شرح إنجيل متى | الإصحاح الثالث عشر | بنيامين بنكرتن


الإصحاح الثالث عشر

أمثال ملكوت السماوات

(عدد1-52؛ مرقس 1:4-34؛ لوقا 4:8-18؛ 18:13-20)

«في ذلك اليوم خرج يسوع من البيت وجلس عند البحر. فاجتمع إليه جموع كثيرة حتى إنه دخل السفينة وجلس. والجمع كله وقف على الشاطئ. فكلمهم كثيرًا بأمثال قائلاً» (عدد1-3).

قد وصلنا إلى هذا الإصحاح الذي يتضمن سبعة أمثال ينبغي أن نبحث فيها على قدر استطاعتنا. لأن فهمها ضروري جدًا لكي نُدرك قصد الوحي الخاص بتاريخ حياة ربنا يسوع المسيح، الذي دَوَنهُ البشير مَتَّى، ولكي نُدرك أيضًا طرق الله ومعاملاته مع إسرائيل بل ومع العالم كله. فلهذا الإصحاح مركز عظيم في هذا الإنجيل. ويجب إلا يفوتنا أن ما جاء فيه مترتب على ما جاء في (إصحاح 12) من رفض إسرائيل للمسيح على يد رؤسائهم المتكبرين المُعتدين ببر أنفسهم. إذ كانوا قد رفضوا وارث المواعيد الحقيقي، وجدفوا على الروح القدس، وكان الرب قد حَكم عليهم كأمة مصرحًا بأن أواخرهم تكون أشر من أوائلهم.

«في ذلك اليوم خرج يسوع من البيت، وجلس عند البحر» كان خروجه من البيت للتعبير عن تركه لبيت إسرائيل وخروجه خارج العلاقات الطبيعية التي كانت تربطهم به (إصحاح 38:23). وكان جلوسه عند البحر للتعبير عن تحوله إلى البشرية كلها، إلى كل الشعوب والأمم (إشعياء 30:57؛ رؤيا 15:17). فقد كان إسرائيل في مركز شعب خاص للرب. كانوا كَرمة الله وتينته (يوحنا 7:1). وكان الرب قد تعبَ فيهم مُنتظرًا ثمرًا يليق بمقامهم وامتيازاتهم ونسبتهم الفريدة إلى إلههم ولكنهم لم يشاءوا أن يستفيدوا من هذا التعب (إشعياء 1:5-7)ومن ثم فهو هنا ليس بعد كمن يطلب ثمرًا من الكرمة أو التينة الإسرائيلية القديمة، بل كمن َيزرع ولا ينتظر ثمرًا إلا مما يزرعه. فلم يعد يُصادق على نسبة إسرائيل لله كشعب له، وأخذ يعلن مصادقته فقط على الذين ينتسبون لله عن طريق كلمته. وقد أشار إلى ذلك كما رأينا في (إصحاح 49:12، 50).

«فاجتمع إليه جموع كثيرة حتى أنه دخل السفينة وجلس والجمع كله وقفَ على الشاطئ، فكلمهم كثيرًا بأمثال» إن المثل صورة خاصة من الكلام يتخذ فيها المُتَكلم ألفاظًا وتشبيهات بحيث لا نقدر أن نُدرك المثل ما لم نفهم أولاً قصد المُتَكلم. ومتى فهمناه نستفيد منه أكثر مما لو استعمل العبارات الاعتيادية. لأن المثل يجعل المعنى عامًا. وعندما نفهم القصد منه نُدرك متعلقاته وتفاصيله التي تفيدنا فوائد شتى عدا معناه الخاص. على أن المثل لا يفيد إلا من قد أدرك قصد المُتكلم وكما كان عامود السحاب والنار نورًا لناحية شعب الرب وظلمة لناحية أعدائه (خروج 20:14) كذلك المثل هو كنور للذي يفهم وكظلمة للآخرين.

مَثل الزارع (عدد3-9؛ مرقس 3:4-9؛ لوقا 4:8-8)

«قائلاً، هوذا الزارع قد خرج ليزرع. وفيما هو يَزرع سقط بعض على الطريق. فجاءت الطيور وأكلته. وسقط آخر على الأماكن المُحجرة حيث لم تكن له تُربةَ كثيرة. فنبت حالاً إذ لم يكن له عمق أرض. ولكن لما أشرقت الشمس احترق. وإذ لم يكن له أصل جَفَ وسقط آخر على الشوك. فطلع الشوك وخنقه. وسقط آخر على الأرض الجيدة. فأعطى ثمرًا. بعض مئة وآخر ستين وآخر ثلاثين. مَن له أُذنان للسمع فليسمع» (عدد 3-9).

قد عرفنا أن الزارع هو الرب نفسه غير أن كل ما يُقال هنا على الزارع يصدق على كل من يزرع. لأن الزرع عبارة عن «كلمة الله» (لوقا 11:8) فكل من نادى أو عَلَمَ بكلمة الله فهو زارع. ونرى الرب هنا آخذًا مقام زارع قد خرج قاصدًا أن يزرع. ومن جودته يبذر زرعه الجيد على جميع الأماكن بغض النظر عن حسنها أو رداءتها. ومن ثم فخدمته هذه لا تخص اليهود وحدهم بل تخص كل البشر العديمي الثمر لله بحسب الطبيعة، وتنطبق على كل من يسمع الكلمة. فعدم وجود ثمر لله في الطبيعة هو ما حدا بالرب لأن يَزرع زرعه الجديد وكل من يسمع الكلمة يُظهر ما عنده بحسب استعداده أو عدم استعداده لقبولها حق القبول. وبموجب هذا المَثل كل من يسمع كلمة الله مسئول بأن يأتي بثمر. لأن القصد الأعظم من المَثل هو إيضاح مسئولية الإنسان لا عمل نعمة الله الخفي الذي لابد منه لكل إنسان لكي يستطيع أن يقبل كلمة الله ويَخلص. نرى في مواضع أخرى من الكتاب فاعلية كلمة الله في قلوب السامعين الذين قد عَمِلَ فيهم الروح القدس ليهيئهم لذلك. ولكن ليس هذا هو الموضوع هنا، بل الموضوع هو الزرع وما نتج من كل من السامعين على حسب حالته الشخصية بغض النظر عن السبب في هذه الحالة. لقد زرعَ الزارع، وكل حبة أظهرت نتيجة ما، بحسب حالة قلب مَن زُرعت فيه فالكلام هنا هو عن السامعين، كل واحد بمفرده بحسب مسئوليته الشخصية لله. فأن غاية الله من توجيه كلامه لأي إنسان هي أن يجعله تحت المسئولية له. فلنلاحظ جيدًا هذه الحقيقية العظمى. لا شك أنها كانت من الحقائق الإلهية من الأول. ولكنها قد أظهرت بنوع خاص بعد رفض المسيح واتخاذه صفة الزارع متجهًا نحو البشر أجمع. فإنه لما كان الله يُعامل اليهود كأمة خاصة به على الأرض كان يُجري معهم أعمالاً كثيرة باعتبار كونهم من نسل إبراهيم وطبقًا لمبادئ سياسته التي وضعها لهم كأمة. وكان بعض الأوقات يُعاقب الشعب لأجل خطايا آبائهم (خروج 5:20). وأما بعد رفضهم وتشتتهم صار من أول مبادئ الإيمان المسيحي في الوقت الحاضر إن كان واحد يحمل حِمل نفسه (غلاطية 5:6)، ويقدَّم لله حسابًا عن نفسه لا عن غيره (رومية 12:14). ومسئولية الفرد هذه مؤسسة على سماعه كلمة الله.

«وفيما هو يزرع سقط بعض.. الخ» لا أُريد أن أشرح هنا كلام الرب عن السامعين المختلفين وما ظهر مَن كل منهم. فأننا سنرى تفسير الرب نفسه لذلك فيما بعد. فقط أستدعى إلتفات القارئ إلى شيئين:

أولهما- وجود أعداء كثيرين لكلمة الله وموانع كثيرة تَحول دون استفادة السامعين منها. فكل إنسان مبتعد عن الله بحسب الطبيعة، ولا يُريد أن يقترب إليه تعالى. وليس ذلك فقط بل عن

ما يفتقده الله من رحمته ليجتذبه إليه بكلمته توجد موانع شتى تصده عن الخضوع لها. فالزرع ولو كان جيدًا لا يأتي كله بثمر بل جزء واحد منه فقط. ويأتي بثمر بدرجات متفاوتة. وما دام الأمر كذلك لا يجوز أن تنتظر صيرورة العالم مسيحيًا بواسطة المناداة بالإنجيل.

ثانيًا- مسئولية الإنسان أن يسمع «مَن له أذنان للسمع فليسمع» (عدد 9). وهذه من الأمور الأولية. فإنه إن كان الله يتنازل من لطفه أن يُكلم الإنسان فبالضرورة يكون من واجب الإنسان أن يسمع له «أميلوا آذانكم. وهلموا إلى اسمعوا فتحيا أنفسكم» (إشعياء 3:55).

سبب الأمثال (عدد 10-17؛ مرقس 10:4-13؛ لوقا 9:8، 10، 18).

«فتقدم التلاميذ وقالوا له لماذا تُكلمهم بأمثال. فأجاب وقال لهم لأنه قد أُعطى لكم أن تعرفوا أسرار الملكوت السماوات. وأما لأولئك فلم يُعطِ. فإن من له سيعطى ويزداد. وأما من ليس عنده فالذي عنده سيؤخذ منه. من أجل هذا أُكلمهم بأمثال. لأنهم مبصرين ولا يُبصرون وسامعين ولا يسمعون ولا يفهمون. فقد تمت فيهم نبوة إشعياء القائلة «تسمعون سمعًا ولا تفهمون. ومبصرين تبصرون ولا تنظرون. لأن قلب هذا الشعب قد غلظ. وآذانهم قد ثَقُلَ سماعها. وغمضوا عيونهم لئلا يبصروا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم» (عدد 10-15).

إن الذين تقدموا للسؤال هم الإثنا عشر ومن حوله من تلاميذه. وكان السؤال على حدة (مرقس 10:4).

«لماذا تُكلمهم بأمثال؟ » لاحظ التلاميذ أن الرب غيَّر أسلوب كلامه مع الجموع، وتعجبوا من ذلك، لأنه كان مُعتادًا قبل ذلك أن يُخاطب الجموع بكلام واضح قاطع حتى إنهم بهتوا من الكلام (إصحاح 28:7، 29).

«فأجاب وقال لهم، لأنه قد أُعطى لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات» قبل رفض المسيح لم نسمع عن أسرار ملكوت السماوات أو أن له هيئة سرية. فإن يوحنا المعمدان نادى، وكذلك الرب في أول خدمته، باقتراب الملكوت كما تَنَبأ عنه دانيال وغيره من الأنبياء، وكما توقعه الأتقياء من حيث إقامته ظاهرًا علنيًا، وأما من الآن فصاعدًا فيستعمل كلامًا عن الملكوت تعجب منه التلاميذ، ولم تقدر الجموع أن تُدرك منه شيئًا.

لقد ظن البعض أن الوحي يتكلم عن ملكوتين، ملكوت ظاهر منظور وآخر سري غير منظور لا عن ملكوت واحد في هيئتين متعاقبتين مختلفتين. لكن إن كنا نلاحظ، كما يجب، حقيقة رفض المسيح من رؤساء إسرائيل وانقياد الشعب على وجه الإجمال وراء رؤسائه لرأينا أن الملكوت واحد هو نفسه الذي أُنبئ عن إقامته ظاهرًا لإسرائيل، ولكن ظهوره تأجل بالنسبة لهم وتحول إلى غيرهم على هيئة أخرى سرية أو مُختفية أثناء رفضهم للملك وغيابه في السماء وجلوسه في عرش الآب. وهو هو بعينه نفس الملكوت الذي بعد اختطاف الكنيسة لتكون مع المسيح في السماء سيكون موجودًا أثناء إجراء القضاء لتنقيته حسب قول الرب هنا في (عدد 41) «يُرسل ابن الإنسان ملائكته فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلي الإثم»، والذي سيعود إليهم في شكله الظاهر المنظور المعلن عنه لهم (أعمال الرسل 6:1، 7) عند رجوعهم إلى الرب يسوع كملكهم (هوشع 5:3). فإذا الملكوت واحد لا اثنان. «أُعطى لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات. وأما لأولئك فلم

يُعط» أي أن أحوال الملكوت السرية ليست من الأمور التي يسهُل على الذين خارج إدراكها فإن ذلك قد أُعطى لتلاميذ المسيح وحدهم. ولا يزال الأمر هكذا إلى الآن، بل المسيحيون بالاسم الذين ابتعدوا عن كلمة الله لا يستطيعون أن يدركوا هذه الحقيقة كما لا يخفى على كل من له بصر روحي.

«فإن من له سيُعطى ويزداد» هذا قانون عام فإن الذي يقبل ما يسمعه من كلمة الله ويخصصه لنفسه يزداد معرفة ويفهم أكثر. كان التلاميذ قد عملوا هكذا. انظر قول المسيح عنهم «أنا أظهرت اسمك للناس الذين أعطيتني من العالم. كانوا لك وأعطيتهم لي وقد حفظوا كلامك والآن علموا أن كل ما أعطيتني هو من عندك. لأن الكلام الذي أعطيتني قد أعطيتهم. وهم قبلوا وعلموا يقينًا إني خرجت من عندك. آمنوا أنك أنت أرسلتني» (يوحنا 6:17-8). فلم يشأ الله أن يُعطي إعلاناته بطريق يمكن للناس أن يفهموها بغض النظر عن حالتهم الروحية. صحيح أنه يوجد بعض حقائق عامة كحالة الإنسان كخاطئ مُذنب إلى الله، ووجوب التوبة والإيمان، الدينونة العادلة الأبدية، وما يتعلق بخلاص النفس كل هذه يمكن فهمها من الجميع. ونشكر الله أنه شاء أن يُسهلها ويجعلها قريبة الفهم لكل واحد. ولكن، إذا أردنا أن نتقدم في معرفة كلمته فينبغي أن نكون تلاميذ للمسيح بالمعنى الصحيح مُنكرين الذات وحاملين الصليب.

«وأما من ليس له فالذي عنده سيؤخذ منه» هذه حقيقة أخرى عظيمة الأهمية. وهي أنه يمكن للناس أن يسمعوا كلام الله، ويتظاهروا بالخضوع له وهم في حقيقة الأمر ليسوا خاضعين له. فعندهم مقدار من النور الإلهي يجعل مسئوليتهم أعظم من مسئولية الوثنيين مثلاً. فكيف تكون معاملة الله معهم؟ أيبقى هذا النور عندهم أم يأخذه؟ قد سبق الرب وقال للسامعين «فإن كان النور الذي فيك ظلامًا فالظلام كم يكون؟» (إصحاح 23:6) وهنا يقول لهم «وأما من ليس له، فالذي عنده سيؤخذ منه». كان الرؤساء والشعب على وجه الإجمال قد أصبحوا على هذه الحالة نفسها. فأخذ الله يُعاملهم كما يوافق سوء تصرفهم من نحو كلمته. فإن كانوا يُصممون على عدم إيمانهم مُفضلين الظلمة على النور يتركهم للظلمة التي أحبوها، لا بل والنور الموجود عندهم يتحول إلى ظلمة ويعثرهم أكثر (انظر إرميا 16:13؛ يوحنا 35:12). ومن المعلوم أنهم استعملوا الكتب المقدسة أسوأ استعمال فانهم حاولوا أن يُبرهنوا منها أن يسوع الناصري مُضل، وليس هو ولا تعليمه بحسب النبوات (يوحنا 41:7، 52). فلا يفوتنا الفرق بين الجهالة البحتة والمقاومة المُعتمدة للنور إذا أُظهر. فإنه يمكن للجاهل أن ينتبه إذا بلغهُ الحق، ويستفيد منه. وأما من كان عنده جانب من الحق ولا يُريد أن يقبل أكثر، بل ويستعمل ما عنده ليدحض به ما يعرضه الله عليه فليس لمثل هذا رجاء. لأن قلبه قد غلظ. ولذلك هو يُقاوم الحق. وكم من المسيحيين في أيامنا هم على هذه الحالة عينها! فلا عجب إذا كنا نراهم يتقدمون أكثر فأكثر في آرائهم الكاذبة، ويتقسمون في مقاومتهم للحقائق التي يعرضها الله عليهم. وما أشد قصاصهم حتى في الوقت الحاضر! فإنهم لا يستطيعون أن يتلذذوا بما عندهم من كلمة الله، بل ويُهيئون أنفسهم لدينونة مضاعفة في وقت الدينونة.

«من أجل هذا أُكلمهم بأمثال. لأنهم مُبصرين لا يبصرون، وسامعين لا يسمعون، ولا يفهمون» فإذًا الرب قد غير أسلوب كلامه قَصاصًا للذين قد طال عليهم الزمان وهم يسمعون كلامه الصريح ولم يريدوا أن يتوبوا. ولا يمكن لأُناس منتسبين لله كشعبه أن يكونوا في حالة أشر من ذلك.

«فقد تمت فيهم نبوة إشعياء القائلة: تسمعون سمعًا ولا تفهمون. ومبصرين تُبصرون ولا تنظرون» انظر (إشعياء 9:6). فكانوا على هذه الحالة من زمن طويل. غير أنهم ازدادوا قساوة لما أضاء لهم النور السماوي في المسيح ببهجة قوته. لقد كانت عندهم أقوال الأنبياء وافتخروا بها افتخارًا جسديًا. ولكنهم تمموها أولاً برفضهم مسيحهم ثم بقتلهم إياه. فإذا من الأمور الممكنة أن يهلك إنسان والكتاب المقدس بين يديه وهو مفتخر به أو بالحري مفتخر بنفسه لكونه مُمتلكًا إياه حاسبًا أنه أفضل من الآخرين. وهنا أسأل القارئ العزيز. هل هذه حالته؟ وأحثه حُبيًا أن لا يعتمد على صورة التقوى الفارغة، التي يمكن له أن يلبسها ويعيش بدون قوتها.

«لأن قلب هذا الشعب قد غلظ. وآذانهم قد ثقل سماعها وغمضوا عيونهم لئلا يبصروا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم ويفهمون بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم» قد أعطى الله البشر عيونًا للنظر وآذانًا للسمع وقلوبًا للفهم والإدراك. ثم قد وَضع أمامهم مناظر لكي ينظروها. وأسمعهم كلامًا ليدخل مسامعهم ويفعل في قلوبهم وضمائرهم. ولكن وأسفاه على شعبه إسرائيل! لأنهم لم يُريدوا إلههم ولا عطاياه الجيدة التي أجزلها لهم. فتقسوا بنفس الوسائط التي كان من شأنها أن تنبههم وترجعهم إليه لكي يشفيهم. فقد قال الله لعبده إشعياء النبي «أذهب وقل لهذا الشعب، اسمعوا سمعًا ولا تفهموا وابصروا إبصارًا ولا تعرفوا. غلظ قلب هذا الشعب وثقل أُذنيه، لئلا يبصر بعينيه، ويسمع بأذنيه، ويفهم بقلبه، ويرجع فيُشفى»

نفهم من هذه الأقوال أنه قد جرى عملان فقد كان إسرائيل شعبًا نجس الشفتين وفي حالة قساوة. وكلما كلمهم الله تقسوا أكثر وغَلَظُوا قلوبهم الخ. ثم، وهذه حالتهم، أرسل الله إليهم النبي ليُكلمهم ويكون كلامه واسطة لتقسيتهم أكثر على سبيل العقاب. ولما سأل النبي «إلى متى، أيها السيد؟ » أي إلى متى يدوم هذا العمل العقابي؟ أجاب الرب «إلى أن تصير المدن خَرِبة بلا ساكن، والبيوت بلا إنسان. وتخرب الأرض وتقفر، ويبعد الرب الإنسان، ويكثر الخراب في وسط الأرض وإن بقى فيها عشر بعد فيعود ويصير للخراب. ولكن كالبُطمة والبلوطة التي وإن قُطعت فلها ساق، يكون ساقه زرعًا مقدسًا» (إشعياء 11:6-13) أي أن الله يستمر يعامل إسرائيل على هذا المنوال إلى أ، تخرب أرضهم ويتشتتون إلى كل الجهات خارج بلادهم. ثم إذا رجعت بقية صغيرة كعشر إلى الأرض- كما كان الأمر معهم في زمان المسيح، وكما سيكون أيضًا في مستقبل الأيام، وقت الضربات- فتعود هذه البقية للخراب أيضًا. ولكنهم لا يُبَدون كل الإبادة (زكريا 2:14؛ عاموس 8:9-10؛ إرميا 35:31-37) فمع أن الله يُغربلهم وينقيهم إلا إنه سيبقى منهم زرعًا مقدسًا لنفسه.والزرع المقدس هو البقية الإسرائيلية المذكورة مرارًا عديدة في النبوات (إشعياء 9:1؛ 22:10). إذًا فقد كان اقتباس الرب لنبوة إشعياء في غاية المناسبة لأن إسرائيل كانوا قد رفضوه. وما بقى لهم كأمة إلا الخراب والدينونة.

«ولكن طوبى لعيونكم لأنها تًبصر، ولآذانكم لأنها تسمع. فإني الحق أقول لكم، أن أنبياء وأبرار كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا، وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا» (عدد 16، 17). إذ كانت نعمة الله قد عملت فيهم وصَيرتهم كالأطفال في نظر أنفسهم. فصاروا يستطيعون أن يميزوا حكمة الله التي أظهرت لهم فنظروا وسمعوا ما كان الأنبياء والأبرار القدماء يشتهون أن ينظروه وأن يسمعوه ألا وهو المسيح وأمجاده كما قيل «في الإيمان مات هؤلاء أجمعون وهم لم ينالوا المواعيد بل من بعيد نظروها وصدقوها وحيوها وأقروا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض» (عبرانيين 13:11. قابل بطرس الأولى 10:1، 11).

تفسير مَثل الزارع

(عدد 18-23؛ مرقس 14:4-20؛ لوقا 14:8، 15)

«فاسمعوا أنتم مثل الزارع. كل من يسمع كلمة الملكوت ولا يفهم فيأتي الشرير ويخطف ما قد زُرع في قلبه هذا المزروع على الطريق» (عدد 18، 19)

لنلاحظ أن هذا المثل ليس تشبيهًا لملكوت السماوات كالأمثال الستة الأخر التالية له في هذا الإصحاح. فإنه إنما يظهر نتائج المناداة بكلمة الله التي يُقال لها «كلمة الملكوت» (عدد 19) باعتبار كونها كلمة الملك المرفوض. إذن، فهذا المثل يَصدق على جميع الذين يُنادى لهم باسم المسيح وسلطانه.

«كل من يسمع كلمة الملكوت ولا يفهم.. هذا هو المزروع على الطريق» (عدد 19) فالطريق عبارة عن حالة القلوب بعض السامعين من حيث استخفافهم وعدم استعدادهم لقبول الكلمة فلا يفهمون منها شيئًا، فقلوب أُناس كهؤلاء محمولة بجهالتهم وعدم شعورهم بالحاجة إلى الله ليس فيها موضع لكلمته.

«فيأتي الشرير ويخطف ما قد زرع» في المثل ذاته يذكر الرب أن الطيور جاءت وأكلت ما قد زرع على الطريق ففسر المسيح الطيور بالشرير أي إبليس. فعدوا المسيح هو الذي يحاول أن ينزع كلمة المسيح التي يزرعها.

«في قلبه» فمع أن مثل هذا لا موضع للكلمة في قلبه ومع ذلك يُقال عن الكلمة هنا أنها قد زرعت في قلبه. لأن كلمة الله تُناسب حاجة الإنسان إن كان يقبلها. فالله يخاطب قلب الإنسان وضميره بما يؤثر في عواطفه واحساساته وكم هم الذين يسمعون كلام الله ولا يخصصون أقل شيء منه لأنفسهم! لأن قلوبهم كطريق مسلوك غير محروث (إرميا 3:4). فيذهبون كما أتوا عديمي الانتباه وبلا مبالاة. وسرعان ما يخطف الشيطان ما زُرع على سطح القلب ولم ينغرس فيه.

ولنلاحظ أن القصد من المثل ليس هو أن يُخبرنا أيمكن لسامع من هذا النوع في وقت ما أن يتغير بنعمة الله ويصير سامعًا منتبهًا أم لا. فإن ذلك يمكن بلا شك. ويُحتمل أننا كنا مرة كالمزروع على جوانب الطُرق. وأما كلام الرب هنا فلا يوضح لنا هذه الحقيقة، وإنما يذكر فقط بعض النتائج العامة الظاهرة من زرع كلمة الله.

«والمزروع على الأماكن المُحجرة هو الذي يَسمع الكلمة وحالاً يقبلها بفرح. ولكن ليس له أصل في ذاته بل هو إلى حين. فإذا حدث ضيق أو اضطهاد من أجل الكلمة فحالاً يعثر» (عدد 20، 21).

من أول العلامات التي تدل على عمل الروح القدس في الإنسان أنه يبتدئ يشعر بحالته كخاطئ مذنب أمام الله فإن الروح القدس دائمًا يعمل بحسب الحق. والحق من جهة حالتنا هو أننا جميعًا قد أخطأنا وأعوازنا مجد الله (رومية 23:3). ومن ثم ينبغي أول كل شيء أن يقنعنا بخطايانا وشقاوتنا قبل أن يُفرحنا بمعرفة غفرانها. فالذي يقبل البشارة بسرعة في عدم شعور باحتياجه الشخصي إلى رحمة الله لا يثبت في وقت الضيق والاضطهاد. لأن ضميره لم يُنخس بعد. فانتباه الضمير هو الاستعداد الوحيد لقبول الكلمة قبولاً حقيقيًا (أعمال الرسل 29:16-34). صحيح أن الفرح لابد أن يجيء في الوقت المناسب، ولكن ينبغي أن نذوق أولاً مرارة الشعور بالخطية قبل أن نتمتع بفرح الخلاص من عواقبها المروعة وعبوديتها القاسية. وبالاختصار أقول، أن التوبة أو الحزن القلبي على خطايانا، والحكم على أنفسنا بسب ارتكابنا إياها هما من أول أثمار الإيمان الحقيقي وعمل الله في النفس.

«والمزروع بين الشوك هو الذي يسمع الكلمة. وَهَمَّ هذا العالم وغرور الغنى يخنقان الكلمة، فيصير بلا ثمر» (عدد 22).

لا يُخفى أن السامعين الذين من هذا النوع كثيرون جدًا. فليسوا هم من المستخفين، كالمُعبر عنهم بالمزروع على الطريق، ولا المتقلبين بأفكارهم كالمزروع على الأماكن المُحجرة. لأنهم من الناس المفكرين المعتادين أن يبحثوا في كل مسألة من المسائل المتعلقة بمصالحهم. فلا نراهم يستخفون بكلمة الله بل ربما يخضعون لها بحسب الظاهر. ولكن وأسفاه! فقلوبهم ممتلئة من هَمِّ هذا العالم وغرور الغنى من قبل أن يسمعوا الكلمة، فيخنقانها حتى لا تأتي بثمر.

«هَمِّ هذا العالم» ؟أي الاهتمام بما يتعلق بالجسد كالسؤال ماذا نأكل، وماذا نشرب، وماذا نلبس؟

«وغرور الغنى» أي الغرور المختص بتحصيل المال. ويصدق هذا على الغني المهتم بما عنده وعلى الفقير أيضًا المشتهي أن يزيد ماله. فإن الغنى يشغل بال الغني ويغر قلبه. وهكذا يَفعل أيضًا بمن يشتهيه ولو كان فقيرًا. انظر (تيموثاوس الأولى 9:6، 10، 17-19). فالسامعون من هذا النوع متصفون بالطمع في المال الذي لا يحملهم على أن يرفضوا الكلمة رفضًا ظاهرًا. على أنهم ينخدعون بشهوتهم ويحاولون أن يخدموا الله والمال، الأمر المستحيل (إصحاح 24:6، 25).

«وأما المزروع على الأرض الجيدة فهو الذي يسمع الكلمة ويفهم، وهو الذي يأتي بثمر فيصنع بعض مئة وآخر ستين وآخر ثلاثين» (عدد 23)

لا يقول الرب هنا كيف صارت الأرض جيدة أو في حالة مناسبة لقبول الزرع لأن قصده هنا أن يوضح الأمر من ناحية مسئولية الإنسان لا من ناحية عمل نعمة الله في نفس الإنسان. كما لا يذكر هنا أيضًا دينونة السامعين الفاشلين في مسئوليتهم. على أننا نعلم أن الله سيُدين كل واحد على حسب النور المُعطى له.

«فهو الذي يسمع ويفهم» يُقال في الحالة الأولى، حالة المزروع على الطريق أن الكلمة لم تُفهم أي لم ينغرس شيء منها في ضمير السامع. وفي الحالتين الثانية والثالثة لا يذكر أفُهِمت الكلمة أم لا على أن الزرع قد نبت وبدا كأنه مزمع أن يأتي بثمر. ولكنه تلف لأسباب مذكورة. وأما في الحالة الأخيرة، حالة المزروع على الأرض الجيدة فيُقال أن الكلمة تُفهم أي أنها تنغرس في ذهن السامعين وضميرهم فتأتي بالثمر لكن بدرجات تختلف في تفاوتها بنسبة اختلاف حالة الأشخاص المثمرين.

لُنراجع هذا المثل ونمعن النظر فيه أكثر لما يحتويه من شتى الفوائد. وأول ما يجب أن نتذكره دائمًا في هذا الصدد هو أن الأشياء التي هي قوة الموت الروحي في غير المؤمن والتي تمنعه من قبول كلمة الله للحياة الأبدية، لا تزال موجودة في المؤمن نفسه بعد إيمانه. وإذا عَملت فبه في وقت ما تضعه روحيًا وتمنعه عن الإثمار. فإذًا يجب أن نسهر ونُصلي. لأن مجرد كوننا مؤمنين حقيقيين لا يكفل وحده إتياننا بالثمر المطلوب.

ولكل من الأقانيم الثلاثة عمل فينا. ويوجد أيضًا ثلاثة أنواع من المضادات تضاد عمل كل منهم. فإبليس هو خصم المسيح أو عدوه الشخصي. والطبيعة الساقطة أو الجسد الفاسد يُقاوم الروح القدوس. والعالم ضد الآب. وسنرى هذه الحقائق الثلاث متى بحثنا فيه بالنظر لما يوافقه من مواضع أُخرى في الكتاب. قد رأينا الأحوال المُعبر عنها بالمزروع على الطريق الذي أكلته الطيور، والمزروع على الأماكن المُحجرة حيث الطبيعة الحجرية قد منعت نمو الزرع وقَضت عليه، والمزروع على الشوك حيث العالم قد خنق النبات وحرمه من الإثمار.

فالحالة أولى مفهومة جيدًا فإنها حالة الموت الروحي التي يستغلها إبليس ويتسلط بها على النفس فلا يدع الكلمة الحياة تَعمل فيها فتظل في موتها الروحي وهكذا، إذ لا توجد حياة في نفس السامع، وإذ أن قلبه غير منكسر فمتى زُرِعَت فيه الكلمة حالاً يأخذها الشيطان ويستمر مُمسكًا بفريسته في حالة الموت. إن الكلمة هي الواسطة لنوال الحياة «شاء فَوَلدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة خلائقه» (يعقوب 18:1).لقد سبق إبليس وأدخل الموت بواسطة كلمة الكذب (تكوين 1:3-5). وظهر حينئذ في صفته كقاتل نفس (يوحنا 44:8). ولا يزال يتسلط على البشر بواسطة كلام الكذب مُمسكًا إياهم في حالة الموت. لكن الله. من الجهة الأخرى، قد أرسل إلينا «كلمة الحق» لكي نحيا بها. والمسيح نفسه هو الكلمة المتجسد والقادر أن يُنقذ النفس من حالة الموت فيزرع الزرع الجيد كابن الإنسان (عدد 37)، وبها يُحيي الموتى كابن الله. انظر(يوحنا 21:5-26) «لأجل هذا أُظهر ابن الله لكي يَنقض أعمال إبليس» (يوحنا الأولى 8:3). فإنه مما يتميز به بسب بنوته الإلهية الأزلية أنه يقدر أن يُحيي الموتى لا جسديًا فقط بل روحيًا أيضًا ولا يمكن لغيره أن يفعل ذلك. فقد قال «أنا هو القيامة والحياة» (يوحنا 25:11). ولذلك بكلمته خرج لعازر من قبره (يوحنا 43:11، 44). وكما أن له القدرة والسلطان لإقامة الأجساد له نفس القدرة لإحياء النفوس أيضًا. وبكلمته يُجري العَمَلين. ولكن إبليس يضاد الكلمة بقدر ما يمكنه. وفي المزروع على الطريق يُقال أن الطيور كناية عن إبليس.

أما الحالة الثانية فتبدو لأول وهلة أنها أحسن من الأولى. ولكنها في حقيقتها مُهلكة كالأولى تمامًا. فإن قبول الكلمة دون أن يكون لها أصل في النفس لا ينفع شيئًا. صحيح أن الزرع نَبت حالاً ولكنه أيضًا جَف حالاً. والسبب أنه لم يكن له عمل حقيقي «لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ، ومُميزة أفكار القلب ونياته. وليست خليقة غير ظاهرة قدامه، بل كل شيء عريان ومكشوف لعيني ذلك الذي معه أمرنا» (عبرانيين 12:4، 13). هذه هي صفة كلمة الله إن كانت مصحوبة بقوة الله. فإنها بفعلها في ضمير الإنسان تفحص له حالته وتكشفها له كما هي في حقيقتها أمام الله حتى يستطيع أن يقول النبي «قد جعلت آثامنا أمامك وخفياتنا في ضوء وجهك» (مزمور 8:90)، وكالمرأة السامرية «هلموا انظروا إنسانًا قال لي كل ما فعلت» (يوحنا 29:4).

فالمُعَبر عنه بالمزروع على الأماكن المُحجرة يقبل الكلمة بفرح، ولكن فرحه إنما هو من احساساته الطبيعية التي لا يوجد فيها شيء صالح لله. وكثيرًا ما رأينا أُناسًا يسرون جدًا بسماعهم بعض الحقائق كلمة الله، ويظهرون محبة شديدة للذي بلغهم إياها. ولكنهم سرعان ما تركوها عندما حدث ضيق أو اضطهاد بسببها. وفي حقيقة الأمر، الطبيعة كالحجر ولا تقدر أن تقبل ما لروح الله. ومما يهمنا ملاحظته هنا أن هذه الطبيعة الحجرية لا تزال موجودة فينا وأن كنا مؤمنين حقيقيين لا شك أنها تتغلب غلبة تامة على جانب كبير ممن يسمعون الكلمة وتمنعهم عن قبول الحياة. ولكنها إذ لا تزال فينا بعد حصولنا على الحياة تجعلنا بسببها في جهاد داخلي «لأن الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد. وهذان يقاوم أحدهما الآخر» (غلاطية 17:5)

ومن ثم ينبغي أن نُميت أعمال الجسد أو نقهر هذه الطبيعة الصلبة. ولكن قوتنا الوحيدة لذلك هي الروح القدس «ولكن إن كنتم بالروح تُميتون أعمال الجسد فستحيون» (رومية 13:8) لذلك فالمسيحيون الذين يُهملون وسائط النعمة يحزنون الروح القدس بسلوك لا يُطابق كلمة الله فينحطون روحيًا، ولا يظهر فيهم ثمر الروح، ولا يمكنهم أن يتلذذوا بمعاشرة الروحيين لسوء حالة ضمائرهم التي توبخهم على الدوام. ونقدر إن كل مَن آمن بالمسيح إيمانًا قلبيًا واعترف به اعترافًا علنيًا له الدرجة المبدئية من الثمر أي ثلاثون من حيث أن فيه حياة ابن الله، وقد أقرَّ به قدام الناس. وهذا أقل ما يمكن أن يوجد من الأثمار، لأننا لا نقدر أن نتصور مسيحيًا حقيقيًا ليس فيه ذلك . وأما النمو في الحياة الروحية فيتوقف على نُكران الذات وقهر الطبيعة الحجرية فينا. فمن فَعل ذلك ينمو ويأتي بثمر أكثر أي بستين. وهذه الملاحظات قد اتضح أن قبول كلمة الله حالاً بفرح ليسمن العلامات الحسنة، وإذا اعتمدنا عليه لا يلبث أن يخيب انتظارنا، لأن الجسد لا ينفع شيئًا في أمور الله.

والحالة الثالثة المُعَبر عنها بالمزروع على الشوك تُفيدُنا كمؤمنين إذا قابلناها مع شهادات أخرى في شأن هذا الموضوع، فالقوة المانعة مذكورة وهي «هَمِّ هذا العالم وغرور الغنى» قابل قول مرقس «وهموم هذا العالم وغرور الغنى وشهوات سائر الأشياء تدخل وتخنق الكلمة فتصير بلا ثمر» (مرقس 19:4) فالمانع هنا ليس هو إبليس في صفته كخصم المسيح، ولا الطبيعة البشرية القاسية، بل العالم أو هذا النظام الذي ظهر بعد ابتعاد الإنسان عن الله، والذي هو المشهد الفاسد لشهواته. والعالم ومحبته مذكوران في الكتاب بالمباينة مع الآب ومحبته «لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم. إن أحب أحد العالم فليست فيه محبة الآب. لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتَعظم المعيشة، ليس من الآب بل من العالم. والعالم يمضي وشهوته. وأما الذي يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد» (يوحنا الأولى 15:2-17). فتوجد مضادة تامة بين الآب والعالم. ولما حضر ابنه الوحيد ابغضه العالم، وبذلك أظهر أنه ليس من الآب (يوحنا 37:8-42). وهكذا أيضًا حالة أولاد الله جميعًا. فإنهم ليسوا من العالم كما أن المسيح ليس من العالم فلذلك يُبغضهم العالم (يوحنا 18:15). ولا يُخفى أن إنجيل يوحنا يوضح على نوع خاص مقاومة العالم للمسيح بسب نسبته لله كالابن الوحيد. ومن ثم ختم خدمته في العالم بقوله «أيها الآب البار، إن العالم لم يعرفك أما أنا فعرفتك وهؤلاء عرفوا أنك أنتَ أرسلتني. وعرفتهم اسمك وسأعرفهم، ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به، وأكون أنا فيهم» (يوحنا 25:17، 26) فليس العالم شريرًا في ذاته فقط، بل مضاد للآب أيضًا. لذلك «بذل» ربنا يسوع المسيح «نفسه لأجل خطايانا لينقذنا من العالم الحاضر الشرير حسب إرادة الله وأبينا» (غلاطية 4:1). ومن ثم ينبغي لنا أن نتحقق من نسبتنا لله كبنين لكي نغلب العالم غلبة روحية ونأتي بثمر كثير «بهذا يتمجد أبي أن تأتوا بثمر كثير فتكونون تلاميذي» (يوحنا 8:15). ولكن المؤمن المتكاسل لا يعرف بنوته لله ولا مقامه الخاص أمام الله كمن ليس هو من العالم لذلك لا يزال العالم يتسلط عليه ويمنعه عن الإتيان بالثمر الكثير الذي يتمجد به الآب. قابل التجربة الأولى التي بها جَرب إبليس الإنسان وأسقطه (تكوين 6:3) ومع وصف العالم في (يوحنا الأولى 16:2) نرى أنه كما أبعد إبليس الإنسان عن الله بما بدا أنه جيد للأكل وشهي للنظر، هكذا هو الآن يتسلط على الجميع بنفس الأشياء التي يشتهونها وإن كنا من الذين انتبهوا إلى شدة ميل قلوبهم إلى الأشياء العالمية فأننا قد تحققنا أنها التي من أعظم الموانع لإظهار الثمر الجيد فينا، لأننا مَجبولين على حب الذات الذي له صور كثيرة. ولا نتخلص منه إلا بالسهر والصلاة. فأننا لا نقدر أن نُميت أعمال الجسد إلا بالروح القدس (رومية 13:8). ولا نقدر أن نتصرف كبنين لله إن لم نتحقق بنوتنا لله ومقامنا الحقيقي أمامه. وإن كنا مقصرين عن معرفة نسبنا المختلفة لكل من أقانيم الثالوث الأقدس يتعطل أثمارنا أيضًا. فإن إبليس والجسد والعالم هم أعداؤنا، ولا عون لنا ضدهم إلا من الآب والابن والروح القدس.

الزرع الجيد والزوان (عدد 24-30)

«قدم لهم مَثلاً آخر قائلاً. يشبه ملكوت السماوات إنسانًا زرع زرعًا جيدًا في حقله وفيما الناس نيام جاء عدوه وزرع زوانًا في وسط الحنطة ومضى» (عدد 24،25)

لا يقال عن مثل الزارع أنه تشبيه للملكوت. لأنه إنما يُظهر ما نتج عن زرع الكلمة في قلوب الناس، والموانع الكبرى التي تمنع الكثيرين عن الإثمار. وأما الستة الأمثال التي تليه فهي تشبيهات للملكوت أثناء غياب المَلك، توضح هيئاته السرية وصفاته المختلطة إلى أن يحضر ابن الإنسان لينقيه بإجراء القضاء. ولا يُقال في المثل الأول أن المسيح هو الزارع، مع أننا نعرف أنه زَرع ويُزرع ولكن الكلام في ذلك المثل مطلق ويصدق على الزرع بواسطة أي شخص في وقت، من بدء العمل على يد المسيح إلى مجيئه ثانية. وأما في مَثل الزوان هذا فيُقال في تفسيره أن الزارع الزرع الجيد في حقله «هو ابن الإنسان» (عدد 37). فإن النظرة هنا إنما هي إلى ما عمله المسيح وحده من هذا القبيل، من حيث أنه قد حضر إلى العالم وزرع زرعه الجيد، ثم تركه إلى حين.

«وفيما الناس نيام جاء عدوه» النوم عبارة عن ضعف الناس وغفلتهم ولا يقول هنا أهم ملومون في نومهم أم لا. لأنه إنما يذكر حقيقة ما جرى. لكن كان لابن الإنسان عدو اغتنم فرصة نوم الناس ليعمل ضررًا لحقله.

«وزرع زوانًا في وسط الحنطة ومضى» الزوان نبات شبيه بالحنطة في شكله وعكسها في ثمره. فهو كناية عن «رُسل كَذبة» و«مُعلمين كذبة» و«أخوة كَذبة» و«تعاليم كاذبة» والغرض منه إيجاد صورة زائفة لعمل الله لمقاومته ومحاولة تعطيله.

«فلما طلع النبات في وصنع ثمرًا حينئذ ظهر الزوان أيضًا. فجاء عبيد رب البيت وقالوا له يا سيد أليس زرعًا جيدًا زرعت في حقلك؟ فمن أين له الزوان؟ فقال لهم. إنسان عدو فعل هذا. فقال له العبيد أتُريد أن نذهب ونجمعه؟ » (عدد 26-28)

كان لابن الإنسان أثناء غيابه عبيد ليعتنوا بزرعه. ولا يُقال عنهم هنا أنه كان من واجبهم أن يزرعوا، بل كان مطلوبًا منهم فقط، بحسب صورة المَثل، أن ينتظروا ثمرًا ما كان سيدهم قد زرع، فتعجبوا حين ظهر الزوان، ولم يعرفوا من أين هو؟ فطلبوا منه إذنًا ليجمعوا منه الزوان. فالمشار إليهم هنا عبيد أُمناء يُريدون خير حقل سيدهم. ولا توجد هنا إشارة إلى ما كان حاصلاً فعلاً من وجود عبيد آخرين غير أُمناء كانوا آلات في يد العدو لزرع الزوان.

«فقال لا. لئلا تقلعوا الحنطة مع الزوان وأنتم تجمعونه. دعوهما ينميان كلاهما معًا إلى الحصاد. وفي وقت الحصاد أقول للحَصادين اجمعوا أولاً الزوان واحزموه حزمًا ليُحرق. وأما الحنطة فاجمعوها إلى مخزني» (عدد 29، 30)

يجب أن نلاحظ جيدًا أن هذه الأمثال نبوات تاريخية لأنها تعطينا مقدمًا مختصر تاريخ الملكوت في العالم. ويُنظر في هذا المَثل إلى عمل المسيح الشخصي في البداءة، ثم إلى عمل عدوه الذي قصد أن يُفسد المحصول، وأخيرًا إلى إجراء القضاء عند المنتهى. وواضح من المَثل كل الوضوح أن إصلاح الملكوت بيد العبيد غير ممكن مهما كانوا غيورين وطالبين مجد سيدهم، وهو خارج دائرة اختصاصهم. فقلع الزوان لا يمكن في الوقت الحاضر. صحيح أن الحقل لا يزال منسوبًا للرب. وسوء حاله يُحسب نوعًا من الإهانة له كما لو يكون حقل أحد الكسالى انظر(أمثال 30:24، 31) على إجراء القضاء على الزوان في وقته سيمجده في تنقية حقله، وسيبرره في طول أناته.

قد ظن البعض أن هذا المَثل يُعلمنا أن إجراء التأديبات الكنسية ليس ممكنًا، وأنه يجب أن نتغاضى عن الزوان تاركين إياه للرب ليدينه. ولكن هذا الظن خطأ مبين. لأن الحنطة والزوان متروكان لينميا معًا في الحقل «والحقل هو العالم» (عدد 38) وليس الكنيسة. ولا توجد هنا أية إشارة إلى الكنيسة، ولا إلى ما يجب علينا اتخاذه من الإجراءات لتنقيتها. لكن في الرسائل ورد لنا تعليم كثير عن هذا الموضوع المهم. لا شك أن نظم الطوائف المسيحية قد انحطت وصارت عالمية. ولا يمكن لقادتها أن يُصلحوها حتى ولو غاروا لمجد الله وحاولوا أن يفعلوا ذلك. لأن الزوان قد تمكن فيها تمامًا وصارت له فيها المكانة الملحوظة والكلمة المسموعة. عدا ذلك أقول، أن التأديبات هي للحنطة لا للزوان. والقصد منها هو إصلاحها لا اقتلاعها. انظر ما جرى في كنيسة كورنثوس مثلاً (كورنثوس الأولى 5) وشهادات أخرى عن هذا العمل أما من جهة الزوان فنحن تبعًا لقول الرب ليس لنا أن نقلعه من العالم. وهذا لا سلطان لنا عليه، ولا نُريده كما لا يُريده لنا الرب. ولكن الاعتناء بطهارة مائدة الرب وشركة المؤمنين هو من واجباتنا الحتمية الدائمة والغير المتغيرة، مهما كانت أحوال العالم. إذن، فليس لهذا المَثل دخل بموضوع التأديبات الكنسية.

مثل حبة الخردل (ع31-33)

«قدم لهم مَثلاً آخر قائلاً: يُشبه ملكوت السماوات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله. وهي أصغر جميع البزور. ولكن متى نمت فهي أكبر البقول. وتصير شجرة حتى أن طيور السماء تأتي وتتآوى في أغصانها» (عدد 31، 32). يجب أن نتذكر أن هذا المَثل نبوة تاريخية. فهو يُشير مقدمًا إلى نمو الديانة المسيحية في العالم على وجه الإطلاق، لا إلى نمو نعمة الله في المؤمن بمفرده. فحبة الخردل عبارة عن بداءة الملكوت الصغيرة المباينة هي بين صغر الحبة المذكورة عندما تُزرع وبين كبرها عندما تنمو. ومن المعلوم أن هذا النبات يصير «شجرة» في أرض فلسطين كما قيل هنا، حتى أنه يمكن للطيور أن تتآوى فيها فقط بل وللناس

أيضًا أن يصعدوا عليها. ولا يقول الرب أهي جيدة ونافعة أم لا. فإنه إنما يقصد هنا التعبير عن نمو الملكوت في العالم من أصغر بداءة إلى أن صار نظامًا عظيمًا. غير أننا نعرف من مواضع أخرى من الكتاب أن الشجرة الكبيرة تشبيه لنظام عالمي. انظر (دانيال 4؛ حزقيال 17، 31) وإن كنا نعبر عن ملك أو مملكة عالمية بشجرة عظمية لا يكون كلامنا على سبيل الإهانة البتة لأنه من الأمور المناسبة أن ممالك العالم تتسلط على الناس وتظللهم وتحميهم بحسب ما جاء في الشواهد السالفة عن فرعون ونبوخذ نصر. ولكن كل إنسان روحي يدرك حالاً إن تشبيهًا كهذا لا يدل على شيء روحي إذا أطلق على ما يتعلق بالمسيحية وقت غياب المسيح لأنه يناسب أتباعه أن يكونوا من عظماء الأرض فأنه قد وصفهم بأنهم قطيع صغير (لوقا 12:32)، وبأنهم محتقرون من العالم إلى أن يحضر المسيح ليُملكهم معه.

وعدا ذلك نستنتج مما تقدم في هذا الإصحاح نفسه أن ملكوته يكون على حالة الاختلاط والتشويش، وأن النوع الجيد فيه يكون أقل من الرديء إذ واضح أنه من أربعة أجزاء الأرض المزروعة لا يأتي بثمر سوى جزء واحد فقط، وأن العدو أيضًا يتمكن من زرع الزوان ليفسد المحصول. فإذن تشبيه الملكوت بشجرة كبيرة لا يعني حالة الجودة في نظر الإنسان الروحي الفاهم لأقوال الرب. وأما المسيحي العالمي فيسر بذلك التشبيه، ويُحاول أن يثبت به نظامه العالمي، ويطنطن برجائه في العالم أجمع سيخضع للمسيح ويكون له بواسطة المناداة بالإنجيل.

مَثل الخميرة (عدد 33)

«قال لهم مثلاً آخر. يشبه ملكوت السماوات خميرة أخذتها امرأة، وخبأتها في ثلاثة أكيال دقيق حتى اختمر الجميع» (عدد 33)

الخميرة وعملها عبارة عن الملكوت من حيث حالته الداخلية، كما أن حبة الخردل تشير إليه من حيث حالته الخارجية كنظام عالمي ظاهر للجميع، لا بل ويتسلط على الجميع.

من خواص الخميرة أن تفعل في العجين وتغيره على حالته الأصلية وتجعله شبيهًا بها أي مختمرًا. لا يقول الرب هنا عن الخميرة وعملها أهما جيدان أم لا. غير أننا نعرف من مواضع أخرى في الكتاب أن الخميرة لا تستعمل بالمرة للتعبير عن شيء جيد. فقديمًا في أيام فطير الفصح السبعة حرَّم وجودها وأكلها. وهدد آكلها بقضاء الموت (خروج 15:12، 19). وقيل أيضًا «لا تذبح على خمير دم ذبيحتي» (خروج 25:34) و«كل التقدمات التي تقربونها للرب لا تصطنع خميرًا.. كل خمير.. لا توقدوا.. وقودًا للرب» (لاويين 11:2). وهي في هذا كله إشارة إلى الشر في التعليم وفي الأعمال. فقد قيل «حينئذ فهموا أنه لم يقل أنه يتحرزوا من خمير الخبز بل من تعليم الفريسيين والصدوقيين» (إصحاح 12:16قابل مرقس 15:8) وأيضًا «من خمير الفريسيين الذي هو الرياء» (لوقا 1:12) «إذًا نقوا منكم الخميرة العتيقة لكي تكونوا عجينًا جديدًا.. إذًا لنعيد ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة الشر والخبث بل بفطير الإخلاص والحق» (كورنثوس الأولى 6:5-8). «فمن صدكم حتى لا تطاوعوا للحق؟ … خميرة صغيرة تخمر العجين كله» (غلاطية 6:5). فمن اعتاد أن يفكر في الأمور بحسب أقوال الوحي لا يقدر أن يتصور أن الخميرة كناية عن شيء جيد ومرضٍ لله. وقرائن المثل نفسه تؤيد هذا فضلاً عن الشهادات العديدة التي أشرنا إليها.

«أخذتها امرأة» أني لا أرى أهمية في التعليق على بالمرأة، ولكن إذا أُخذت معنويًا تدل على الوسائط البشرية الضعيفة التي يمكن للعدو أن يستخدمها لإدخال التعليم الفاسد المُفسد المكني عنه بالخميرة.

«خبأتها» أو كما يقول الرسول «يدّسون بدع هلاك» (بطرس الثانية 1:2). «في ثلاثة أكيال دقيق» إن وضع الخميرة في الدقيق معناه دّس بدع الهلاك وإفساد التعليم المسيحي الصحيح الصافي عند الجانب الأكبر من المسيحيين بالاسم «لان سر الإثم الآن يعمل فقط» (تسالونيكي الثانية 7:2) أي أن الإثم التعليمي والعملي يعمل الآن في الخفاء داخل المسيحية الاسمية عمل الخميرة في العجين لتخميره. وفسر الرسول هذه الحالة بالقول «لهم صورة التقوى ولكنهم منكرون قوتها» (تيموثاوس الثانية 5:3). «حتى اختمر الجميع» هذا لا يكون الآن بل بعد اختطاف الكنيسة كما يقول الرسول «إلى أن يرفع من الوسط الذي يحجز الآن وحينئذ سَيُستعلن الأثيم».

«هذا كله كلم به يسوع الجموع بأمثال. وبدون مثل لم يكن يكلمهم. لكي يتم ما قيل بالنبي القائل سأفتح بأمثال فمي وأنطُق بمكتومات منذ تأسيس العالم» (عدد 34، 35).

قد سبق الوحي وذكر أن الرب كان يكلم الجموع بأمثال (عدد 10-15) قصاصًا لهم على غلاظة قلوبهم. وهنا يذكر أيضًا أنه لم يكن يكلمهم إلا بأمثال، ولكن طبقًا لِمَا قاله آساف النبي «اصغ، يا شعبي، أميلوا آذانكم إلى كلام فمي. افتح بمثل فمي. أذيع ألغازًا منذ أن فداهم من مصر ويكشف عما انطوت عليه المعاني الروحية والمقاصد الإلهية ويستخرج منها فوائد جزيلة لهم ولأولادهم في الأزمنة العتيدة. وكما كان آساف نبيًا ومعلمًا إسرائيل في وقته هكذا المسيح أيضًا في وقته كان نبيًا ومعلمًا لهم فكان يكشف لهم مكنونات منذ تأسيس العالم على منوال الأمثال. وقد قلت سابقًا أن المثل نوع من الكلام يعبّر به المُتكلم عن حقائق بسيطة في ذاتها بتشبيهات من شأنها أن تُخفي المعنى عن البعض وتوضحه للبعض الآخر طبقًا لحالتهم الروحية. وبذلك أظهر يسوع حكمة كاملة إذ اتضح أنه لا يعرف الحق فقط بل وأحوال السامعين أيضًا، ويكلمهم حسبما يناسب كلاً منهم. ويشهد الاقتباس نفسه بهذه الحكمة التي كانت للمسيح.

«وأنطق بمكتومات منذ تأسيس العالم» عبارة عن مقاصد الله من جهة إقامة ملكوته على الأرض. ولا يُخفى أنه شرع يتكلم عن الملكوت من وقت أن سقط آدم، الإنسان الأول، وفقد رياسته التي كان الله كالخالق الحكيم قد أسندها إليه، إذ قال أن نسل المرأة يسحق رأس الحية (تكوين 15:3). وأشار بذلك إلى غلبة المسيح التامة على إبليس. ثم على التوالي الأيام أعطى إشارات وتلميحات أخرى إلى إقامة ملكوت واسع الحدود ومطلق السلطان (مزمور 2، 72؛ إشعياء 2، 11)، إلى أن أقام عبده داود ملكًا على مملكة على مملكة إسرائيل. ولكن داود لم يقدر أن يدبر ملكوتًا كهذا. فأنه أظهر ضعفه قبل أن امتلك زمام السياسة على الأسباط جميعًا وأقرَّ بذلك وأخذ يمد نظره بالإيمان إلى الوقت الموعود به حين يتسلط على الناس بارٌ بخوف الله ويأتي ملكه المجيد براحة وبركة لهذا العالم المُظلم المظلم المضطرب «كنور الصباح إذا أشرقت الشمس، كعشب من الأرض في الصباح صحو مُضيء غب المطر» (انظر صموئيل الثاني 1:23-7؛ مزمور 72) وكان آساف النبي مُعاصرًا لداود وأدرك بالوحي هذه الحقائق نفسها ونبَّه إسرائيل إلى خيانتهم وسقطاتهم العديدة في الماضي. وذَكرهم بجودة إلههم وأمانته وصدقه وختم تَعليمه الموجود في (مزمور 78) بِذكره مقاصد الله بحسب الاختيار إذ أنه قد اختار سبط يهوذا لأجل التسلط، واختار جبل صهيون الذي أحبه ليكون مركز كرسيه، واختار داود عبده ليُمارس هذه السلطة ويَرعى شعبه حسب كمال قلبه ويُهديهم بمهارة يديه. وأما كل ما قيل عن داود بخصوص المُلك فلا يتم إلا في المستقبل في ابنه العظيم المجيد يسوع المسيح «الذي صار من نسل داود من جهة الجسد وتعين ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات» (رومية 3:1، 4). فها هو قد وقف في وسط إسرائيل شعبه وكان راعيًا اكثر عطفًا من داود ونبيًا ومُعلمًا ينطق بأقوال أعظم وأحلى مما نطق به آساف بما لا يُقاس.

ولنلاحظ أنه عندما يكون الكلام في شأن الملكوت يُقال أنه يعلن ما كان مكتومًا منذ تأسيس العالم (قابل أيضًا إصحاح 34:25) وأما من جهة الكنيسة فَيُصرح الوحي أنها كانت مختارة في المسيح قبل تأسيس العالم (انظر أفسس 4:1، 3، 9) وسرها كان مكتومًا في الأزل (رومية 25:16) لأن الملكوت يتعلق بطرق الله ومعاملاته للبشر في الزمان ولكن الكنيسة تتعلق بمجده الخاص في المسيح يسوع. فاختارها فيه منذ الأزل ودعاها بدعوة سماوية وجعلها متحدة مع رأسها وهو مرفوض من الأرض وجالس في السماء يَظهر بواسطتها حكمته المتنوعة للرؤساء والسلاطين في السماويات إلى جميع أجيال دهر الدهور (أفسس 10:3، 21) فتصرف الله في الملكوت إنما لكي يتمجد اسمه في الأرض أما معاملته للكنيسة فالغرض منها أن يتمجد بها إلى أبد الآبدين أمام الرؤساء والسلاطين في السماويات. فلا حاجة لي أن أقول أن كلاً من الملكوت والكنيسة هو من الله وجميل جدًا في مقامه ووقته.

تفسير مَثل الزوان (عدد 36-43؛ مرقس33:4، 34)

كان الرب قد فسر مَثل الزارع في مسمع الجموع لأنه لا يحتوي شيئًا من أسرار الملكوت بل يطلق على عمل جارٍ ظاهر للجميع هو المناداة بكلمته وما ينتج منها. وأما الستة الأمثال الأخرى فتختص بأسرار الملكوت ومن أراد أن يفهمها فعليه أن يقترب إلى يسوع، ويدخل معه إلى البيت، ويطلب منه التعليم. وأما من حاول أن يفهمها بعقله، وقلبه مبتعد عن الرب كما كان حال شعبه إسرائيل وقتئذ فإنما يضل في ظُلمات ذهنه الباطل ويبرهن على عدم نفع أفكار البشر في أمور الله.

«فأجاب وقال لهم. الزارع الزرع الجيد هو ابن الإنسان. والحقل هو العالم والزرع الجيد هو بنو الملكوت. والزوان هو بنو الشرير. والعدو الذي زرعه هو إبليس. والحصاد هو إنقضاء هذا العالم. والحصادون هم الملائكة فكما يُجمع الزوان ويُحرق بالنار هكذا يكون في إنقضاء هذا العالم يرسل ابن الإنسان ملائكته فيُجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلي الإثم ويطرحونهم في أتون النار هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. حينئذ يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم. من له أذنان للسمع فليسمع» (عدد 37-43)

«الزارع الزرع هو ابن الإنسان» يجب أن نلاحظ ألقاب المسيح المختلفة وكيف يستعملها الوحي. فلقبه كابن الإنسان يختلف عن لقبه كابن داود ابن إبراهيم من حيث أنه أوسع منه معنى. ويُطلق عليه كنسل المرأة أو كمن تَجسد وصار إنسانًا. ولكن لعظم مجده الشخصي المُلازم له بالضرورة حتى بعد أن صار إنسانًا فله سلطان على كل جسد (يوحنا 2:17) ورئاسة على كل خليقة الله (كولوسي 15:1-17) ولكنه أيضًا الملك وصاحب الحق وحده في الجلوس على كرسي داود. وكان يُلقب نفسه «ابن الإنسان» لما كان على الأرض بسبب رفضه كابن داود من خاصته. كان ابن الإنسان ولا يزال هكذا وطبقًا لهذه الصفة يزرع الزرع الجيد (عدد 37) ثم يُجري الدينونة. قابل قوله «وأعطاه سلطانًا أن يَدين أيضًا لأنه ابن الإنسان» (يوحنا 27:5) مع قوله هنا «يرسل ابن الإنسان ملائكته الخ». وعند ظهوره المجيد سيظهر مع سَحاب السماء كابن الإنسان (انظر دانيال 13:7، 14) وشهادات أخرى على هذا الموضوع.

«والحقل هو العالم» اللفظة الأصلية المترجمة بالعالم هنا تعني النظام العالمي أو البشر. وهو موضوع الزرع كما أنه أيضًا الأشخاص الذين يزرع فيهم.

«والزرع الجيد هو بنو الملكوت» فلنلاحظ أن الزرع يُطلق على الكلمة (عدد 19) وهنا أيضًا يُطلق على الذين يقبلونها حق القبول. كما تُطلق لفظة الحنطة على الحبوب المزروعة في الأرض وعلى النبات الذي يطلع منها. لأننا نقول عن كل منهما أنه حنطة فالذين قبلوا كلمة الملكوت صاروا هم بني الملكوت.

«والزوان هو بنو الشرير» ولفظة الزوان أيضًا تعني أشخاصًا وتعاليم فاسدة قد فعلت فيهم وجعلتهم في حالة خاصة. ينبغي أن نلاحظ جيدًا أن المُعَبر عنهم بالزوان هو أُناس قد تظاهروا بالخضوع للمسيح وهو مرتفع إلى السماوات ولكنهم في الحقيقة أبناء إبليس الذي يبذل قَصاري جهده لتزييف المسيحية. فإنه لما لم يقدر أن ينزع إيمان المسيح من الأرض بالاضطهادات العنيفة التي أثارها على جميع المعترفين بهذا الاسم كالذي عمله على يد شاول الطرسوسي مثلاً شَرع عملاً جديدًا إذ حاول إفساد التعاليم الصافية بإدخال أخوة بين المؤمنين (انظر بطرس الثانية 2؛ رسالة يهوذا) وشهادات أخرى كثيرة جدًا توضح جميعها عمل إبليس كزارع الزوان أو التعاليم الكاذبة الشبيهة بتعاليم المسيح. وأما ما نتج منها فهو مسيحيون بالاسم. قيل في المَثل «وفيما الناس نيام جاء عدوه وزرع زوانًا في وسط الحنطة ومضى» فإنه ينظر إلى العمل الذي عمله إبليس في الأول عندما أخذ يُقلد عمل المسيح. لا شك أن التعاليم الفاسدة وأهلها المعبر عن كل منهما بالزوان لا يَزالون موجودين. ولكن المَثل إنما ينظر إلى العمل الأصلي ويربطه مع الدينونة في وقت الحصاد وبالحقيقة هذه الأمثال التي تُعطينا تاريخ الملكوت بالاختصار مدة غياب الرب لا تفرض مُضي زمان طويل. فإن مُثل الزوان بحسب صورة كلامه إنما يفرض وقتًا يكفي لموسم واحد. وهذا ما يؤيد القول بأن القصد من هذه الأمثال هو تاريخ الملكوت على وجه الإطلاق، لا إيضاح عمل نعمة الله في قلب المؤمن.

«والحصاد هو إنقضاء العالم» اللفظة المترجمة العالم تعني الدهر أو مدة من الزمان (إصحاح 3:24) والحصاد عبارة عن إجراء الدينونة على الأحياء (انظر هوشع 11:6؛ يؤئيل 13:3؛ رؤيا 15:14) ولفظة بيدر أيضًا ترافق الحصاد وقد وردت كثيرًا بمعنى الدينونة (انظر إشعياء 10:21؛ إرميا 33:51؛ ميخا 12:4؛ ومَتَّى12:3)

«والحصادون هم الملائكة» وهذا أيضًا مما يؤيد القول بأن كلام هذا المَثل يدل على دينونة الأحياء لا دينونة الأموات. فإن الله يستخدم الملائكة في إجراء دينونات على سكان الأرض. وأما دينونة الأموات أمام عرش العظيم الأبيض فلا تُجرى إلا عن يد ابن الإنسان رأسًا. ولا يدخل فيها لا الملائكة ولا القديسين.

«فكما يُجمع الزوان ويُحرق بالنار هكذا يكون في انقضاء هذا العالم يرسل ابن الإنسان ملائكته فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلي الإثم ويطرحونهم في أتون النار. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان» (قابل لوقا 26:17-37). في الدهر الحاضر، الزوان والحنطة ينميان معًا ولكن عند إنقضاء هذا الدهر يرسل ابن الإنسان ملائكته. ولنلاحظ القول «ملائكته» فإنه دليل مباشر على لاهوته. أنه ابن الإنسان وابن الله أيضًا الذي الملائكة ملائكته ويأتمِرون بأمره. له كل المجد.

ثم لنلاحظ أن حالة الاختلاط ستكون موجودة في الملكوت إلى إنقضاء الدهر، حين يجمع الملائكة منه جميع المعاثر وفاعلي الإثم. هذا هو وقت فصل الزوان المُعَبر عنه بجمعه حزمًا وطرحه في أتون النار «حينئذ يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم» ولنلاحظ دقة التعبير «حينئذ يضيء الأبرار» وليس «حينئذ يُخطفون». فإن هذا سيكون دهرًا جديدًا بعد «إنقضاء الدهر» الأول، وهذا الدهر الجديد هو المُعَبر عنه «بالدهر الآتي»، وفيه لا يكون اختلاط بين الأبرار والأشرار لأن جَمع الأشرار للدينونة كان ختام الدهر الأول لكي يبارك الأبرار في الدهر العتيد.

وهكذا نجد هنا الدائرة العليا المُسماة «ملكوت الآب»، والدائرة الأرضية «ملكوت ابن الإنسان»، وكلاهما «ملكوت الله». يا لهمن مشروع مجيد! ألا يحلو لنا أن نعرف أن نفس مشهد الخراب والتشويش هذا سَيُعتق؟ وأن الله سيصل إلى سرور قلبه، لا بأن يملأ السماء من مجده فقط، بل يُكرم أيضًا ابن الإنسان في نفس المكان الذي فيه رُفض وأُهين؟

«من له أُذُنان للسمع فليسمع» يختم الرب تفسيره هذا بهذه الكلمات المهمة. فإن المَثل وتفسيره لا يُدرَكان إلا عند الذي له التمييز الروحي، وهو الذي له «أُذُنَان للسمع». ويكون مِثل هذا ملتزمًا أن يصغي كما قيل «فليسمع». إن الشخص المُتَكاسل العالمي لا يقدر أن يفهم هذه الحقائق المتعلقة بملكوت السماوات. فإنها عنده جهالة لأنه قد أختار نصيبه في نفس العالم المحكوم عليه بضَربات الله. ومحبته للعالم قد جعلت معرفة أقوال الرب من الأمور المستحيلة عليه.

ويجب أن نلاحظ الرب في تفسيره هذا المَثل للتلاميذ يذكر حادثة لم يذكرها المَثل نفسه وهي حرق الزوان. فأنه ختم المَثل بِذكر جمع الزوان وحزمه فقط استعدادًا لحرقه، وجمع الحنطة إلى المخزن. وأما في التفسير فيُضيف خبر حرقه في أتون النار.

ولا يفوتنا أيضًا أن قوله «في إنقضاء هذا العالم» يجب أن يُتَرجم «في منتهى هذا الدهر» لأن هذا هو معنى ألفاظه الأصلية. ويُشير إلى وقت الحوادث المتعلقة بانتهاء الدهر الحاضر استعدادًا لابتداء دهر الملكوت مدة الألف السنة.

مَثل الكنز المخفي (عدد 44)

«أيضًا يشبه ملكوت السماوات كنزًا مخفي في حقل. وجده إنسان. فأخفاه. ومن فَرحه مضى وباع كل ما كان له واشترى ذلك الحقل».

كان المسيح قد صرف الجموع (عدد 36) ودخل البيت مع تلاميذه وفسر لهم مَثل الزوان على انفراد وليس على مَسمع من الجموع. وفي البيت بعد تفسير مَثل الزوان نطق أيضًا بهذه الأمثال التي نحن بصددها الآن.

«كنزًا مخفي في حقل. وجده إنسان» الإنسان في هذا المَثل الأول عبارة عن ابن الإنسان يسوع المسيح نفسه. والحقل هو العالم كما تقدم. والكنز المخفي كناية عن مُختاري الله في صفتهم كأفراد. ومن حيث قيمتهم الثمينة في نظر الله كمعروفين له وماثلين أمامه ومختارين منه في الأزل.

«فأخفاه» لقد رتب الآب أن يكون مقام المؤمن مخفي عن الناس طالما المسيح مُختفِ عنده في السماء ومجده غير ظاهر للعالم. لكن متى أُظهرَ في مجده سيُظهرنا أيضًا معه1 . «لأنكم قد متم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله. متى أظهر المسيح حياتنا فحينئذ تظهرون أنتم أيضًا معه في المجد» (كولوسي 3:3، 4).

إن الكنز المخفي عبارة عن مُختاري الله الموجودين في هذا العالم كان المسيح قد حضر إلى إسرائيل خاصته وطلب منهم ثمرًا ولم يجد. أراد أن يجمعهم ويباركهم ولم يريدوا. فأخذ يزرع الزرع الجيد في جميع الأماكن ليكون له شعب منتسب إليه بواسطة كلمة الله لا يحسب التسلسل من إبراهيم. ولكن العدو حسب الظاهر قد تُمكن من إفساد المحصول. فأننا قد رأينا في مَثل الزارع أن جزءًا واحدًا فقط من الزرع الجيد يأتي بثمر. وفي مَثل الزوان أن الحقل نفسه صار مستعدًا للدينونة. ثم في مَثل حبة الخردل أن نظامًا عالميًا قد انتظم تحت اسم المسيح. وفي مَثل الخميرة أن التعليم الفاسد الذي سرى في المسيحية تحت اسم المسيح قد صار كخميرة وعمل عمله الفاسد في عموم الذين قبلوه. فإذًا، والحالة هذه، ماذا يكون للمسيح؟ وما الذي يحمله على أن يترك كل شيء حتى حياته؟ الجواب لهذا السؤال موجود في هذا المَثل والذي يليه. فإن له شيئًا عزيزًا ثمينًا في وسط هذا التشويش وهذا الخراب. ولابد أن يمتلكه رغمًا عن عمل إبليس ورداءة الناس. فالله أشخاص مُختارين قد نظرهم المسيح في العالم. وقصد أن يقتنيهم مهما كانت الكلفة عليه. كانت للمسيح حقوق وامتيازات متنوعة كابن الإنسان وكابن داود بن إبراهيم حسب الجسد. ولكنه ترك ذلك كله واحتمل العار والإهانة والموت. ثم عاد وأخذ حقوقه هذه وألقابه على هيئة أسمى وأمجد في حالة القيامة من الأموات والارتفاع إلى المجد. فَدُفِعَ إليه كل سلطان في السماء وعلى الأرض. لأنه استحق ذلك نظرًا لإتضاعه وموته (فيلبي 5:2-11) فبما أنه بموته قد اشترى العالم شراءًا حقيقيًا أصبح له في قيامته حق التصرف فيه كما يشاء. فيحتمله الآن بأناته الكثيرة وقصده من ذلك في الوقت الحاضر أن تجمع منه خاصته السماوية للسماء، إلا أنه فيما بعد سيُنقيه بمحراث ضرباته لتجمع منه خاصته الأرضية للأرض.

مَثل اللؤلؤة الواحدة

«أيضًا يُشبه ملكوت السماوات إنسانًا تاجرًا يطب لآلئ حسنة. فلما وجد لؤلؤة واحدة كثيرة الثمن مضى وباع كل ما كان له واشتراها» (عدد 45، 46)

التاجر هنا عبارة عن المسيح نفسه أيضًا. كان قد شبّه نفسه في المَثل السابق بإنسان سلك في طريقه وكأنه بالصدفة وجد كنزًا يطلب لآلئ حسنة. فَلِمثل هذا التاجر سابق خبرة ومعرفة بالأشياء الثمينة وكان قصده قبل أن يخرج من مكانه أن يفتش على ما يناسبه. وبعد التفتيش وجد لؤلؤة واحدة كثيرة الثمن. ففي المَثل الأول نراه كإنسان حاضر في هذا العالم كابن داود بن إبراهيم. ولما رفض من إسرائيل وأصبح حسب الظاهر بلا شيء، نظر كنز مخفي بعناية الله. وأما في الثاني فنراه في الحالة التي كان عليها قبل حضوره إلى العالم. ولما أتى كان يطلب لآلئ حسنة. ولما وجدَ واحدة كثيرة الثمن مضى وباع كل ما كان له واشتراها. ويجب أن نلاحظ أن الحقل ليس له ذكر هنا، لأن القصد الخاص هنا هو تصوير العثور على اللؤلؤة الواحدة وشراؤها.

ولا يُخفى أن هذين المَثلين يعطياننا معاني حلوة جدًا من جهة عمل المسيح الفدائي من حيث أن له وجهين عظيمين هما عموميته للكل وحصر فوائده على كل من يؤمن فقط.

فأولاً- المسيح بذل نفسه فدية لأجل جميع البشر على وجه الإطلاق. (انظر يوحنا 14:3-18؛ 51:6؛ رومية 21:3-26؛ كورنثوس الثانية 18:5-21؛ تيموثاوس الأولى 6:2). وشهادات أخرى كثيرة جدًا تصرح كلها بهذه الحقيقة الثمينة وهي أن عدل الله قد اكتفى كل الاكتفاء بموت المسيح وكل من يأتي إلى الله على يد المسيح يُقبل. فلا يخامرنا أدنى شك أو ريب في ذلك. لأن هذه الحقيقة هي الأساس الراسخ لكرازتنا بالخلاص للجميع. فإن دم الكفارة قد سفك وله في نظر الله بكيفية مستمرة قيمته الثمينة حتى أنه لو تاب جميع الخطاة والتجأوا إليه لأنقذهم من الغضب الآتي. والله نفسه يُسر بخلاصهم لا بهلاكهم (حزقيال 23:18؛ لوقا 41:19-44). هذا هو الشراء بالكفارة ونتائجه. فقد اشترى المسيح بموته حقل العالم وصار واجبًا على كل إنسان أن يسلم نفسه لمن اشتراه. ولكن من ينكر الرب الذي اشتراه يَجلب على نفسه هلاكًا سريعًا (بطرس الثانية 1:2، 2) وعلى أساس هذه الكفارة وجهت الدعوة العامة للكل. انظر مَثل العشاء العظيم في (لوقا 16:14-24).

ثانيًا- الوجه الثاني لعمل الفداء هو النيابة. فإن المسيح كان على الصليب نائبًا عن الذين يؤمنون به محتملاً دينونة خطاياهم «الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة» (بطرس الأولى 24:2).

على أنه يجب علينا في دراستنا لهذه الأمثال أن نبقي في بالنا أن الوحي لا يقصد منها أن يوضح لنا حقيقة الكنيسة وامتيازاتها، كجسد المسيح وعروسه، فإن هذه الحقائق لم تُعلن إلا بعد موت المسيح وارتفاعه إلى المجد وحلول روحه في قديسيه (أعمال الرسل 2)، ولكن بعد أن عرفنا الآن ما هي الكنيسة لا بأس إن قلنا أنها هي اللؤلؤة الواحدة الكثيرة الثمن التي رغب فيها المسيح واشتراها على نوع أخص مما اشترى العالم (انظر يوحنا 2:17؛ يوحنا الأولى 2:2) حيث نرى هذين الوجهين للفداء مجموعين معًا فإن الآب قد أعطى الابن سلطانًا على كل جسد بحسب الوجه الأول، ولكن كان للآب أيضًا قصد أزلي أن الابن يعطي حياة أبدية للذين قد أُعطوا لم من للآب وهذا حسب الوجه الثاني.

المسيح ليس هو الكنز وليس هو اللؤلؤة

قد فسر البعض هذين المثلين تفسيرًا لا يُطابق كلمة الله البتة إذ حسب تفسيرهم، الإنسان في المَثل الأول عبارة عن الخاطئ، والكنز المخفي عبارة عن المسيح. ولكن ليس ذلك بحسب الواقع:

أولاً- لو عبرنا عن المسيح بكنز فليس هو كنزًا مخفي البتة فإنه قد رُفع على الصليب وانتشر خبره في العالم أجمع، والذي يمنع الناس عن أن يجدوه ليس كونه ككنز مخفًي بل عدم إرادتهم أن يقبلوه وهو مرسوم أمام عيونهم مصلوبًا (غلاطية 1:3) وكل من ينادي بالإنجيل يدعو الناس إلى المسيح كمن رُفع على الصليب لكي ينظر إليه الجميع ويخلصون كتلك الحية النحاسية التي رفعها موسى على مرأى من بني إسرائيل جميعًا لشفائهم. وإن كان أحد السامعين لا يخلص فالسبب راجع إليه إذ أنه لا يريد أن ينظر إلى المنظر العجيب الذي وضعه الله أمام عينيه.

ثانيًا- أقول أن الخاطئ الذي يطلب المسيح ليس ملتزمًا أن يبيع كل ماله لكي يمتلكه وإنما يقبله مجانًا. وأيضًا فرحه لا يصير قبل امتلاكه المسيح بل بعد ذلك. (انظر أع27:16-34). وقد قيل عن المَثل الثاني أن التاجر عبارة عن الخاطئ الطالب خلاص نفسه واللؤلؤة الواحدة الكثيرة الثمن عبارة عن المسيح كالمخلص ولكن هذا التفسير لا يطابق أيضًا كلمة الله التي تُعلمنا في مواضع كثيرة جدًا:

أولاً- أن المسيح هو الذي يطلب الخطاة. وإن كان أحد قد انتبه فيكون حينئذ في حالة الخروف الضال الذي طلبه الراعي فلبى النداء، وحين وجده الراعي على هذا النحو وضعه على منكبيه فرحًا ومضى به إلى بيته (لوقا 4:15-7).

ثانيًا- أقول أن الخاطئ إن كان متنبهًا أو غير متنبه فهو بالنسبة للمسيح لا يُشبه تاجرًا يطلب لآلئ حسنة البتة. لأننا لا نقدر أن نعرف قيمة المسيح وجماله إلا بعد أن نتجدد بروح الله. بل وبعد تجديدنا أيضًا نحزن كثيرًا على قساوة قلوبنا وغباوتها إذ أننا لا نُحب فادينا العزيز ولا نُقدره كما يجب. وأما قبل حصولنا على الولادة من فوق فلا نطلب إلا أباطيل هذا العالم. وإن عبرنا عن أنفسنا بتجار فأننا إنما نُتَاجر في الإثم.

مَثل الشبكة (عدد 47-50)

«أيضًا يُشبه ملكوت السماوات شبكة مطروحة في البحر وجَامعة من كل نوع. فلما امتلأت أصعدوها على الشاطئ وجلسوا وجمعوا الجياد إلى أوعية وأما الأردياء فطرحوها خارجًا» (عدد 47، 48).

الشبكة المطروحة في البحر عبارة عن المناداة بالإنجيل في جميع الأماكن وتشبه على نوع ما مثل الزارع المتضمن في أول هذا الإصحاح على أن القصد الخاص بالأول هو إظهار عملية الزرع نفسها والنتائج المختلفة التي تظهر في الناس كل واحد بمفرده. وأما في هذا المَثل فالقصد هو إظهار نتيجة المناداة بكلمة الله مدة غياب المسيح على وجه العموم، وفرز الجياد من بين الأردياء في آخر هذه المدة. فإن لله مقاصد يُكَملها في وقت النعمة هذا سواء كان في المخلصين أو في الهالكين. فسيستمر عمل الصيد إلى الوقت المعين كقوله «فلما امتلأت أصعدوها على الشاطئ» فأقول:

أولاً- بحسب صورة كلام المَثل يفرض أن الذين يطرحون الشبكة يصعدونها أيضًا.

ثانيًا- إن كلاً من العَملين في الجياد والأردياء يُجرى على الشاطئ أي في هذا العالم.

ثالثًا- الصيادون هم خدام الرب البشريون. فالذي يهمهم أكثر من سواه عند نهاية الصيد هو الاعتناء بالجياد. فإن الآن هو وقت إفراغ الشبكة فيجمعون الجياد إلى أوعية، أي يتخذون الوسائط اللازمة لحفظهم. ولا يعملون عملاً ما مع الأردياء إلا أن يخرجوها من الشبكة ويتركوها على الشاطئ. لنلاحظ جيدًا أن الصيادين لا يجرون الدينونة على الأردياء فإن ذلك ليس مفوضًا إليهم وذلك يقابل فيما يمضى أن دينونة الزوان كانت ممنوعة عن العبيد من البشر. فالصيادون لا يهمهم سوى حفظ الجياد في أوعية وهم على الشاطئ. ولا يذكر هنا ما يصير معهم بعد نقلهم من الشاطئ. إلا أننا نعرف مما مضى أنهم هم أنفسهم الحنطة أو بنو الملكوت الذين سيضيئون كالشمس في ملكوت أبيهم، ولكن إيضاح ذلك ليس من أغراض هذا المَثل وكل ما ينبر عليه هو أن خدمة العبيد الأخيرة هنا هي الاعتناء بحفظ الجياد وهم بعد في العالم. كخدمة إرميا لما كانت أحوال شعب الله قد انحطت إلى أدنى درجة وصارت الدينونة مقبلة عليهم فقيل له «لذلك هكذا قال الرب إن رجعت أرجعك فتقف أمامي وإذا أخرجت الثمين من المرذول فمثل فمي تكون» (إرميا 19:15) كان أول واجبات النبي نفسه أن يرجع عن الشرور التي استولت على الشعب فيثبته الرب حتى يصير قدوة للآخرين ثم يفرز الثمين من المرذول كفم الله. تكون خدمة كهذه لخدام المسيح في آخر المدة المتصفة بالنعمة والمناداة بالإنجيل (عدد 48)

«وجلسوا وجمعوا الجياد إلى أوعية وأما الأردياء فطرحوها خارجًا» فجلوسهم يدل على أن العمل يقتضي وقتًا وتدقيقًا. وجمعها إلى أوعية يفيد الحفظ ليس للأبد بل في الوقت الحاضر فقط.

«هكذا يكون في إنقضاء العالم يخرج الملائكة ويفرزون الأشرار من بين الأبرار ويطرحونهم في أتون النار. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان» (عدد 49، 50)

يجب أن نلاحظ أن هذا الكلام ليس تفسيرًا للمَثل بل فائدة ملحقة به ويتعلق بما صار للأردياء بعد أن طُرِحت على الشاطئ.

«انقضاء العالم» هو مُنتهى الدهر كما مضى.

«يخرج الملائكة» إننا نعلم جيدًا أن خدمة عبيد الرب المسيحيين ستنتهي وقت اختطاف الكنيسة. وعند ذلك يبقى الأشرار هنا للدينونة (قابل هذا مع إصحاح1:25-13؛ لوقا 24:13-28؛ تسالونيكي الثانية 10:2-12). وشهادات أخرى كثيرة في شأن اختطاف الكنيسة وما يليه. فخروج الملائكة لإجراء الدينونة على الأردياء يصير بعد اختطاف الكنيسة.

«ويفرزون الأشرار من بين الأبرار» فعملهم بخلاف عمل الصيادين تمامًا الذين كان اهتمامهم تجمع الجياد أو فرز الأبرار من بين الأشرار، أما الملائكة فإنهم يفرزون الأشرار من بين الأبرار. والأبرار هنا هم مختاروا الله من اليهود بعد اختطاف الكنيسة. فهؤلاء هم الذين سيُنقيهم الله بتأديباته ويُبقيهم على الأرض للملكوت. وأما الأشرار فهم الذين لا يختطفهم الرب عند مجيئه، ثم بعد ذلك يُسلمهم لعمل الضلال حتى يُصدقوا الكذب في زمان الوحش والمسيح الكذاب لأنهم لم يُصدقوا الحق بل سُروا بالإثم زمان إظهار النعمة والحق فيُدانون جميعًا (راجع تسالونيكي الثانية 10:2-12).

«ويطرحونهم في أتون النار» فيبيدهم الله بضرباته عن وجه الأرض ويرميهم في جهنم النار. لم يطرحهم الصيادون في أتون النار وإنما تركوهم على الشاطئ ولم يجمعوهم إلى الأوعية. وأما الملائكة فعندما يتقدمون لعملهم فيجمعونهم من الأرض ويطرحونهم إلى موضع العذاب.

الكاتب المُتعلم في ملكوت السماوات (عدد 51، 52)

«قال لهم يسوع أفهمتم هذا كله؟ فقالوا نعم يا سيد. فقال لهم من أجل ذلك كل كاتب مُتعلم في ملكوت السماوات يشبه رجُلاً رب بيت يخرج من كنزه جُددًا وعُتقاء».

«كل كاتب مُتعلم في ملكوت السماوات» أي كل واحد قد أدرك هذه الحقائق المُتضمنة في الأمثال المُتعلقة بالملكوت وأسراره. كان الكتبة عند اليهود هم المُختصون بنسخ التوراة. ومن ثم اشتهروا بمعرفتهم لأقوال الله. وصارت لفظة «كاتب» كناية عن واحد قد درس وفهم كلمة الله.

«يشبه رجلاً رب بيت يخرج من كنزه جُددًا وعُتقاء».

هذه الأمثال تحتوي حقائق جديدة وعتيقة. فإن الملكوت نفسه كان معروفًا سابقًا. وأما الهيئات أو الأحوال التي كان مُزمعًا أن يتخذها بعد رفض المسيح وموته فلم تكن معلومة قبل ذلك. فكان واجبًا على تلاميذ المسيح أن يصغوا كل الإصغاء لأقوال مُعلمهم حتى يمكنهم أن يُفيدوا الآخرين. فيكونون كمن له كنز (أو موضع فيه كنوز) يخرج منه الكنوز الجديدة أو العتيقة بحسب اقتضاء الحاجة. وهذا من الواجبات الدائمة على الذين يقصدون خدمة القديسين. فكيف نُعلمهم تعاليم صافية ونافعة للبنيان إن لم نفهم كلمة الله حق الفهم؟ لا يخفى أن بعضًا من خُدام المسيح قد تغافلوا عن أقواله من الزمان القديم فأصبح الكتاب المُقدس عندهم كسفر مختوم. وفضلاً عن هذا التغافل نرى كثيرين يتهاونون بأقوال الله المُتعلقة بسوء حالة الملكوت في غياب المَلِك وبمجيئه ثانية ليجمع مُختاريه إليه ويُنقي المعاثر وفاعلي الإثم من ملكوته استعدادًا لإظهار مجده للعالم مدة الألف السنة. قد صارت الدينونة على الأبواب وهم لا يدرون بل يُطمئنون أفكار الناس قائلين «سلام وأمان» (انظر تسالونيكي الأولى 3:5) إلى أن يُفاجئهم الهلاك بغتة كالمخاض للحبلى فلا ينجون.

كبرياء مواطنيه التي منعت اقتناعهم

(عدد 53-58؛ مرقس1:6-6)

«ولما أكمل يسوع هذه الأمثال انتقل من هناك. ولما جاء إلى وطنه كان يُعلمهم في مجمعهم حتى بُهتوا وقالوا من أين لهذا هذه الحكمة والقوات. أليس هذا ابن النجار. أليست أمه تُدعى مريم واخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا. أو ليست اخوته جميعهن عندنا. فمن أين لهذا هذه كلها. فكانوا يعثرون به. وأما يسوع فقال لهم ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته. ولم يصنع هناك قوات كثيرة لعدم إيمانهم»

فعبثًا يُضيء النور للأعمى إذ ليس له نظر، أو للبصير الذي لا يُريد أن ينظر. جاء الرب إلى وطنه ولما بُهِتوا من تعليمه وأعمال القوة التي كان يصنعها إثباتًا لتعليمه تحركوا حسدًا وأخذوا يستهينون به بسبب تواضعه فإنه كان قد استحسن بأن يولد في هذا العالم من عائلة إسرائيلية فقيرة. صحيح كان يوسف نفسه مُتصفًا بكونه بارًا (إصحاح 19:1) وكان المسيح له المجد قد تبرهن أنه من الله بالأعمال التي شاهدوها رغمًا عن عدم إيمانهم. ولكن بر يوسف البار لا يحفظ عائلته من إهانة المُتكبرين وأعمال المسيح لا تصونه من تجاديفهم. لأنهم لم يُريدوا لا البر ولا النور السماوي.

«فكانوا يعثرون به» كان رؤساؤهم يأكلون بيوت الأرامل ويُطيلون صلواتهم لعلة ولا نسمع أن الشعب عثروا بذلك ولكنهم عثروا بالمسيح بسبب إتضاعه. الظلمة تُناسب الإنسان أكثر من النور، ومن لا يُريد الحق يرفضه ثم يُبَرَّر نفسه بحجج وهمية.

«ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته» صدق هذا القول على الرب في دائرة أوسع إذ أنه إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله».

«ولم يصنع هناك قوات كثيرة لعدم إيمانهم» وهنا نرى أيضًا أن عدم الإيمان في شعب الله يغلق الباب ضد البركات المُعدَّة لهم وينهي وقت افتقاد النعمة. قيل في إنجيل مرقس «ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة غير أنه وضع يديه على مرضى قليلين فشفاهم. وتعجب من عدم إيمانهم» (مرقس 5:6، 6). فالويل لإسرائيل وللعالم أيضًا لعدم إيمانهم.

نقلاً بالاتفاق مع موقع بيت الله www.baytallah.com

Advertisements

ما الذي يجول بخاطرك بخصوص التدوينة؟

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: