعلقة بموت ابنه. وأما الآن فرتب أمر دفنه بواسطة بعض الأتقياء من الذين عرفوه وأحبوه. ذهب يوسف إلى الوالي وطلب الجسد. ونرى هنا مثالاً جميلاً لتدابير الله بعنايته المحيطة بكل شيء وحيث يدبر الأمور في وقتها ومحلها. كان يوسف تلميذًا غنيًا فاستخدمه الله لخدمة ربما لم يقدر أحد غيره أن يقوم بها. فلما احتاج المسيح إلى القبر كان حاضرًا مستعدًا. فأمر بيلاطس أن يُعطى الجسد الذي ليست له أهمية عظيمة عنده الآن. فأخذه يوسف ووضعه. بغاية التقوى والاحترام في قبره الجديد الذي لم يكن قد أُستُخدم ليُخفي فساد الإنسان. وكان هذا ضروريًا لمنع كل التباس في قيامته. وبعد أن دحرج حجرًا كبيرًا على باب القبر مضى (إشعياء 9:53).

«وكانت هناك مريم المجدلية الخ» هنا يوجد ذكر لإثنين من النساء المؤمنات حملتهما محبتهما لشخص الرب على أن يستمرا وقتًا جالستين تجاه القبر حيث دُفن. لقد كانت قيامة الرب أمرًا بعيدًا جدًا جدًا عن أفكار جميع التلاميذ. ولم يبق لتقواهم شيء بعد يُمكنهم أن يعملوه للذي أحبوه في حياته والذي فاجأهم موته العنيف وتركهم في حزن وحيرة إلى حين.

 

وضع الحراس على القبر (عدد 62-66)

«وفي الغد الذي بعد الاستعداد اجتمع رؤساء الكهنة والفريسيون إلى بيلاطس قائلين، يا سيد قد تذكرنا أن ذلك المُضل قال وهو حي إني بعد ثلاثة أيام أقوم. فمر بضبط القبر إلى اليوم الثالث لئلا يأتي تلاميذه ليلاً ويسرقوه ويقولوا للشعب أنه قام من الأموات. فتكون الضلالة الأخيرة أشر من الأولى. فقال بيلاطس عندكم حراس اذهبوا واضبطوه كما تعلمون. فمضوا وضبطوا القبر بالحراس وختموا الحجر» (عدد 62-66).

«وفي الغد الذي بعد الاستعداد» أي يوم السبت وكان يوم ذلك السبت عظيمًا عند اليهود باعتباره ثاني أيام الفصح وكان اليوم السابق له وهو يوم الجمعة، استعدادًا لحفظه وذلك على نوع خاص لتعلقه بعيد الفصح.

«اجتمع رؤساء الكهنة والفريسيون إلى بيلاطس» إن كانت تقوى البعض قد جعلتهم يعتنون بجسد الرب بعد موته فخبث البعض الآخر لم يدعهم يرتاحون. فلم يقدر رؤساء الكهنة والفريسيون أن يأخذوا راحتهم في السبت ولو كان يوما عظيمًا. كنا نظن أن تلك الحوادث العجيبة التي حصلت يوم أمس تفعل في أفكارهم وتجعلهم يترددون قليلاً لئلا يوجدوا محاربين لله. كان حجاب الهيكل المشقوق قدام نظرهم يكفي وحده لأن ينبههم أنه قد حدث أمر فوق العادة. ولكن الزلزلة التي زعزعت الأرض وشققت الصخور الصلبة لم تؤثر في قلوب رؤساء إسرائيل الذين كانوا أبعد عن الله من أولئك العساكر الوثنين فاجتمعوا إلى الوالي لأجل مسألة عظيمة الأهمية «قائلين، يا سيد، قد تذكرنا أن ذلك المضل» فهم يتكلمون كأنه من المسائل المؤكدة أن المسيح كان مضلاً وأنهم يخشون وقوع ضلالة جديدة وبما أنهم يحبون الحق ويريدون خير الشعب يطلبون ضبط القبر.

«قال .. آتى بعد ثلاثة أيام أقوم» الظاهر أنهم فهموا هذا من كلامه عن يونان كرمز إليه في (إصحاح 38:12-40)، في حين لم يفهمه تلاميذه لما قال لهم صريحًا عدة مرات في (إصحاح 21:16؛ 22:17، 23؛ 18:20، 19) والغريب أنهم هم تذكروه في حين نسيه تلاميذه.

«فمر بضبط القبر إلى اليوم الثالث» (عدد 64) إن استعمالهم عبارة «إلى اليوم الثالث» بدل عبارة «بعد ثلاثة أيام» دليل على أنهم أرادوا بالعبارتين معنى واحدًا.

«فمضوا وضبطوا القبر بالحراس وختموا الحجر» (عدد 64)الإنسان المظلوم المقاوم للحق بضمير مضطرب يخاف دائمًا أنه ربما يقاومه يكون حقًا. ولكنه لا يريد الحق ومجرد ذكره يُتعبه وما أشد عمى أولئك الرؤساء! لأنه ماذا تنفع هذه الاحتياطات البشرية ضد قيامة المسيح إن كان يتداخل ليقيمه من الأموات فحراسه العساكر وختم الوالي لا يمنعانه عن إجراء عمله وأما من جهة إتيان تلاميذه ليلاً ليسرقوه فلم يكن ذلك سوى ثمر تصورات قلوبهم المضطربة الخبيثة، التي لم تدعهم يطمئنون عند تذكرهم كل ما جرى ولكن إرادتهم الأثيمة العامل فيها الشيطان حملتهم على أن يستمروا في المقاومة إلى النهاية. فسمح الله بأنهم في عماهم يعملون نفس العمل الذي جعل قيامته أكثر تأكيد إذ ضبطوا القبر وختموا الحجر بختم الوالي فصارت سرقة الجسد من الأمور المستحيلة. لا يوجد نوع من العمى نظير عمى الذي يرى النور ويرفضه. ولا قساوة مثل قساوة رؤساء الدين إذ كانوا يقاومون الحق. ولكن عندما نرى هذه الصورة القاتمة التي رسمها الوحي لحالة اليهود ورؤسائهم لتتذكر أنها بالحقيقة صورة قلب الإنسان إذا كان الله ينعم عليه بإعلان الحق له، وبتركه يُظهر عداوته له. انه من الأمور السهلة علينا أن نلوم اليهود على ما عملوا وننسى أعمالنا. نلومهم لقساوتهم، وتلك القساوة نفسها فينا لأن اليهودي كان إنسانًا قد أنعم عليه من قِبل الله بامتيازات وخيرات خاصة وعند الامتحان أظهر حقيقة الإنسان الساقط وهو في أحسن الظروف والأحوال ونرى أنه كشجرة ردية الجنس في أصلها وكلما اعتنيت بها فإنما تحصل على ثمر أردأ. هذه قصتها كلها. والممالك المسيحية بالاسم هي الآن على هذا الحال عينه ومع اجتهادها في إصلاح الطبيعة البشرية وتهذيبها فإنما تتهيأ ضد الله ومسيحه. لتصنع حربًا مع الخروف، وعند ذلك تبرهن أنها أعظم ذنبًا من اليهود بقدر ما عندهم من نور أكثر منهم.

نقلاً بالاتفاق مع موقع بيت الله www.baytallah.com

Advertisements

ما الذي يجول بخاطرك بخصوص التدوينة؟

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: