شرح إنجيل متى | الإصحاح الحادي والعشرون | بنيامين بنكرتن


الإصحاح الحادي والعشرون

 

المسيح يُقدم نفسه لأورشليم كمَلِكها الشرعي

(عدد 1-11؛ مرقس 1:11-11؛ لوقا 29:19-40؛ يوحنا 12:12-9)

«ولما قربوا من أورشليم وجاءوا إلى البيت فاجي عند جبل الزيتون حينئذ أرسل يسوع تلميذين قائلاً لهما اذهبا إلى القرية التي أمامكما. فللوقت تجدان أتانًا مربوطة وجحشًا معها فَحِلاهما وأتياني بهما. وإن قال لكما أحد شيئًا فقولا الرب مُحتاج إليهما. فللوقت يرسلهما. فكان هذا كله لكي يتم ما قيل بالنبي القائل. قولوا لابنة صهيون هوذا مَلِكُكِ يأتيكِ وديعًا راكبًا على أتان وجحش ابن أتان. فذهب التلميذان وفعلاً كما أمرهما يسوع. وأتيا بالأتان والجحش ووضعا عليهما ثيابهما فجلس عليهما. والجمع الأكثر فرشوا ثيابهم في الطريق. وآخرون قطعوا أغصانًا من الشجر وفرشوها في الطريق. والجموع الذين تقدموا والذين تبعوا كانوا يصرخون قائلين، أُوصنا لابن داود. مُبارك الآتي باسم الرب، أُوصنا في الأعالي. ولما دخل أورشليم ارتجت المدينة كلها قائلة، مَنْ هذا؟ فقالت الجموع هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل»

«ولما قربوا من أورشليم ..إلخ» كانت أعمال يسوع المسيح دائمًا في وقتها وفي محلها. وكان الوقت قد حان لدخوله إلى مدينة داود على هيئة ملكية رسمية بمحفل عظيم من شعبه لكي يقبلوه أو يرفضوه علنًا ورسميًا ولم يفعل ذلك قبل الآن إذ كان عليه أولاً أن يعلن حقيقة أنه الملك الشرعي بتعاليمه ويُقيم الدليل عليها بمعجزاته.

«بيت فاجي» معناها بيت الفجِّ أو التين النيئ وهي في الطريق بين أريحا وأورشليم، وبالقرب منها شمالاً بيت عنيا.

«جبل الزيتون» هو شرقي أورشليم يفصل بينهما وادي قَدرُون (يوحنا 1:18) على بعد ميل. وهذه المسافة تعتبر عند اليهود سفر سبت (أعمال الرسل 12:1). وعلى سفحه الغربي يقع بستان جثسيماني (فابل لوقا 39:22 مع 32:14). وعلى سفحهِ الشرقي بيت فاجي من الجنوب وبيت عنيا من الشمال.

«تجدان أتانًا مربوطة وجحشًا» اقتصر مرقس ولوقا على ذكر الجحش فقط. وزادا على قول مَتَّى أنه لم يجلس على ذلك الجحش أحد قبل المسيح (عدد 2).

«فللوقت يرسلهما» (عدد 3) اتخذ المسيح سيادته المُطلقة وقدرته الإلهية ليُهيئ كل الظروف المُتعلقة به حسب نبوة زكريا.

«فكان هذا كله لكي يتم ما قيل بالنبي القائل» (عدد 4) أصل النبوة المُقتبسة هنا هو «ابتهجي جدًا يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت أورشليم. هوذا مَلكُكِ يأتي إليك، هو عادل ومنصور، وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان» (زكريا 9:9). وقد ترك الوحي لفظتين من كلام النبي هما «عادل ومنصور» لأنه لم يحضر وقتئذ مُجريًا العدل ومُنتصرًا على أعدائه. لا شك أنه سيأتي هكذا في المُستقبل (انظر مزمور 2، 45؛ رؤيا 11:19-21). وابنة صهيون التائبة المُتذللة ستُرحب به ترحيبًا قلبيًا. ولكنه أتاها أولاً بالوداعة والتواضع فلم تقبله.

على أن الجموع الذين كانوا يُرافقونه في الطريق تأثروا تأثُرًا وقتيًا وأظهروا علامة الفرح والخضوع له ولكن غيرتهم الشديدة وإن كانت في محلها لكنها لم تلبث أن فترت تجاه مُقاومة الرؤساء.

«والجمع الأكثر فرشوا ثيابهم في الطريق» (عدد 8) صارت قلوب بني إسرائيل مُنتدبة وخاضعة لأمره إلى برهة من الزمان. أخذهم فرح عظيم مؤقتًا فرحبوا بمَلِكهم كمن أتاهم وديعًا راكبًا على أتان وجحش ابن أتان. ولكن فرحهم لم يُمكن أن يدوم لأنهم لم يكونوا تائبين.

«كانوا يصرخون قائلين، أُوصنا» (عدد 9) اقتبسوا شهادة جميلة ومُوافقة من (مزمور 26:118) ومعنى «أُوصنا» «خلص الآن» لا شك أن هذا المزمور كله سيتم في إسرائيل في المُستقبل. واعترافهم المُتضمن في أوله يُهيئهم ليقبلوا مسيحهم ويُرحبوا به بحسب الكلام في آخره.

«ولما دخل أورشليم ارتجت المدينة كلها قائلة، مَنْ هذا؟» قابل هذا مع اضطراب المدينة وقت أن بلغها الخبر بولادته (إصحاح 3:2). ولكن أورشليم لم تعرف إلهها ومَلِكها. فاضطربت عند ولادته العجيبة وارتجت عند دخوله إليها بموكب مَلَكِي لأنها لا تزال مركز الكتبة والفريسيين ولا تنتبه ليوم افتقادها.

«فقالت الجموع، هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل» (عدد 11). فلم يكن في نظرهم سوى نبي. فإنهم مع كل تهليلهم لم يروا«عمانوئيل» الذي تفسيره «الله معنا» في ذلك الشخص الوديع. ستعود أورشليم ترتج بمجيء المسيح إليها وتتهيأ للخضوع له كَمَلِك المجد قائلة «ارفعنَ، أيتها الأرتاج رؤوسكن وارتفعن، أيتها الأبواب الدهريات، فيدخل مَلِك المجد. مَنْ هو هذا مَلِك المجد؟ رب الجنود هو مَلِك المجد» (مزمور 7:24-10).

 

تطهير الهيكل للمرة الثانية وشفاء عُمي وعُرج

(عدد 12-17؛ مرقس 15:11-18؛ لوقا 45:19-47)

«ودخل يسوع إلى هيكل الله وأخرج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل وقَلَبَ موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام. وقال لهم، مكتوب بيتي بيت الصلاة يُدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص» (عدد 12، 13).

كان قد طَهرَ الهيكل في أول خدمته انظر (يوحنا 14:2-16). وإنما قال وقتئذ «لا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة». ولكن الإصلاحات الدينية لا تدوم. معلوم أن الأشياء التي كانوا يُتاجرون فيها كانت تتعلق بالعبادة وبهذا أراحوا ضمائرهم مع أنهم جعلوا بيت الله بيت تجارة. وكانوا كل واحد يطلب الأرباح المالية فقال لهم الرب هذه المرة «وأنتم جعلتموه مغارة لصوص» (قابل أرميا 11:7). وهذا يُظهر أن حالتهم تطورت إلى أسوأ. فطَهر الهيكل بموجب سُلطانه وحقوقه الإلهية. وكان عمله هذا من الأعمال القضائية. كان قد دخل المدينة اليوم السابق كالسيد المُطلق السلطان، ومَلِك صهيون (مزمور 2:48) ثم في اليوم التالي افتقد الهيكل وتصرف فيه كما يليق بشأن صاحبه قابل هذا مع (مرقس 11:11-9).

«وتقدم إليه عُمي وعُرج في الهيكل فشفاهم. فلما رأى رؤساء الكهنة والكتبة العجائب التي صنع، والأولاد يصرخون في الهيكل ويقولون، أُوصنا لابن داود. غضبوا وقالوا له، أتسمع ما يقول هؤلاء؟ فقال لهم يسوع، نعم. أما قرأتم قط من أفواه الأطفال والرضع هيأت تسبيحًا. ثم تركهم وخرج خارج المدينة إلى بيت عنيا. وبات هناك» (عدد 14-17).

كلما تمجد يسوع اغتاظ أولئك الرؤساء العظام. فأجابهم من المزمور الثامن الذي يُصرح أنه يتمجد كابن الإنسان فوق السماوات. وأما أضداده على الأرض فيُسكتهم الله حتى بتسبيحات الصغار الذين كانوا في تلك الساعة ينطقون بما يُناسب مجده. راجع ما سبق فقاله في شأن الأولاد الصغار (إصحاح 14:19). ونرى هنا الفرق العظيم بين أفكار الصغار وأفكار الكبار. فقد امتلأ الصغار تسبيحًا بإلهام من الله. في حين امتلأ الكبار غيظًا وغضبًا. وتآمُرًا على قتله (يوحنا 19:12؛ مرقس 18:11) فيا للعار! (انظر إصحاح 25:11).

لعنه للتينة العديمة الثمر

(عدد 18-22؛ مرقس 12:11-14، 20-44)

«وفي الصُبح إذ كان راجعًا إلى المدينة جاع. فنظر شجرة تين على الطريق وجاء إليها فلم يجد شيئًا إلا ورقًا فقط. فقال لها، لا يكن منكِ ثمر بعد إلى الأبد. فيبست التينة في الحال. فلما رأى التلاميذ ذلك تعجبوا قائلين كيف يبست التينة في الحال؟». هذه التينة ترمز إلى إسرائيل كأُمة مُعترفة بالله ومُلتزمة بأن تأتي بثمر له وإلا فهي تُعطل أرضه. (انظر يوئيل 7:1؛ لوقا 6:13-9). وكان قد طلب منهم ثمرًا زمامًا طويلاً ولم يجد. وكان من جملة مقاصده بإرساله المسيح إليهم أن يمتحنهم امتحانًا نهائيًا ليُظهر أيمكن لإسرائيل، أو بالأحرى للإنسان بحسب الجسد. أن يأتي بثمر أم لا. ولكن بعد كل تعبه فيهم لم يجد إلا ورقًا فقط وهو عبارة عن المظاهر الدينية التي كانت موجودة بكثرة. وإذ ذاك حكم الرب باللعنة على تلك الأمة الغير المُثمرة. قائلاً«لا يكن منكِ ثمر بعد إلى الأبد» هذا حُكمهُ على إسرائيل بحسب الجسد وبالتبعية على الإنسان الساقط أيضًا لأنه لا يمكن لأحد أن يأتي بثمر لله إن لم يولد من فوق، كان الله قد امتحن البشر بامتحانات عديدة منذ السقوط إلى وقت حضور المسيح. ولكن رفْضهم إياه قد برهن تمامًا على أنه لا يوجد فيهم شيء صالح لله. وانتظار الصلاح من الإنسان الغير المُتجدد بالروح القدس كانتظار الثمر من تلك التينة المحكوم عليها بأن لا يكون منها ثمر بعد إلى الأبد. لا شك أن التينة الإسرائيلية ستعود تفرخ وتُخرج أغصانًا في المُستقبل (لوقا 29:21). ويكون ذلك من العلامات التي تدل على أن صيف دينونة الله قد اقترب للأُمم ولإسرائيل أيضًا، ويكون إجراء هذه الدينونة بشير قُرب ظهور الرب وإقامة الملكوت (لوقا 31:21). لأنهم سيرجعون إلى أرضهم بالقوة البشرية مُصرين على عدم إيمانهم ولكنهم سيعودون للدوس والدينونة ولا يأتون بثمر إلى أن يكونوا قد ماتوا كأُمة وصاروا كأنهم قاموا من الأموات وحينئذ يجعل الله روحه فيهم ويكتب نواميسه على قلوبهم «في المستقبل يتأصل يعقوب. يزهر ويفرع إسرائيل ويملأون وجه المسكونة ثمارًا» (إشعياء 6:27 انظر أيضًا حزقيال 22:36-38؛ 1:37-27؛ دانيال 1:12-3).

لا حاجة إلى أن أقول أن الرب لم يكن منتظرًا ثمر الأوان من تلك التينة. لأن الوحي يذكر صريحًا أنه لم يكن وقت التين (مرقس 13:11). ولكن مادامت التينة قد أورقت كان ينتظر أن يجد بها باكورة التين لذلك قيل «جاء لعله يجد فيها شيئًا» من التباشير. وعلى فقد قصد المسيح بالحادثة إفادتنا على سبيل الرمز.

«فلما رأى التلاميذ ذلك تعجبوا قائلين. كيف يبست التينة في الحال؟ فأجاب يسوع وقال لهم، الحق أقول لكم إن كان لكم إيمان ولا تشكون فلا تفعلون أمر التينة فقط بل إن قلتم أيضًا لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر فيكون. وكل ما تطلبون في الصلاة مؤمنين تنالونه» (عدد 20-22).

«فلما رأى التلاميذ إلخ» لا يقصد في اليوم التالي (مرقس 20:11) سبق الرب وذكر لهم فاعلية الإيمان الثابت في (إصحاح 20:17، 21). تعجبوا لأن التينة يبست بحكم الرب عليها، وكان ذلك من أعمال القوة. فقال لهم الرب انه إن كان فيهم إيمان ثابت بدون تردد وشك يستطيعون إجراء أعمال كهذه. وليس بأمر قضائي بل بصلاة الإيمان لأنه لم يقصد أن يرسلهم ليحكموا ويلعنوا بل ليخدموا حاجات الناس بأعمال الرحمة. ويجب أن نلاحظ هنا صفات أعمال المسيح من حيث أنها كانت غالبًا متصفة بالرحمة وكان من النادر أن يُجري عملاً من باب القضاء واللعن، كعمله في التينة، وفي قطيع الخنازير وفي تطهيره للهيكل.

«وكل ما تطلبونه في الصلاة مؤمنين تنالونه». يدلهم بهذا على كيفية الخدمة المطلوبة منهم وصفتها بحيث يجب عليهم أن يمارسوها بذلك الروح عينه الذي كان سيدهم متصفًا به في أعماله. وقد علموا هكذا فيما بعد. ولذلك قالوا «وأما نحن فنواظب على الصلاة وخدمة الكلمة» (أعمال الرسل 4:6)

اعتراض الرؤساء على سلطانه

(عدد 23-27؛ مرقس 27:11-33؛ لوقا 1:20-8)

«ولما جاء إلى الهيكل تقدم إليه رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب وهو يُعَلم، قائلين بأي سلطان تفعل هذا؟ ومن أعطاك هذا السلطان؟ فأجاب يسوع وقال لهم، أنا أيضًا أسألكم كلمة واحدة فإن قلتم لي عنها أقول لكم أنا أيضًا بأي سلطان أفعل هذا. معمودية يوحنا، من أين كانت؟ من السماء أم من الناس؟ ففكروا في أنفسهم قائلين إن قلنا من السماء، يقول لنا فلماذا لم تؤمنوا به؟ وإن قلنا من الناس، نخاف من الشعب لأن يوحنا عند الجميع مثل نبي. فأجابوا يسوع وقالوا، لا نعلم. فقال لهم هو أيضًا، ولا أنا أقول لكم بأي سلطان أفعل هذا» (عدد 23-27).

فأصابوا في تفكرهم أنه ينبغي أن يكون سلطان لمن يتخذ على عاتقه أن يُعَلّم ويُرشد الآخرين. لأن الأمر هكذا بالفعل. ولكنهم اخطأوا بجعلهم أنفسهم مصدر هذا السلطان لأن السماء هي مصدره الوحيد. وإن كان الله يُقيم أنبياء ومُعَلِمين في أي وقت كان، فلابد أن يُصادق على خدمتهم ويؤكد لشعبه الخاضع لكلمته أنهم من الله. لم يكن يوحنا قد صنع آية واحدة ومع ذلك فقد عَمِلت كرازته تأثيرًا عميقًا في ضمائر البسطاء ولم يرفضها إلا الرؤساء المتكبرين الذين أرادوا أن يختلسوا حقوق السماء ولا يدعون أحدًا يُعلم ولو كان مرسلاً من قِبل الله، إن لم يصادقوا عليه، كأن الله لا يقدر أن يُعلم شعبه بدون مصادقتهم. كل من يدَّعي أن له سلطانًا على الآخرين في شأن الخدمة الإلهية فقد نسى هذه الحقيقة الخطيرة أن الله لم يفوِّض سلطانه إلى أحد، ولا يمكن أن يتخلى عن شيء منه. لأنه لو عمل ذلك لأمسينا في الظلام الدامس الدائم إلى الأبد. لأنه من المستحيل أن الرؤساء يدعون النور الإلهي يدخل بين الذين قد تمكن فيهم الظلام سلطانهم المُختَلس. هكذا كان المر حين أرسل الله ابنه الحبيب كالنور الحقيقي إلى العالم. ولا يزال الأمر كذلك إلى الآن. فلما تعرضوا للرب بهذا السؤال، كأن لهم حقًا بأن يفحصوا مُعلمي إسرائيل، أجابهم جوابًا من شأنه أن يمتحنهم من جهة أهليتهم لهذه الوظيفة التي اتخذوها فإن كانوا بالحقيقة أهلاً لفحصه فلابد أن يكونوا قد جزموا رسميًا في إرسالية يوحنا المعمدان. فمن أعطى سلطانًا ليوحنا؟ لأنه من الأمور الواضحة أنه لم يتوظف من البشر. فأُخذوا بالشبكة التي قصدوا أَخْذ الرب بها وقالوا لا نعلم. فإذ ذاك لا يليق به أن يُجيبهم عن سلطانه لأنهم بحسب إقرارهم ليسوا أهلاً أن يجزموا في مسألة كهذه. ونرى أيضًا أن الذين يترأسون على شعب الله بغير حق يخافون منه، مع أنهم حسب الظاهر يتسلطون عليه. والسبب لخوفهم هو شعورهم الداخلي بأن سلطانهم كاذب وليس له أساس إلهي.

«ماذا تظنون؟ كان لإنسان ابنان فجاء إلى الأول وقال، يا ابني، اذهب اليوم اعمل في كرمي. فأجاب وقال، ما أُريد. ولكنه ندم أخيرًا ومضى. وجاء إلى الثاني وقال كذلك. فأجاب وقال، ها أنا يا سيد ولم يمضِ. فأي الاثنين عَمِلَ إرادة الآب؟ فقالوا له، الأول. قال لهم يسوع، الحق أقول لكم، إن العشارين والزواني يسبقونكم إلى ملكوت الله. لأن يوحنا جاءكم في طريق الحق فلم تؤمنوا به. وأما العشارون والزواني فآمنوا به وأنتم إذ رأيتم لم تندموا أخيرًا لتُؤمنوا به» (عدد 28-32).

كان الرب بحكمته الكاملة قد جعل رؤساء إسرائيل يُظهرون أنفسهم قدام الجموع أنهم ليسوا سوى قادة عميان. وفي هذا المَثل برهنَ أنهم أردأ من العشارين والزواني وأبعد منهم عن ملكوت الله. كان يوحنا قد جاء إلى إسرائيل في طريق الحق أي في طريق البر إذ وبخهم على خطاياهم، ودعاهم إلى التوبة التي هي من أول أثمار البر، راجع (إصحاح 3) ووجد إسرائيل مقسومًا إلى صفين فالبعض، وهم المُعبر عنهم بالابن الأول، كانوا مُتمردين غير مُتظاهرين بالخضوع لله وأما الآخرون، وهم الكتبة ورؤساء الكهنة، فكانوا مُتظاهرين بالطاعة لله. فإنهم اعتنوا غاية الاعتناء بالطقوس والفرائض مع أن قلبهم مُبتعد عن الذي وضعها. فكان كلامهم ككلام الابن الثاني «ها أنا يا سيد» ولكنهم استمروا على حالتهم ولم يتأثروا لا بكرازة يوحنا، ولا بمُشاهدة علامات التوبة التي ظهرت حتى في الذين كانوا محسوبين أنهم أشرُّ الجميع. كان ينبغي أن يؤثر فيهم هذا المنظر إذ كان لكلمة الله بواسطة عبده يوحنا فعِل قوي في قلوب العشارين والزواني وأتت بهم إلى التوبة، فلو كان أولئك رُعاة حقيقيين لفرحوا برجوع الضالين، بل لأصغوا للكلمة الإلهية التي عَملت فيهم هذا العمل الحسن. ولكنهم ما ندموا أولاً ولا أخيرًا.

«إن العشارين والزواني يسبقونكم إلى ملكوت الله». لنُلاحظ أن الرب يستعمل هنا عبارة «ملكوت السماوات» لأنه يُشير بها إلى شيء حاضر. وقصد أن العشارين والزواني كانوا يدخلون ملكوت الله أو يخضعون لسُطانه. لأن التوبة تجعلنا نشعر بنسبتنا إلى الله كمن قد أخطأنا إليه، ونخضع له كمن له الحكم علينا، بل ونحكم على ذواتنا مُقرين أنه بار وحق في أعماله وأقواله ولو دَاننا. وهذه من الحقائق الدائمة.

 

مَثل الكرم والوارث

(عدد 33-44؛ مرقس 1:12-9؛ لوقا 9:20-19)

«اسمعوا مَثلاً آخر. كان إنسان رب بيت غَرس كرمًا وأحاطه بسياج وحفر فيه معصرة وبنى بُرجًا وسلمه إلى كرامين وسافر. ولما قرب وقت الأثمار أرسل عبيده إلى الكرامين ليأخذ أثماره. فأخذ الكرامون عبيده وجلدوا بعضًا وقتلوا بعضًا ورجموا بعضًا. ثم أرسل أيضًا عبيدًا آخرين أكثر من الأولين. ففعلوا بهم كذلك. فأخيرًا أرسل إليهم ابنه قائلاً، يهابون ابني. وأما الكرامون فلما رأوا الابن قالوا فيما بينهم، هذا هو الوارث. هلموا نقتله ونأخذ ميراثه. فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم، وقتلوه. فمَتى جاء صاحب الكرم ماذا يفعل بأولئك الكرامين؟ قالوا له، أولئك الأردياء يهلكهم هلاكًا رديًا ويُسلم الكرم إلى كرامين آخرين يُعطونه الأثمار في أوقاتها. قال لهم يسوع أَمَاَ قرأتم قط في الكُتب. الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية. من قِبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيُننا لذلك أقول لكم، إن ملكوت الله يُنزع منكم ويُعطى لأُمة تعمل أثماره، ومن سقط على هذا الحجر يترضض ومن سقط هو عليه يسحقه (عدد 33-44).

في هذا المَثل يُوضح الرب لهم مُعاملات الله معهم منذ وضعهم كأُمة مُختارة في أرض كنعان إلى تكميل إثمهم بقتل ابنه والصورة التي رسمها طابقت الحال إلى هذا المقدار حتى التزموا أن يحكموا حُكمًا صائبًا. لا يُخفى أن أصل هذا المَثل موجود في (إشعياء 1:5-7) على أن الرب يُكمله ويُخصصه لحالتهم وقتئذ. كان الله قد أنعم عليهم ببركات وامتيازات لم يكن مثلها لشعب آخر انظر قوله «ماذا يُصنع أيضًا لكرمي، وأنا لم أصنعه له؟» ثم أرسل عبيده الأنبياء يطلب ثمرًا يليق بنسبتهم الفريدة له وتعبه فيهم. ولكنهم أظهروا بُغضهم لصاحب الكرم بما عملوا بعبيده. لنُلاحظ الصبر الإلهي المدلول عليه بإرسال عبيد آخرين مرة بعد أخرى ثم عند حضور الابن لم يَقصروا عن تقديم الأثمار فقط بل وصمموا على قتله لكي يكون لهم الميراث (مزمور 2) وبذلك أكملوا إثمهم، وفقدوا امتيازاتهم القديمة التي لم يعرفوا قيمتها. ثم عاد الرب فبَرعن لهم من كُتبهم أن الحجر المرفوض منهم لا بد أن يرتفع ويصير رأس الزاوية (مزمور 22:118، 23).

«من قِبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيُننا» (عدد 42) لم يتم هذا القول حينئذ لأن إسرائيل كانوا مُصابين بالعمى. كانت لهم أعيُن ولم يُبصروا بها ولكن سيَنزع الله البُرقُع عن قلوبهم فيما بعد (كورنثوس الثانية 16:3) وينظرون مجد الحجر المرفوض (كورنثوس الثانية 18:3؛ زكريا 7:4) ويعترفون بهذا الاعتراف.

«لذلك أقول لكم أن ملكوت الله يُنزع منكم ويُعطى لأُمة تعمل أثماره» (عدد 43) قال هذا طبقًا لجوابهم الوارد في (عدد 41). ولنُلاحظ أنه لم يقُل هنا، يُنزع منكم ملكوت السماوات بل «ملكوت الله» ولا يصح هنا تبديل العبارتين. لأنه يقصد هنا ملكوت الله عمل نعمة الله الفعال الذي ينتج ثمرًا «فجَاهر بولس وبرنابا وقالا كان يجب أن تُكلموا أولاً بكلمة ولكن إذ دفعتموها عنكم وحكمتم أنكم غير مُستحقين للحياة الأبدية هوذا نتوجه إلى الأُمم» (أعمال الرسل 46:13) فإن الله كف الآن عن العمل بينهم بعد الصبر الكافي وجعل يعمل بين الأُمم ولكن ليس قصد الرب هنا أن يوضح ذلك فإنه إنما يُنبههم إلى أن الله مُزمع أن يتركهم ولا يعمل بينهم. كان قد عَمل معهم منذ أن ابتدأ يُعاملهم ككرمة (خروج 4:19-6؛ مزمور 8:80) وعلى نوع أخص عند حضور ابنه (إصحاح 5:10، 6) وكان ملكوت الله حاضرًا بينهم بهذا المعنى. ولكنه قال أنه عتيد أن يُنزع منهم. ولم يمكن أن يقول أن ملكوت السماوات عتيد أن يُنزع منهم لأنه لم يكن قد فتح بعد، كما قد رأينا وفضلاً عن ذلك أقول أن ملكوت السماوات لم يُنزع من البيهود. لا شك أنهم رفضوه لما فُتح على يد الرسول بطرس ومن ثَمّ لا نقدر أن نقول عنهم الآن أنهم فيه بالمعنى الذي يصدق على النصارى لاعترافهم به. لأنهم لم يعترفوا مثلهم به ومع ذلك فهُم محسوبون فيه من حيث مسئوليتهم. وسيُحاسبهم الرب عند مجيئه كقسم من رعيته رافض لسُلطانه (لوقا 12:1، 14، 27).

«ويُعطى لأُمة تعمل أثماره» يُشير بهذا إلى عمل نعمة الله بين الأُمم، ونرى هنا أن الله حين ترك شعبه إسرائيل وأرسل كلمة نعمته للآخرين إنما عمل ذلك طالبًا الثمر فبالتبعية إن كان الأُمم لا يأتون بالأثمار المطلوبة فلا بد أن يدينهم أيضًا كما دان أولئك (انظر رومية 22:11-24) غير أن هذا المَثل لا يوضح ذلك بالتفصيل.

«ومن سقط على هذا الحجر يترضض» (عدد 44) أي كل مَنْ لا يؤمن به يهلك. لأنه كان صخرة عثرة للذين لا يؤمنون (بطرس الأولى 3:2-9) ولا يزال هكذا إلى الآن.

«ومن سقط هو عليه يسحقه» هنا يُشير إلى سقوط هذا الحجر على أعدائه بالدينونة. انظر ما قيل «كنت أنظر إلى قطع حجر بغير يدين فضُرب التمثال على قدميه التين من حديد وخزف فسحقهما إلخ» (دانيال 34:2، 35، 45).

«ولما سمع رؤساء الكهنة والفريسيون أمثاله عرفوا أنه تكلم عليهم. وإذ كانوا يطلبون أن يمسكوه خافوا من الجموع لأنه كان عندهم مثل نبي» (عدد 45، 46) وهنا قد انكشف أمر رؤساء إسرائيل تمامًا. فإنهم صمموا على الاحتفاظ بسُلطانهم الكاذب مهما كانت النتيجة. ومن الجهة الواحدة أبغضوا المسيح وقصدوا إلقاء القبض عليه في حين أنهم من الجهة الأخرى خافوا من الجموع.

 نقلاً بالاتفاق مع موقع بيت الله www.baytallah.com

Advertisements

ما الذي يجول بخاطرك بخصوص التدوينة؟

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: