شرح إنجيل متى |الاصحاح السابع عشر | بنيامين بنكرتن


التجلي أو مشهد المُلك

(عدد 1-8؛ 2:9-10؛ لوقا 27:9-36)

«وبعد ستة أيام أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا أخاه وصعد بهم إلى جبل عالٍ مُنفردين. وتغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور. وإذا موسى وإيليا قد ظهرا لهم يتكلمان معه. فجعل بطرس يقول ليسوع، يارب، جيد أن نكون ههنا. وفيما هو يتكلم إذا سحابة نيرة ظللتهم وصوت من السحابة قائلاً، هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا. ولما سمع التلاميذ سقطوا على وجوههم وخافوا جداً. فجاء يسوع ولمسهم وقال قوموا ولا تخافوا. فرفعوا أعينهم ولم يروا أحداً إلا يسوع وحده».

«بعد ستة أيام» وفي لوقا «بعد هذا الكلام بنحو ثمانية أيام» (لوقا 28:9) لأنه حَسبَ يوم الكلام ويوم التجلي. وقوله «نحو» يدل على أنه لحكمة لم يقصد التحديد، فالتجلي بالنسبة لمَتَّى (إنجيل الملكوت) كان في اليوم السابع، يوم راحة الأرض لرعايا الملكوت بعد العناء والتعب، وبالنسبة لِلوقا (إنجيل نعمة الله والإنسان الجديد، آدم الأخير) كان في اليوم الثامن، يوم القيامة، يوم الخليقة الجديدة.

«أخذ بطرس ويعقوب ويوحنا» كان هؤلاء الثلاثة هم الذين قصدهم الرب في قوله السابق «أن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيًا في ملكوته» وقصد أن يكونوا ثلاثة للشهادة الكاملة (كورنثوس الثانية 1:13).

«إلى جبل عالٍ» هذا الجبل هو المعروف بجبل حرمون. فإن الرب كان وقتئذ في نواحي قيصرية فيلبس المجاورة لهذا الجبل (إصحاح 13:16).

«وتغيرت هيئته قدامهم إلخ» لا يوجد اختلاف في أمر التجلي. أنه كان حادثة عجيبة. نعم، ونقدر أن نقول أيضًا، استثنائية في حياة ربنا يسوع المسيح على الأرض. فإنه كان معتادًا أن يظهر على هيئة البشر المعروفة إذ كان يتعب ويجوع كالآخرين ولم يظهر منه إلا المجد الأدبي أو الروحي الذي اختصَّ ضرورة بشخصه كالله ظاهرًا في الجسد، ولكنه إنما أُظهر لمن عنده البصر الروحي، وأما هيئته الاعتيادية كرجل أوجاع ومُختبر الحزن فتغيرت على الجبل فصار إلى برهة بمجده الخاص كابن الإنسان وهذا هو المجد نفسه الذي أشار إليه بقوله السابق «فإن ابن الإنسان سوف يأتي بمجد أبيه» فأتخذه مؤقتًا وأظهره لقوم من تلاميذه. قال الرسول بطرس «لأننا لم نتبع خُرافات مُصنَّعة إذ عَرَّفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه، بل قد كنَّا مُعاينين عظمته. لأنه أخذ من الله الآب كرامة ومجدًا إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسنى هذا هو ابني الحبيب الذي سررت به. ونحن سمعنا هذا الصوت مُقبلاً من السماء إذ كنَّا معه في الجبل المُقَدَّس» (بطرس الثانية 16:1-18). كان هذا الرسول في مواعظه المُدونة في سفر الأعمال قد عرّف إسرائيل بارتفاع مسيحهم إلى السماء وحصوله على القوة والمجد في القيامة من الأموات (أعمال الرسل 22:2-36) وأعلن أنه لا بد أن يأتي أيضًا ويبدأ أزمنة رد كل شيء بحسب النبوات (أعمال الرسل 19:3-21) وأما في رسالته هذه فيخبرهم أن ذلك ليس من الأقوال البشرية التي لا يُركن إليها فإنه تأكد لهم:

أولاً- بحادث التجلي الذي شاهده بعض الرسل.

ثانيًا- بالكلمة النبوية وهي أثبت1 التي تفعلون حسنًا إن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مُظلم إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم» (بطرس الثانية 18:1، 19). فالتجلي أظهر قوة الرب وعظمته. ومجيئه ولكنه لم يشاهد من الجميع وإنما أُظهر برهة للبعض فقط ثم انقطع، وأما الكلمة النبوية أي النبوات المتعلقة بهذا الموضوع فهي موجودة دائمًا عند جميع المؤمنين وتثبت لهم هذه الحقيقة. ويفعلون حسنًا إن انتبهوا إلى هذه الكلمة التي لا تزال تُضيء لهم في العالم المُظلم. ومع أن النهار لم ينفجر للعالم بعد ولا طلع كوكب الصبح حقيقة ولكن يتم ذلك في قلوبهم بواسطة رجائهم المؤكد بكلمة الله.

«وإذا موسى وإيليا قد ظهرا لهم» كان موسى المُشرِّع العظيم الذي انتظمت الأمة الإسرائيلية بواسطته، وإيليا اشتهر كنبي الإصلاح (ملاخي 4:4، 5) إذ اجتهد في ترجيع الأسباط العشرة إلى الله بعد ارتدادهم عنه. وإذ لم يقدر على ذلك ذهب إلى جبل حوريب الذي كان الناموس قد أُعطيّ عليه. وكان ذهابه إلى هناك شهادة ضد إسرائيل المُصممين على عبادة البعل. ثم بعد ذلك أخذه الله إلى السماء بمركبة من نار بدون أن يرى الموت. موسى كان قد مات قبل ذلك بنحو 1500 سنة على الجبل نبو ودفنه الله هناك (تثنية 6:34). ولكنه ظهر في صورة جسد المجد العتيد أن يلبسه في القيامة (لوقا 31:9؛ كورنثوس الأولى 43:15). فصار صورة لظهور المُقامين بأجساد المجد في مشهد المُلك. على أنه لم يُقم في التجلي بجسد المجد، لأنه من امتياز الرب يسوع دون سواه أن يكون هو أول من قام بجسد المجد ليكون باكورة الراقدين (كورنثوس الأولى 20:15، 49؛ فيلبي 21:3). أما إيليا فقد اُختطف حيًا إلى السماء قبل ظهوره في مجد مع الرب على الجبل بنحو 930 سنة (ملوك الثاني 11:2). فصار صورة لكل المُختطفين أحياء في ظهورهم مع الرب في يوم مُلكه ومجده كابن الإنسان (كولوسي 4:3).

«يتكلمان معه» لا مع الرسل ولا مع بعضهما بل معه «لأن الناموس بموسى أُعطيّ» (يوحنا 17:1) وكان موسى هو النبي الذي اشتكى على الشعب بأنهم كسروا الناموس (خروج 19:32؛ يوحنا 45:5). وكان إيليا هو النبي الذي اشتكى عليهم بأنهم قتلوا الأنبياء (ملوك الأول 10:19؛ رومية 2:11، 3). وشكاية كل منهما مآلها هلاك الشعب. ففيمَ كانا «يتكلمان معه»؟ يقول لوقا «عن الخروج الذي كان عتيدًا أن يكمله في أورشليم» أي موته على الصليب كالوسيلة الوحيدة للخلاص.

«فجعل بطرس يقول ليسوع، يارب، جيد أن نكون ههنا. فإن شئت نصنع هنا ثلاث مظال. لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة» عرف بطرس موسى وإيليا بوسيلة إلهية طبعًا.

لقد تأثر بطرس بظهور عمودي النظام اليهودي مع سيده ومُعلمه في مجده (لوقا 31:9) وأراد أن يجعلهم جميعًا سوية كأنبياء ينبغي الإصغاء لهم وأظهر بذلك أنه نسى مجد المسيح الفريد كابن الله بحسب إقراره السابق. فإن ذينك إنما اشتهرا كعبدين (عبرانيين 1:3-6؛ يعقوب 17:5) بالنعمة المُعطاة لهما بخلاف المسيح الذي كان المجد خاصًا به.

«وفيما هو يتكلم إذا سحابة نيرة1 ظللتهم وصوت من السحابة قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا» كانت السحابة معروفة جيدًا كعلامة حضور الله في وسط شعبه فإنها كانت مسكن المجد، وقد قادت الشعب في البرية ثم سكنت في قدس الأقداس. فلما نطق بطرس بكلام من شأنه أن يجعل موسى وإيليا مساويين للمسيح لم يلبث أن سمع صوت الآب من المجد الأسنى شاهدًا لابنه. لأنه يمكن له من نعمته أن يضع موسى وإيليا وإيانا نحن أيضًا في المجد برفقة ابنه، ولكن أن كان الإنسان بجهالته وحماقته يحاول أن يحط من شأن مجده وسلطانه الخاصين فظهور السحابة وصوت الآب يسكتانه حالاً.

«ولما سمع التلاميذ سقطوا على وجوههم وخافوا جدًا. فجاء يسوع ولمسهم وقال قوموا ولا تخافوا. فرفعوا أعينهم ولم يروا أحدًا إلا يسوع وحده» (عدد 6). قد توارى موسى وإيليا وبقى المسيح وحده، كمن يليق به المجد وهو الذي يستطيع أن يعّلم جميع الذين يسمعون صوت الآب. كان يجب عليهم أن يسمعوا له. نعم ويجدوا سرورهم فيه كمن هو مسرة الآب. وما أعظم امتيازنا هذا أنه لنا شركة مع الآب ومع ابنه الحبيب «لأن الناموس بموسى أُعطيّ أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا» (يوحنا 17:1). فلم يكن من مقاصد الآب أن يجدد النظام القديم، لا على يد يسوع وموسى وإيليا معًا بحسب أفكار بطرس ولا على يد يسوع وحده. لأنه أبرز يسوع كابن الله الحي (إصحاح 16) وابنه الحبيب ومسرَّة الآب. كان موسى وإيليا عبدين أمينين كل في وقته وأما مجد الابن الوحيد فقد كف مجدهما (أنظر كورنثوس الثانية 7:3-11).

«سقطوا على وجوههم وخافوا جدًا» مما جرى فإنهم لم يستطيعوا أن يحتملوا المجد الأسنى.

«فجاء يسوع ولمسهم» علامة الرفق والرقة وهكذا شجعهم قائلاً «لا تخافوا» وهنا يجب أن نلاحظ الفرق العظيم بين يسوع وغيره من عبيد الله. فإن موسى نفسه ارتعد يوم تكلم الله بصوت مسموع من جبل سيناء (عبرانيين 21:12) ونرى إيليا في حالة الاضطراب حين كان الرب مُزمعًا أن يصعده إلى السماء. وكان ينتقل من موضع إلى آخر كأن انتظاره للحادثة العجيبة يثقل عليه (راجع ملوك الثاني 1:2-11) وأما يسوع فكان معتادًا على المجد الأسنى ولم يكن صوت الآب مُخيفًا له. فكان سيان عنده أن يكون على حالة التجلي مُتكلمًا مع موسى وإيليا أو وحده مع تلاميذه على حالته المعتادة. وتصرف كذلك يوم صعوده إلى السماء (لوقا 50:24، 51). ولماذا يخاف التلاميذ؟ فها سيدهم العزيز الذي اختص به المجد لم يزل معهم ليعلن لهم الآب، بل ولا بد أن يأتي بهم إلى هذا المجد عينه في الوقت المعين. غير أنهم لم يستطيعوا أن يحتملوه وقتئذ. وأيضًا لم يكن من خدمتهم لإسرائيل أن يخبروهم برؤية هذا المجد إلا بعد قيامته من الأموات.

«وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم يسوع قائلاً لا تعلموا أحدًا بما رأيتم حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات. وسأله تلاميذه قائلين، فلماذا يقول الكتبة، أن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً؟ فأجاب يسوع وقال لهم، أن إيليا يأتي أولاً ويرد كل شيء ولكني أقول لكم، أن إيليا قد جاء ولم يعرفوه بل عملوا به كل ما أرادوا. كذلك ابن الإنسان أيضًا سوف يتألم منهم. حينئذ فَهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان» (عدد 11-13 قابل إصحاح 14:11) فالعمى الذي منعهم من أن يُدركوا أن يوحنا هو المراد بإيليا المزمع أن يأتي في قول ملاخي، فرفضوه وقتلوه، هو نفس العمى الذي منعهم من أن يُدركوا أن يسوع هو المسيح بل والسيد الرب الذي تقول عنه نفس النبوة بل وكل النبوات (ملاخي 1:3؛ 5:4، 6)،

قد شاء الله وأرسل المسيح المرة الأولى إلى إسرائيل على حالة الإتضاع رجل أوجاع ومختبر الحزن مع أنه كان حاويًا المجد الأسنى في شخصه الإلهي كما تبرهن بحادثة التجلي، بل وكان بهاء مجد الله ورسم جوهره (عبرانيين 3:1) ولكنه لم يُظهر ذلك وقتئذ لإسرائيل. فإنهم لم يكونوا على حالة تمكنهم من احتماله، بل قدم نفسه لهم بأدلة وبراهين أخرى قد ناسبتهم كل المناسبة إذ أتاهم حيث كانوا في الضيق وتذلل في مذلاتهم وتضايق معهم في ضيقاتهم وكان قادرًا أن ينقذهم منها لو تابوا وقبلوه. واجتهد أن يأتي بهم إلى التوبة ويجتذب قلوبهم إليه. وكان يوحنا المعمدان مرسلا أمامه ليُهَيئهم لقبوله. لا شك أن الله سبق وعرف أن إسرائيل لا يتوبون. ولكن علمه السابق لا يخل بمعاملاته المتنوعة ولا يجوز أن نُنسب له عدم إخلاص النية إذ قدم لهم المسيح كابن داود ابن إبراهيم ليُباركهم إن تابوا. فإنه لا يزال يُعامل الخطاة على هذا الأسلوب، إذ يُقدم الخلاص مجانًا في الإنجيل إن تابوا وآمنوا. يزعم الناس بعض الأحيان أن الداء الوحيد الذي اعتراهم بالخطية هو العجز أو الضعف. ولكن وُجدَ فيهم داء آخر أشر وهو عدم الإرادة أو بالأحرى الرفض والعصيان. لو كانوا ضُعافًا فقط لكان خلاصهم هينًا. فإن كل القوة موجودة في المسيح ولكنهم متمردون، نعم وأموات بالذنوب والخطايا ولا يمكن خلاصهم إن لم يَلدهم الله من فوق. الله لا يطلب من الخاطئ أن يُحي نفسه ولا أن يبرر نفسه بل يعرض عليه المسيح لكي يقبله لتبريره وإحيائه. ولكن الإنسان يُظهر رداءته برفضه إياه وهذه حالة اليهود والأمم جميعًا. وهي السبب الموجب موت المسيح. لأن البشر جميعًا كانوا على هذه حالة قبل حضوره. م لما حضر كالنور السماوي في وسطهم تبرهنت حقيقة حالتهم إذ رفضوه وعلقوه على خشبة بين لصين. وإن قيل أنه ربما لو أعلن مجد التجلي للجميع لتابوا، قلت أن لطف الله هو الذي يقتاد الناس إلى التوبة (رومية 4:2) وأما المجد فليس من شانه أن يفعل ذلك. لو أظهر مجده البهي لإسرائيل الغير التائبين لهربوا منه كما هرب آباؤهم قبلاً من مجد جبل سيناء (خروج 18:20، 19). ولم يكن لنفعهم بل لإفنائهم فقط. لأن ليس للإنسان الساقط علاقة بالمجد. ولو نُقل إلى مجد السماء لكان المجد أعظم عذاب له. كان اليهود قد أظهروا رداءتهم قبل التجلي كما قد رأينا إذ حبسوا يوحنا وقتلوه، وجدفوا على الروح القدس، ورفضوا المسيح. فإذ ذاك قد فقدوا حقوقهم وامتيازتهم بحسب المواعيد القديمة ولا يمكنهم الخلاص بعد كأفراد أو كأمة إلا بالنعمة المطلقة التي أساسها الوحيد هو موت ابن الله وقيامته. وهذا هو الأساس الوحيد لإيماننا نحن أيضًا. أعود وأقول أن موت المسيح كان ضروريًا. وقد تجسد لكي يتألم ويموت. ولكنه عند حضوره لم يتقدم إلى الصليب إلا بعد أن ظهرت حالة البشر تمامًا أنهم مبتعدون عن الله إلى حد أن المسيح نفسه مادام حيًا على الأرض لا ينفعهم إلا نفعًا جزئيًا كما قد رأينا في هذا الإنجيل. لا شك أن ضرورة موت المسيح من الحقائق الأولية المعروفة عندنا. ولكن يجب أن نتذكر أن الأمر لم يكن هكذا عند الذين عاشوا قبل موته. لأنه حتى تلاميذه لم يفهموه قبل أن «أكمل» (لوقا 13:24 إلخ) نَميل دائمًا إلى أن نُنسب لهم نفس المعرفة التي لنا من هذا القبيل. ومادمنا نفعل ذلك لا نقدر أن نُدرك حقيقة حياة الرب يسوع والمقاصد المتنوعة التي أكملها الله بحضوره الشخصي وخدمته قبل موته. فإنه عُرضه أولاً على الإنسان ليُقبله أو يرفضه بحسب مسئوليته. فأظهر برفضه إياه حالة البشر تمامًا أنهم غير قابلين للإصلاح بأية وسيلة.

فكان يوحنا المعمدان قد سبقه في مجيئه الأول كما سيسبقه المكني عنه بإيليا في مجيئه الثاني. كقوله «إن إيليا يأتي أولاً ويرد كل شيء» فخدمته هذه محصورة في إسرائيل لإصلاح حالتهم روحيًا حسب (ملاخي 5:4، 6) وليس هو رد كل شيء عن يد المسيح نفسه المذكور في (أعمال الرسل 21:3).

«ولما جاء إلى الجمع تقدم إليه رجل جاثيًا له. قائلاً، يا سيد ارحم ابني فإنه يصرع، ويتألم شديدًا، ويقع كثيرًا في النار وكثيرًا في الماء. وأحضرته لتلاميذك فلم يقدروا أن يشفوه، فأجاب يسوع وقال، أيها الجيل غير المؤمن الملتوي، إلى متى أكون معكم؟ إلى متى أحتملكم؟ قدموه إلى ههنا. فانتهره يسوع. فخرج منه الشيطان فَشُفي الغلام من تلك الساعة (عدد 14-18). لما نزل السيد من الجبل لقى قوة الشيطان المرعبة، ولكنه كان معتادًا على ذلك فلم يعتد به. فإنه كان يقدر أن يطرد الشياطين بكلمة واحدة ولكنه لقى شيئًا آخر. أهم وهو عدم إيمان تلاميذه (عدد 20). كان الرب قد أعطاهم سلطانًا لإخراج الأرواح الشريرة ولكنهم لم يتمكنوا من إخراج هذا الروح لعدم إيمانهم بمعنى أنهم أمروه بالخروج فلم يُطِعَهم.

«إلى متى أكون معكم؟ إلى متى أحتملكم؟ كانت القوة الإلهية بِملئها حاضرة بشخصه لإنقاذ إسرائيل من كل قوة العدو. ولكن بماذا تنفعهم إن لم يكن لهم إيمان لاستعمالها؟

«قدموه إلى ههنا» قال هذا في نهاية توبيخه لتلاميذه على عدم إيمانهم لأنه لا يَمتنع على أن يَرثي لحالة شعبه مهما كان ضعفهم. فما أعظم ألطافه! فإنه أجرى بنفسه العمل الذي عجز عنه تلاميذه.

«ثم تقدم التلاميذ إلى يسوع على انفراد وقالوا، لماذا لم نقدر نحن أن نُخرجه؟ فقال، لعدم إيمانكم. فالحق أقول لكم لو كان لكم إيمان مثل حبة الخردل لكنتم تقولون لهذا الجبل، انتقل من هنا إلى هناك فينتقل، ولا يكون شيء غير ممكن لديكم. وأما هذا الجنس فلا يخرج إلا بالصلاة والصوم» (عدد 19-21) كان ذلك في بيت دخلوه بعد المعجزة (مرقس 28:9).

حبة الخردل كناية عن شيء صغير جدًا والجبل كناية عن صعوبة عظيمة. وليس القصد من هذا الكلام أننا ننقل جبالا حرفية (كورنثوس الأولى 2:13) لأن ذلك لا ينفع لشيء. ولكن لا يُخفى وجود صعوبات عظيمة في طريق المؤمنين لا تنقل إلا إجابة لإيمانهم. لا شك أنه توجد درجات متفاوتة من الإيمان. لأنه قد وردت في الكتاب شهادات على ذلك. ولكن الإيمان مهما كان ضعيفًا يتمسك بالله بحسب كلمته. وهو يُجيبه ليس بالنظر إلى ضعفه أو قوته بل بالنظر إلى صفاته هو. فإنه هو العامل، فلابد أن يُصادق على الإيمان الضعيف كما على القوى أيضًا. لأن الإيمان هو شعورنا بعجزنا ويقيننا بقوة الله وبأنه لنا، مع الاتكال عليه والانتظار له، ليعيننا بحسب مواعيده. فإذًا أساس إيماننا هو اقتناعنا بضعفنا. وكلما ازداد ذلك الاقتناع ازداد إيماننا ورأينا مثالا جميلا لذلك في المرأة الكنعانية لأنه لما أغلقت عليها كل الأبواب، واحد بعد الآخر بقيت تنتظر المعونة من الرب وحده كما قال صاحب المزمور «إنما لله انتظرت نفسي. من قبله خلاصي. إنما هو صخرتي وخلاصي ملجأي» (مزمور 1:62، 2) فليس الإيمان قوة فينا يمكن لنا أن نستعملها حيثما حينما شئنا. بل هو بالحقيقة عبارة عن تمسكنا بإلهنا، وإن كنا في وقت ما نتمسك به مصلين بأكثر لجاجة فلا يكون السبب إلا شعورنا المتزايد بعجزنا من جراء ضيقنا الشديد وتأكدنا بأنه لا عون لنا إلا به تعالى وحينئذ لا نقدر أن نتركه إن لم يُباركنا وينعم علينا بالجواب.

«ولا يكون شيء غير ممكن لديكم» أي جميع الأشياء التي هي حسب إرادة الله أبينا. وإن كنا قد اختبرنا جهالتنا فلا نُريد شيئًا خارجًا عن دائرة مشيئته الكاملة «وهذه هي الثقة التي لنا عنده أنه إن طلبنا شيئًا حسب مشيئته يُسمع لنا» (يوحنا الأولى 14:5) فإذًا لا يجوز لنا أن نتصور أن الإيمان والصلاة بلجاجة هما واسطة نجتهد بها أن نُغير مشيئة الله كأنه ضدنا وينبغي أن نستعطفه. لأن تصورات كهذه إنما هي نتيجة عدم الإيمان. ويجب أن نعتبرها هكذا. المؤمن مُتيقن في صميم قلبه أن الله له والبرهان القاطع على ذلك أنه قد بذل ابنه الوحيد لأجلنا» وبناء على ذلك «كيف لا يهبنا أيضًا معه كل شيء؟ » (رومية 32:8) ونرى في هذه الشهادة المختصرة الحلوة الدائرة الواسعة المعينة لنا لتدريب إيماننا. ولكنه لا ينمو بلا تدريب. وكلما تُصَادفنا الصعوبات في طريقنا نروض أنفسنا على التذلل أمام الله مع الاستعانة به كملجأنا الوحيد.

«وأما هذا الجنس فلا يخرج إلا بالصلاة والصوم» يُشير الرب بذلك إلى وجود صعوبات أعظم من أخرى. ومنه يتضح أولا: إن بعض الأرواح الشريرة إذا تمكنت في أجساد الناس يكون إخراجها أعسر من غيرها. فالذي يقوم بإخراجها ينبغي أن يقترب إلى الله على نوع خاص بالصلاة والصوم. وثانيًا: يصدق كلامه هذا كمبدأ عام لإرشادنا عندما تُصادفنا صعوبات غير عادية لأن الصلاة المصحوبة بالصوم نافعة جدًا فإنهما أقوى وأعمق حالات التفرغ من الذات وحصر ثقة القلب كلها في الله. وهما أفعل الوسائل لتقوية الإيمان الضعيف (أعمال الرسل 2:13، 3؛ كورنثوس الثانية 27:11).

وإن سئل: أتوجد للآن موهبة إخراج الشياطين في البعض؟ فأقول أن برهان وجود هذه الموهبة هو كبرهان وجود المواهب الأخرى تمامًا بحيث أن من قدر أن يعمل العمل المقصود عمله فعنده الموهبة المتعلقة به. هذه من المسائل الواضحة. فإن وُجد مؤمن يقدر أن يُخرج الأرواح باسم المسيح فعنده الموهبة المذكورة، وإلا فلا.

وليلاحظ القارئ العزيز أيضًا أن الآيات والمعجزات كان سلطانها مُعطى للبعض فقط وهم الرسل والأنبياء لإثبات الوحي عندما كان لا يزال بعد كلامًا بأفواههم إلى أن كتبوه وصار كتابًا للدهور (مرقس 17:16-20؛ عبرانيين 3:2، 4).

 

الإنباء للمرة الثانية بموته

(عدد 22، 23؛ مرقس 30:9-32؛ لوقا 43:9-45)

«وفيما هم يترددون في الجليل قال لهم يسوع. ابن الإنسان سوف يُسَلم إلى أيدي الناس. فيقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم. فحزنوا جدًا».

عاد الرب إلى الجليل (مرقس 30:9)، وهناك عاد وأخبرهم بموته العتيد أن يكمل عن قريب. أما الإخبار الأول فكان في (إصحاح 21:16-23).

وقد لح هذه المرة شيء من حقيقة كلامه فحزنوا جدًا لأن صليب يسوع المسيح ينهي جميع الانتظارات العالمية. فلابد لمن لم يمت بعد للعالم أن يحزن حزنًا شديدًا عندما يدرك شيئًا صغيرًا من معنى الصليب. ولكن بعد أن نتحقق موتنا للجسد والعالم بواسطة الصليب نبتدئ نفتخر به.

 

مركز أبناء الله كمجهولين في زمان النعمة

(عدد 24-27)

«ولما جاءوا إلى كفرناحوم تقدم الذين يأخذون الدرهمين إلى بطرس وقالوا أما يوفي مُعلمكم الدرهمين؟ قال، بلى. فلما دخل البيت سبقه يسوع قائلا، ماذا تظن يا سمعان. ممن يأخذ ملوك الأرض الجباية أو الجزية، أمن بنيهم أم الأجانب؟ قال له بطرس، من الأجانب. قال له يسوع، فإذًا البنون أحرار. ولكن لئلا نعثرهم إذهب إلى البحر وألقِِ صنارة والسمكة التي تطلع أولا خذها ومتى فتحت فاها تجد إستارًا فخذه وأعطيهم عني وعنك».

كان الدرهمان المذكوران هنا مبلغًا صغيرًا من المال يوازي نصف شاقل وكان يجب على كل يهودي أن يدفعه لأجل نفقات الهيكل والعبادة المتعلقة به. ولعله مؤسس على ما جاء في (خروج 11:30-16؛ 36:38؛ ملوك الثاني 4:12، 5؛ نحميا 32:10، 33) كان المنتظر من كل يهودي أمين لديانته أن يدفع هذا الرسم سنويًا بمحض اختياره. فسألوه بطرس أما يوفي مُعَلمكم الدرهمين؟ أي، هل مُعَلمكم يهودي أمين لديانته، فجاوبهم، بلى أي أنه يقوم بكل ما يجب القيام به. وكان في ذلك ناسيًا ما للرب يسوع من مركز وحقوق كالمسيح ابن الله الحي حسب إقراره السابق. لذلك عند دخوله ابتدره المسيح بسؤاله عن الأساس الذي بنى عليه جوابه فسأله عن عادة ملوك الأرض في أخذ الجباية، أيأخذونها من بنيهم أي أهل بيوتهم أو العائلة الملكية أم من الأجانب أي من الرعية؟ فأصاب بطرس بجوابه. «من الأجانب» لأنه من الأمور المعلومة أن الملوك لا يضعون الضرائب على بنيهم.

«قال له يسوع فإذًا البنون أحرار» أي ليس عليهم أن يدفعوا الجباية. «ولكن لئلا نُعثرهم إذهب إلى البحر… إلخ» نرى هنا قصد الوحي من إدراجه لهذه الحادثة. وهو أن الرب يجمع بطرس وبالتبعية غيره من خاصته مع نفسه كأبناء الله صاحب الهيكل. كان اليهود الآخرون بالصواب يدفعون هذه الجباية لله كرعية. وأما المسيح والذين أعطاه الله إياهم، فبحكم مركزهم كبنين لم يكونوا من الموضوعين تحت قوانين الهيكل (انظر إشعياء 16:8-18) حيث نرى المسيح مرفوضًا من إسرائيل، وتلاميذه مفرزين له، وهو مصطبر للرب الساتر وجهه عن بيت يعقوب. وأما تلاميذه فهم بالحقيقة أولاد مُعطون له من عند رب الجنود الساكن في جبل صهيون وأيضًا انظر قوله «إني أصعد إلى أبي1وأبيكم وإلهي وإلهكم» (يوحنا 17:20) نعم هذه الحقائق الجميلة لم نُعلن إعلانًا تامًا إلا بعد قيامته. ولكنه قد أشار إليها هنا وأمر بدفع الدرهمين عنه وعن بطرس لقطع أسباب العثرة فقط. وكما أنه أظهر معرفته الإلهية إذ سبق بطرس وسأله سؤالاً عما جرى خارج البيت هكذا أظهر قدرته الإلهية وسيادته على خليقة الله إذ جعل سمكة تأتي بالمبلغ المطلوب.

ولا حاجة لي أن أقول للقارئ المسيحي أن قول الرب «فإذًا البنون أحرار» لا يعني شيئًا من جهة واجباتنا المقررة نحو الحكام الذين يقيمهم الله بعنايته. لأنه يجب علينا أن نخضع لهم ونعطي لمن له الجزية (انظر رومية 1:13-7؛ بطرس الأولى 13:2-17).

ويجب أن نلاحظ أن جميع تعاليم الرب هنا نوافق حالة رفضه وإقامة الملكوت بعد موته. كان ابن الله ولكنه ترك حقوقه في العالم في الوقت الحاضر وعَلَمَ تلاميذه أن يتصرفوا مثله. كمقامين مقامه وهو غائب أي ليس كرؤساء وسلاطين بل بوداعة وتواضع القلب كغرباء ونزلاء.

نقلاً بالاتفاق مع موقع بيت الله www.baytallah.com

Advertisements

ما الذي يجول بخاطرك بخصوص التدوينة؟

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: