شرح إنجيل متى | الإصحاح التاسع عشر | بنيامين بنكرتن


ذهاب المسيح الخير من الجليل لأورشليم

(عدد 1، 2؛ مرقس 1:10، 32؛ لوقا 51:9؛ 11:17)

«ولما أكمل يسوع هذا الكلام انتقل من الجليل وجاء إلى تخوم اليهودية من عبر الأردنّ وتبعته جموع كثيرة فشفاهم هناك» (عدد 1، 2).

لا يُخفى أن الرب هنا صاعد إلى أورشليم آخر مرة قبل موته بمدة وجيزة تبلغ نحو ثلاثة أشهر أو أقل من ذلك (انظر يوحنا 22:10-41). مَتَّى لا يذكر حضوره إلى أورشليم وقت عيد التجديد بل مدة إقامته في عبر الأردنّ بعد تركه الجليل. فأنه جاء إلى هناك ثم عاد إلى بيت عنيا لإقامة لعازر (يوحنا 17:11). وبسبب الاضطهاد أيضًا مضى من هناك إلى مدينة أفرايم ومكث بها حتى قبل عيد الفصح بستة أيام. ثم عاد منها إلى بيت عنيا (يوحنا 53:11-55؛ 1:12).

 

شريعة الزواج في الجنة هي شريعته في ملكوت السماوات

(عدد 3-12؛ مرقس 2:12-12)

«وجاء إليه الفريسيون ليجربوه قائلين له هل يحل للرجل أن يطلق امرأته لكل سبب؟ فأجاب وقال لهم، أما قرأتم أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكرًا وأنثى؟ وقال من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدًا واحدًا. إذًا ليسا بعد اثنين بل جسد واحد. فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان. قالوا له، فلماذا أوصى موسى أن أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم. ولكن من البدء لم يكن هكذا. وأقول لكم، إن من طلق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوج بأخرى يزني. والذي يتزوج بمطلقة يزني» (عدد 3-9). راجع (إصحاح 31:5، 32) حيث رأينا في كلام الرب «أما قرأتم … إلخ؟» فهو يستشهد في شأن الزواج بما جاء في (تكوين 27:1؛ 24:2) «خلقهما ذكرًا وأنثى» أي ذكرًا واحدًا لأنثى واحدة وأنثى واحدة لذكر واحد. فلا طلاق (ملاخي 14:2-16؛ أمثال 17:2) ولا تعدد زوجات.

«يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدًا واحدًا» أي أن اقتران أحدهما بالآخر كاقتران أعضاء الجسد ببعضها، هذا الاقتران الذي يدوم بدوام الحياة ولا يفكه وينهيه إلا الموت (كورنثوس الأولى 39:7؛ رومية 2:7، 3؛ مرقس 12:10). فضلاً عن أنه يدل على اتحادهما قلبًا وقالبًا وعلى اهتمام كل منهما بالمحبة لإسعاد الآخر (أفسس 28:5، 29).

«فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان» يتبين من هذا أن الزواج رباط إلهي لا بشري. ومن ثم لا يقوى إنسان على فكه. والخلاصة هي أن مبدأ الزواج هو ترتيب الله الأصلي الذي رتبه للإنسان وقت الخليقة. فبحسب مشيئة الله عقد الزواج لا يُحل ولا يُفسَّخ، لأنه يُنظر إلى الذكر والأنثى المقترنين معًا كجسد واحد، فلا يجوز للإنسان أن يفرقهما. وإن زنى واحد منهما فقد أبطل العقد. ويصح هذا على الرجل وعلى المرأة على حد سواء.

«قالوا له، فلماذا أوصى موسى أن يُعطى كتاب طلاق فَتُطَلَّقُ؟ قال لهم، إن موسى من أجل قساوة قلوبكم… ». قال «قلوبكم» مع أن الكلام عن أسلافهم، ليس فقط لأن اليهود في نظره أمة واحدة، بل وأيضًا لأن قلوبهم في نفس قساوة قلوب آبائهم. وإلا لِما سألوه عن الطلاق.

«أذن لكم» قال الفريسيون في سؤالهم «أوصى» فقال المسيح في جوابه «أذن» وبين اللفظتين فرق في المعنى لا يُخفى.

«وأقول لكم، إن من طلق امرأته إلا بسبب الزنى وتزوج بأخرى يزني والذي يتزوج بمطلقة يزني» كان الإذن لهم تحت الناموس بتطليق نسائهم كاشفًا لأمرين:

أولاً- عجز الطبيعة البشرية بسبب سقوطها عن تنفيذ شريعة الله الأصلية للزواج.

ثانيًا- عجز الناموس نفسه عن إصلاح الطبيعة البشرية الساقطة.

فالمسيح بفضل نعمته في بني الملكوت رجع بهم من حيث الزواج إلى شريعة الله في الجنة مُتجاوزًا عما حصل تحت الناموس كجملة مُعترضة، مُصادقًا على ما رتبه الله في الخليقة لبركة الإنسان ولم يُصادق على القساوة التي وصلت إلى قلب الإنسان عن طريق دخول الخطية. إذن، موسى كمُشترع أذن لهم بالطلاق. ولكنه لم يكن بحسب قانون الله الأصلي للزواج. فأرجعه المسيح إلى أصله. وهذا هو قانونا المسيحي المطلق. وجميع الرؤساء والمجامع الكنائسية لا يستطيعون أن يحللوا ما حرمه الله. معلوم أن أكثرهم قد أجاز الطلاق لأسباب غير الزنا ولكنهم إنما أظهروا قساوة قلوبهم وعصيانهم على تعليم الرب الصريح. ومن حاول أن يتداخل بين الرجل وامرأته زاعمًا أن له سلطانًا كنائسيًا في ذلك يُظهر نفسه ضد المسيح تمامًا.

«قال له تلاميذه إن كان هكذا أمر الرجل مع المرأة فلا يوافق أن يتزوج. فقال لهم ليس الجميع يقبلون هذا الكلام بل الذين أُعطيَّ لهم. لأنه يوجد خصيان وُلدوا هكذا من بطون أمهاتهم. ويوجد خصيان خصاهم الناس. ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات. من استطاع أن يقبل فليقبل».

فحتى التلاميذ استصعبوا القانون الإلهي للزواج. وبحسب أفكارهم اليهودية وقتئذ قالوا أن الأوفق للرجل أن لا يتزوج البتة إن كان ملتزمًا بالارتباط مع امرأته التزامًا مُطلقًا غير مُنقطع كل مدة حياتهما الطبيعية. فقال لهم الرب ليس الجميع يقدرون أن يقبلوا هذا الكلام أي كلامهم في الامتناع عن الزواج لأن الإنسان قد خُلق مُحتاجًا إلى الزواج (تكوين 18:2-24) ولا يوجد إلا القليل من الناس يستطيع بدونه. (أنظر كورنثوس الأولى 1:7-7، 9، 36). غير أن بعض الذكور قد ولدوا بأجساد معابة أو غير كاملة التركيب. ومن ثم فهم بطبيعتهم غير قابلين للزواج. والبعض الآخر قد أصبحوا هم أيضًا، بظلم الناس، غير قابلين للزواج بأن أجروا لهم عملية جراحية. وهذا النوع من الخصيان هو الذي كثر ذكره في الكتاب1 . (انظر إرميا 2:29؛ دانيال 3:1؛ أعمال الرسل 27:8؛ ملوك الثاني 32:9). ولكن يوجد أيضًا فريق ثالث هم الخصيان معنويًا لا حرفيًا. وهم الذين يستطيعون الامتناع عن الزواج اختياريًا لأجل خدمة الرب، إذ أنهم بنعمة خاصة من الله يضبطون أنفسهم غير منهمكين بالهموم المقترنة بحالة الزواج. انظر (كورنثوس الأولى 7:7، 17).

البركة والملكوت من حق الأولاد

(عدد 13-15؛ مرقس 13:10-16؛ لوقا 15:18-17)

«حينئذ قُدمَ إليه أولاد لكي يضع يديه عليهم ويصلي. فانتهرهم التلاميذ. أما يسوع فقال دعوا الأولاد يأتون إلىّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات. فوضع يديه عليهم ومضى من هناك» (عدد 13-15).

لا شك أن الذين أتوا إلى المسيح بأولادهم الصغار كانوا من الأتقياء. وبما أنهم تذوقوا حلاوة نعمته لأنفسهم لم يكتفوا بذلك بل رغبوا في أن يُقدموا أولادهم له أيضًا ولابد من وجود هذه الرغبة في قلوب الوالدين المتصفين بالتقوى في كل حين. لأن الوالد الذي يهتم بصوالح أولاده الروحية يُشبه النعامة في البرية التي تقسو على أولادها كأنها ليست لها وتترك بيضها وتحميها في التراب وتنسى أن الِرّجْلَ تَضْغُطُهُ أو حَيَوَان الْبِرّ يَدُوسُهُ (ايوب 13:39-17).

«فانتهرهم التلاميذ» نرى هنا كم كانت أفكار التلاميذ تختلف عن أفكار سيدهم! لأنهم احتقروا الصغار مع أن الرب سبق وحذرهم من ذلك (إصحاح 10:18) فعاد الرب وصرح برضاه بالأولاد وأن ملكوت السماوات لهم ولأمثالهم. كان النظام يشمل أولاد الإسرائيليين (تكوين 7:17) وكان الإسرائيليون يقدمون أولادهم لله بالختان (تكوين 10:17) لترتيبهم له (تكوين 19:18) كما نقدم نحن له أولادنا بالمعمودية لترتيبهم أيضًا له (أفسس 4:6) ولا يمكن أن يكون النظام الجديد أضيق من القديم (أعمال الرسل 17:2، 39). على أن القديم وإن كان قد شمل الصغار إلا أننا لا نقدر أن نقول أنه كان لهم، أو بمعنى آخر، انه كان نظامًا يتصف أتباعه بصفات الأولاد. فإنه لم يكن كذلك. لأن داود وأبطاله كانوا مناسبين له أكثر من الأولاد الصغار. وأما النظام الجديد فيتطلب صفات الأولاد. لأن عبيد الرب المسيح لا يحاربون ولا تليق بهم البسالة الطبيعية. هذا من جهة الاختلاف بين النظامين القديم والجديد.

«دعوا الأولاد يأتون إلىّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات» لابد لي من أن أُكرر هنا الملاحظة التي سبق ذكرها عن ملكوت السماوات بحسب إنجيل مَتَّى، فإنه يستعمل فيه كنظام أو تدبير في مباينته مع النظام أو التدبير الذي سبقه. ولذلك فهو لا يرد دائمًا بمعنى ملكوت الله. ومما يُثبت ذلك أن البشير مَتَّى نفسه يعدل عن ذكر «ملكوت السماوات» في بعض المواضع ويستعمل بدلها عبارة «ملكوت الله» كما قد رأينا. ويجب أن يكون لهذا أهمية عندنا في دروس أقوال الوحي لأن ألفاظ الوحي كاملة ولم يكتب شيء منها اتفاقًا. وإذا صح استعمال العبارتين المذكورتين لمعنى واحد في موضع ما فهذا لا يبرهن على عدم وجود فارق بينهما في المواضع الأخرى، لأنه إنما ينتج من أن الحقيقة المُعّبَّر عنها فيهما تصدق على الوجهين كقول الرب هنا عن الأولاد مثلاً أنه «لمثل هؤلاء ملكوت السماوات» بينما في (مرقس 13:10-16؛ لوقا 15:18-17) يقال عنه «ملكوت الله» لأن هذه الحقيقة هي من الحقائق التي يصح أن ننظر إليها من جهة تدبيرية، ومن وجهة مطلقة أيضًا، أعني بقطع النظر عن التدبيرات الإلهية المختلفة. لأن الله ينظر إلى الصغار بعين الرضى في كل التدابير ويمكنه أن يفعل فيهم بروحه القدس حيثما وحينما شاء. وهذه من البركات الروحية مدة المُلك العتيد (إشعياء 3:44، 4؛ 21:59).

 

الشاب الغني

(عدد 16-26؛ مرقس 17:10-31؛ لوقا 18:18-30)

«وإذا واحد تقدم وقال، أيها المُعَلم الصالح، أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية؟ فقال له، لماذا تدعوني صالحًا؟ ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله».

إن المتقدم بهذا السؤال هو شاب (عدد 20) وغني (عدد 22) ورئيس (لوقا 18:18). فيما سبق قد رأينا لطف الرب ومحبته للأولاد. لكننا نرى هنا أن أساس ذلك ليس هو الصلاح البشري بتة. لأن هذا الشاب المُزَّين ببعض المزايا الحسنة التي جعلت الرب يحبه (مرقس 17:10، 20-22) قد وُجد عند الامتحان ناقصًا لا يستطيع أن يمتلك الحياة الأبدية أو أن يدخل ملكوت السماوات بموجب ما عنده من الصلاح البشري. فتقدم إلى الرب وسأله سؤالاً مهمًا جدًا. اعترف أولاً بأن المسيح مُعَلم صالح ثم سأله أي صلاح يُعمل لتكون له الحياة الأبدية. قابل إقراره هذا مع إقرار نيقوديموس (يوحنا 1:3، 2). لأنه يتضح من جواب الرب لكل منها أن المسيح كَمُعَلم لا يكفي لحاجة الإنسان الساقط. لأن المُعَلم الإسرائيلي المعتاد على إرشاد الآخرين والشاب الإسرائيلي الغني التقي يحتاجان كلاهما إلى أكثر من التعليم. فتعجب الواحد من ضرورة الولادة من فوق، ومضى الآخر حزينًا «فقال له لماذا تدعوني صالحًا؟ ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله»لا شك عندي أن قصد الرب من جوابه هذا أن ينفي وجود الصلاح البشري نفيًا مطلقًا. اعتبره الشاب مُعلمًا صالحًا يرشد الناس إلى عمل الصلاح الذي يؤهلهم للحياة الأبدية. فجاوبه الرب حسب ما في فكره مصرحًا له بأن الصلاح لا يوجد إلا في الله وحده، وأنه إن كان هذا الشاب الطالب التعليم لا يقدر أن يرى في يسوع أنه عمانوئيل ويهوه إله إسرائيل حاضرًا في وسط شعبه، بل مجرد إنسان مُعلم فعبثًا يُلقبه معلمًا صالحًا لن ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله. يُضاف إلى هذا أن الحياة الأبدية متعلقة بمعرفة حقيقة شخصه كالمسيح ابن الله (يوحنا 3:17؛ 68:6، 69)، وليس بفكرة أنه مُعلم من المعلمين الذين كان الله يُقيمهم لشعبه من وقت إلى آخر.

«ولكن إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا. قال له أية الوصايا؟ فقال يسوع، لا تقتل. لا تزنِ. لا تسرق. لا تشهد بالزور. اكرم أباك وأمك وأحب قريبك كنفسك. قال له الشاب، هذه كلها حفظتها منذ حداثتي. فماذا يعوزني بعد. قال له يسوع، إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع كل أملاكك وأعطِ الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني. فلما سمع الشاب الكلمة مضى حزينًا. لأنه كان ذا أموال كثيرة» (عدد 18-22).

الرب نفى أولاً وجود الصلاح البشري ثم امتحن الشاب بواسطة الشريعة التي وضعها الله لكي يطلب بها الصلاح من الإنسان ويَقِيسه عليها ليكشف له حقيقة حالته كخاطئ ولا حق له في الحياة «لأن بالناموس معرفة الخطية» (رومية 20:3؛ 7:7)

«ولكن إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا» فالرب يصادق على الناموس الذي لامتحان الإنسان قرن الحياة مع حفظ الوصايا (انظر تثنية 1:18؛ حزقيال 11:20؛ رومية 5:10؛ غلاطية 12:3). ولكن ينبغي أن نلاحظ جيدًا أن الحياة المذكورة في الناموس هي حياة للإسرائيلي على الأرض وليست الحياة الأبدية. ولا يوجد ذكر لدخول السماء موجب الناموس. لأن الحياة الأبدية هي هبة الله بيسوع المسيح (رومية 23:6). كان سؤال الشاب بأي صلاح يمكنه أن يحصل على الحياة الأبدية. والرب من بعد نفيه وجود الصلاح في البشر امتحنه بالناموس الذي كان مفتخرًا به كيهودي. ولم يقل إن أردت أن تدخل الحياة الأبدية بل «الحياة» فقط، كما هي مذكورة في الناموس ولكن الناموس لم يقدر أن يُحيي أحدًا (غلاطية 21:3) بل حكم على الكل بالموت (غلاطية 19:2؛ رومية 19:3) إذ أخطأ الجميع (رومية 23:3).

وقد اقتبس المسيح للشاب من الناموس الوصايا المتعلقة بما يجب عليه من نحو الآخرين فقط.

«قال له الشاب، هذه كلها حفظتها منذ حداثتي» بدون شك قد أخطأ الجواب هذا وأظهر أنه على جانب عظيم من الجهالة الروحية لأنه ليس أحد من البشر قد حفظ الناموس حفظًا حقيقيًا.

«فماذا يعوزني بعد؟ » هذا يدل على أنه رغم غروره في نفسه لم يكن حاصلاً على كمال راحة الضمير. إذ ليس من شأن الناموس أن يُعطي هذه الراحة بل المسيح. فقال له الرب «إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع كل أملاكك وأعطِ الفقراء فيكون لك كنز في السماء، وتعال اتبعني» المسيح في رده هذا على الشاب عاد وامتحنه بما كشف له تمامًا خطيته وخطأ رأيه في نفسه وأنه لم يكن يحب الرب إلهه بكل قلبه ولا قريبه كنفسه. لأن المحبة للرب تظهر بالطاعة له. والمحبة للآخرين تحملنا إلى مساعدة المحتاجين بسرور فلو كانت له المحبة التي هي جوهر مطلوب الناموس لما استصعب العمل بحسب قول الرب.

كان الرب إلهه الذي وضع الشريعة واقفًا أمامه متكلمًا معه بالنعمة، ولكنه لم يُميز مَنْ هو ولا عرف صوته. صحيح أن الناموس لم يطلب منه أن يُبيع أملاكه لأنه إنما وعد الأتقياء بخيرات زمنية جزاء لتقواهم، ولكنه طلب الطاعة الكاملة للرب إلههم مع المحبة للآخرين كمحبة الإنسان لنفسه. فبهذا الامتحان انكشف للشاب حالته تمامًا أنه إنما أحب نفسه بل ماله، وهذا أصل كل شر (تيموثاوس الأولى 9:6، 10). ثم لاحظ قول الرب له «إن أردت أن تكون كاملاً» وقابله مع (إصحاح 48:5) فإن الكمال هو السلوك بحسب المبدأ الذي وضعه الله لسلوكنا في زماننا، وهو الآن كلمة المسيح وقدوته. فمعنى قول الرب له هو إن أردت أن تسلك بحسب المبدأ الإلهي الآن فاذهب وبع إلخ. كان السلوك قبلاً على مبدأ الناموس أما الآن فقد صار على مبدأ آخر هو مبدأ اتباع الرب في روح إنكار الذات وحمل الصليب (غلاطية 19:3، 20؛ 16:5-26). ولكن كان قلب ذلك الشاب بعيدًا عن الخضوع لهذا المبدأ، والعمل به «فلما سمع الكلمة مضى حزينًا لأنه كان ذا أموال كثيرة».

«فقال يسوع لتلاميذه الحق أقول لكم انه يعسر أن يدخل غني ملكوت السماوات. وأقول لكم أيضًا أن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله. فلما سمع تلاميذه بهتوا جدًا قائلين، إذًا من يستطيع أن يخلص؟ فنظر إليهم يسوع وقال لهم، هذا عند الناس غير مستطاع ولكن عند الله كل شيء مستطاع» (عدد 23-26)

«يعسر أن يدخل غني ملكوت السماوات» إن قوله هذا ملحق لما قاله في آخر جوابه للشاب الغني «بع أملاكك إلخ» وهو يظهر الفرق العظيم بين النظام العتيق والنظام الجديد المُعَبر عنه بملكوت السماوات إذ أن الغنى الذي كان لليهودي علامة رضى الله في النظام العتيق قد أصبح أكبر عائق عن الدخول إلى النظام الجديد. لا يُخفى أن الرسول بطرس فتح ملكوت السماوات لليهود يوم الخمسين وفي الظروف الكائنة وقتئذ كان ينبغي لمن أراد أن يدخله أن يعترف بمسيح مرفوض وغير منظور، الأمر المُخالف لما كان ينتظره تمامًا، المبدأ الذي دعىَ أن يسلك فيه اختلف تمامًا عن المبدأ العتيق كما رأينا في حادثة الشاب الغني هنا. فكان ذلك عسرًا على الجميع خصوصًا على ذوي الموال الكثيرة إذ أن مجرد اعترافهم بالمسيح جلب عليهم الاضطهاد العنيف، وغناهم إنما عرضهم أكثر كغرض للمضطهِدين الذين أظهروا بغضهم لاسم المسيح وفي الوقت نفسه أرادوا أن يحصلوا على ما يناسب طمع قلوبهم انظر (عبرانيين 34:10). كانت الدينونة مقبلة على الأمة التي رفضت مسيحها، والنظام العتيق أوشك أن يخرب (إصحاح 37:23 -39؛ يعقوب 1:5-6) فكان الأليق باليهودي الغني أن يبيع أملاكه ويطعم الفقراء حتى يكون إذا أودعها السماء فتحفظها له على هيئة أفضل وبعد ذلك يتبع المسيح المرفوض، على أن هذا كان من الأمور العسرة. ولكننا لا نقدر أن نقول أن الدخول إلى ملكوت السماوات عسِر علينا كمسيحيين الآن لأننا قد وُلِدنا فيه. وعدا ذلك قد صار الملكوت نفسه على حالة سيئة وكثرت فيه المعاثر وفعلة الإثم.

«وأقول لكم أيضًا أن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله» الدخول إلى ملكوت عبارة عن الخضوع حقيقيًا، وما قاله الرب هنا عنه يَصدُق عليه مطلقًا في كل حين، واختلاف النظامات أو التدابير لا يجعل فرقًا فيه. وقوله مرور جمل من ثُقب إبرة عبارة عن عمل مستحيل على الإنسان. الغنى يربط قلب صاحبه بهذا العالم ويعطيه مقامًا ساميًا فيه ويمنع عنه دخول كلمة الله لتمنحه الحياة (إصحاح 22:13) لأن قلبه مشغول ولاهٍ بما يناسب شهواته بكيفية مُلِذة له دون أن يخوف ضميره الطبيعي، فيستمر متمتعًا بالخيرات التي ينسبها للخالق مع أنها تستعبده وتمنعه عن الخضوع الحقيقي له تعالى. لا شك أن الشخص الفاجر محمول أيضًا بشهواته ولكنه يرتكب أعمالاً يبكته ضميره عليها فلا يقدر أن يرتاح، ومن ثم يمكن لكلمة الله أن تدخل لأنها تدخل دائمًا من باب الضمير. وأما الغني فيظل على راحته متمتعًا بما عنده وينام إلى أن يفاجئه الموت والدينونة. لا شك أنه يمكن لنعمة الله أن توقظه لأن كل شيء مستطاع عند الله. ولكن مع ذلك فخلاص الأغنياء من الأمور النادرة بحسب ما قد ورد لنا في الكتاب المقدس (كورنثوس الأولى 26:1-28؛ يعقوب 5:2-7). ثم قابل ما قيل في (مرقس 23:10-26؛ لوقا 24:18-27) لأنه يُطابق ما ورد في العدد الذي نحن بصدده الآن من جهة تعسر دخول ذوي الموال إلى الملكوت إذ يًسَميه ملكوت الله لا ملكوت السماوات.

«فلما سمع تلاميذه بهتوا جدًا قائلين، إذًا مَنْ يستطيع أن يخلص؟ » لم يقولوا أي غنى يستطيع أن يُخلص، بل مَنْ يستطيع أن يخلص إن كانت طريق الخلاص عسرة إلى هذا المقدار حتى يكون الغنى من أعظم العوائق. وبالحقيقة ينبغي للجميع أن يُولدوا من فوق إن كانوا أغنياء أو فقراء غير أن هذا ليس هو الموضوع هنا.

«فأجاب بطرس حينئذ وقال له. نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك، ماذا يكون لنا؟ فقال يسوع، الحق أقول لكم إنكم أنتم الذين تبعتموني، في التجديد متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم أيضًا على اثني عشر كرسيًا تدينون أسباط إسرائيل الإثني عشر» (عدد 27، 28).

«في التجديد» أي وقت مُلك الآلف سنة حين يُجازي الرب تلاميذه جزاء خاصًا إذ يُشركهم معه في الحكم على الأمة الإسرائيلية. راجع (إصحاح 27:16).

«وكل مَنْ ترك بيوتًا أو أخوة أو أخوات أو أبًا أو أمًا أو امرأة أو أولادًا أو حقولاً من أجل اسمي يأخذ مئة ضعف ويرث الحياة الأبدية. ولكن كثيرون أولون يكونون آخرين وآخرون أولين» (عدد 29، 30) الرب بهذا الكلام يتكلم عن الجزاء لكل من فضل اسمه أي شخصه على راحته في هذا المشهد الذي رفضه ولا يزال يرفضه. فإن كان الذي يعترف به يضطر لترك كل ما عنده لا يجعله الرب يخسر شيئًا لأنه يأخذ مئة ضعف ويرث الحياة الأبدية. قيل في (مرقس 30:10؛ لوقا 30:18) انه يأخذ الآن جزاء مضاعفًا مع اضطهادات لأنه ينضم إلى المؤمنين الآخرين الذين يقبلونه في بيوتهم ويخدمونه بكل ما عندهم لأن بيوتهم وأموالهم ونفوسهم جميعًا للرب. وهذا صحيح إن كان إيماننا نشيطًا ومحبتنا حارة كما يجب وفضلاً عن ذلك يرث الحياة الأبدية عبارة عن التمتع بها على الوجه الأكمل في المستقبل. قد حصلنا عليها بالإيمان الآن لأن المسيح هو حياتنا، ولكننا لا نزال في الظروف المُتعبة إلى أن يظهر بمجد فنظهر نحن حينئذ معه في المجد (كولوسي 1:3-4) ونتمتع إلى الأبد.

«ولكن كثيرون أولون يكونون آخرين وآخرين أولين» الرب يظهر بهذا أن المجازاة لا توزع على حسب أفكار الناس وامتيازاتهم كما يراهم الآخرون. وضرب لهم المثل الآتي في الإصحاح التالي لأجل إيضاح ذلك ولإرجاع أمر الجزاء إلى مشيئة الله المطلقة ونعمته المجانية.

نقلاً بالاتفاق مع موقع بيت الله www.baytallah.com

Advertisements

ما الذي يجول بخاطرك بخصوص التدوينة؟

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: