شرح إنجيل متى | الاصحاح الثامن | بنيامين بنكرتن


الإصحاح الثامن

تجواله في الجليل

(ع1؛ إصحاح 23:4؛ مرقس 35:1-39؛ لوقا 42:4-44)

«ولما نزل من الجبل تبعته جموع كثيرة» (عدد 1).

قد وصلنا إلى فصل جديد من حياة المسيح بحسب إنجيل مَتَّى. وكل ما دوَّن قبله هو بمثابة مقدمة له. لأنه إنما أعد الطريق لأن يظهر المسيح نفسه لإسرائيل كملكهم إظهارًا رسميًا لكي يقبلوه أو يرفضوه.

قيل في خاتمة(إصحاح 7) «فلما أكمل يسوع هذه الأقوال». لأنه في هذه الأقوال علم التلاميذ التعاليم الخاصة بمبادئ الملكوت كما سبق ورأينا. وكان هذا استعدادًا لمشاهدتهم الأعمال الآتي ذكرها والتي من شأنها أن تظهره وتبرهنه باعتباره «يهوه».

لا شك أنه مع القيام بالأعمال استمر يعلم أيضًا. ولكننا سنرى أنه بصفة خاصة أخذ من الآن فصاعدًا يجري أعمالاً في وسط إسرائيل على كيفية تؤكد لهم أنه المسيح ابن الله ملكهم حتى لا يكون لهم عذر إذا رفضوه (يوحنا 22:15-25) ولذلك أيضًا نراه في (إصحاح 10) يرسل تلاميذه لإسرائيل ليكرزوا إليهم به كملكهم مؤيدًا كرازتهم بالمعجزات. ولكننا بكل أسف نراهم رغم كل هذا يرفضونه رسميًا (إصحاح 12) ومن ثم يبتدئ من (إصحاح 12) فصل آخر من خدمته.

كانت أعماله المذكورة في (إصحاح 23:4-25) كافية لتبرهن لهم على أنه نبيِّ. فأجتمع كثيرون وراءه لكي يتعلموا وينالوا الشفاء. وأما في هذا الفصل فيقوم البرهان على أنه الملك، ومن ثم صارت المسألة العظمى الآن هي هذه: هل يقبلونه كعمانوئيل ملكهم، ابن داود الموعود به أم لا؟

شفاء الأبرص

(عدد 2-4؛ مرقس 40:1-45؛ لوقا 12:5-16)

«وإذا أبرص قد جاء وسجد له قائلاً يا سيد، إن أردت يقدر أن تُطهرني. فمد يسوع يده ولمسه قائلاً أريد فاطهر، وللوقت طهر برصه. فقال يسوع انظر أن لا تقول لأحد، بل اذهب أرِ نفسك للكاهن وقدم القربان الذي أمر به موسى شهادة لهم» (عدد 2-4)

«وإذا أبرص» معلوم أن البرص المذكور في الكتاب القدس، مرض رديء جدًا، غير قابل للشفاء بالوسائط التي في متناول أيدي البشر، ومن ضُربَ به حُسِبَ نجسًا، وأُخرج خارج محلة إسرائيل، ومُنعَ عن معاشرة الناس. أولاً، لكونه مرضًا معديًا. ثانيًا، لكون المصاب به نجسًا بحسب شريعة موسى. انظر شريعة البرص في (لاويين 13، 14). وكان الكاهن الإسرائيلي قادرًا على أن يمَّيز علاماته ويحكم على الأبرص بالعزل ويفصله عن الآخرين. ولكنه لم يقدر أن يشفيه. كما أن شريعة الله المقدسة ( الناموس) تقدر أن تحكم على الخاطئ بالهلاك، ولا تقدر أن تخلصه. وأما يسوع المسيح قادرًا أن يُطهر الأبرص بكلمة واحدة كما هو قادر أن ويخلص الخاطئ المسكين أيضًا بنفس النعمة ونفس القدرة.

«جاء وسجد له»: علامة إيمانه بالرب يسوع لشفائه، وانكساره على حالته، ورغبته الملحة في الشفاء.

«أن أردت تقدر أن تطهرني»، كان هذا الأبرص المسكين مُتيقنًا أن يسوع قادر على أن يمنحه الشفاء، ولكنه تردد قليلا في أفكاره من جهة أُيريد شفاءه أم لا. ولما تقدم إليه أقر بإيمانه بقدرته، وصرح بعدم تأكده من إرادته.

«فمد يسوع يده ولمسه قائلاً، أُريد فاطهر. وللوقت طهر برصه». َجاوب الرب على تشكك الرجل في إرادته بقوله «أُريد»، وتنازل أيضًا، من لطفه، ومد يده ولمسه.

كان من لمس أبرص تنجس بحسب شريعة موسى (سفر العدد 2:5؛ 11:19) وأما سيدنا المبارك فلمس الأبرص، وعوضًا عن أن يتنجس به، طَهره.

«للوقت طهر برصه»، وبذلك تبرهن أن يسوع هو «يهوه المخلص». إله إسرائيل، حاضرًا في وسطهم في هيئة إنسان، لأنه كان معلومًا أن الله وحده هو الذي يشفي الأبرص (ملوك الثاني 7:5، ع8 حسب الحاشية)

«انظر لا تقول لأحد» نهاه عن أن ُيخبر الآخرين لأنه قصد أن أعماله هي التي تشهد له (يوحنا 36:5).

«بل اذهب أرِ نفسك للكاهن وقدم القربان الذي أمر به موسى» لما كانت الشريعة قد حكمت على من طهر من البرص أن يَريِ نفسه للكاهن، ثم يقدم قربانًا لله (انظر لاويين 3:14، 4، 10)أمر المسيح الأبرص أن يفعل كذلك لأن المسيح لم يخالف الشريعة في شيء، ولا قاد الناس إلى مخالفتها،فالعمل الذي أمر به كان من واجبات كل إسرائيلي في حال كهذا.

«شهادة لهم» لأنه إن كان الكاهن الذي قد حكم على الأبرص أنه أبرص، يراه طاهرًا ويحكم عليه أنه طاهر، يكون بذلك قد صَادق رسميًا على عمل المسيح المُعجزي ويكون ذلك شهادة لهم، أي لإسرائيل، بأن إلههم حاضر في وسطهم.

«كان مرض البرص هذا رمزًا لائقًا للخطية باعتبارها نجسة، والأبرص رمزًا مناسبًا للخاطئ. ولذلك نرى في يسوع هنا نعمة «يهوه» إله إسرائيل، وقدرته أيضًا وقداسته غير القابلة للتدنس من لَمس الأدناس، وقد اقتربت جميعها في شخص يسوع إلى الخاطئ النجس لكي تُطهره من دنس خطاياه. فإن المسيح يقدر أن ينزع الخطايا بالنعمة ولا ينزع الخاطئ بالدينونة، بخلاف الناموس الذي يقدر على الثاني ولا يقدر على الأول.

شفاء غلام قائد المائة (عدد 5-13؛ لوقا 1:7-10)

«ولما دخل يسوع كفر ناحوم جاء إليه قائد مائة يطلب إليه ويقول يا سيد غلامي مطروح في البيت مفلوجًا متعذبًا جدًا. فقال يسوع، أنا آتي وأشفيه. فأجاب قائد المائة وقال ، يا سيد، أنا لست مستحقًا أن تدخل تحت سقفي. لكن قل كلمة فقط فيبرأ غلامي. لأني أنا أيضًا إنسان تحت سلطان. لي جند تحت يدي. أقول لهذا، اذهب، فيذهب. ولآخر، إيت، فيأتي. ولعبدي، افعل هذا فيفعل». (عدد 5-9)

«قائد مائة»، كان هذا القائد أجنبي الجنس من رؤساء الفرق الرومانية المحتلة للبلاد، ولم له بحسب الطبيعة، حق في المسيح كابن داود. ولكن لما ظهرت الجودة الإلهية التامة في العالم مصحوبة بالقوة لتفريج ضيقات البشر، لم يكن ممكنًا حصرها في إسرائيل، بل كان لابد أن تتجاوز الحدود القديمة وتجري مجرى يليق بحضور الله، إله الكل.

«فقال له يسوع أنا آتي وأشفيه» (عدد 7)، يتكلم الرب هنا كمن له كل السلطان، وكل القدرة ليفعل ما يشاء.

«فأجاب قائد المائة وقال يا سيد لست مستحقًا أن تدخل تحت سقفي. لكن قل كلمة واحدة فيبرأ غلامي» (عدد 8) كان لهذا القائد الأممي إيمان في قلبه، بل وما ينتج عنه أيضًا من تواضع. ولذلك لم يقر بإيمانه بقدرة المسيح فقط، كما فعل ذلك الأبرص الإسرائيلي، بل وبعظمة شخصه أيضًا، ثم طلب إليه أن يقول كلمة واحدة، متأكد أنها تكفي لشفاء غلامه.

«لأني أنا أيضًا إنسان تحت سلطان.. الخ»، يعني أنه تحت سلطان من هو أعلى منه مرتبة، ومن ثم يعرف أن يُطيع أمره. كما له جندًا وخدامًا تحت سلطانه أيضًا، بأمره فيطيعونه طاعة كاملة. وهكذا أقر بإيمانه بأن الرب ذو سلطان مطلق وقادر أن يصدر أوامره فيطيعه كل شيء، حتى الأمراض أيضًا. فما أجمل إيمان هذا الرجل الغريب الجنس! فأنه لم يكن كاليهود محصورًا في دائرة الأفكار اليهودية الضيقة. ومن ثم لم يستحق أن يوبخ مثلهم بالثور الذي يعرف قانيه، وبالحمار معلف صاحبه بينما هم، وهم شعب الله، لا يعرفون خالقهم لأن إيمانه، ميز الخالق للكل والضابط للكل في شخص يسوع الوديع المتواضع، الذي جعل نفسه خادمًا للكل.

« فلما سمع يسوع تعجب وقال للذين يتبعونه، الحق أقول لكم، لم أجد ولا في إسرائيل إيمانًا بمقدار هذا. وأقول لكم أن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم واسحق ويعقوب في الملكوت السماوات، وأما بنو الملكوت فيطرحون إلى الظلمة الخارجية هناك البكاء وصرير الأسنان» (عدد 10-12)

كان ابن الله قد أخلى نفسه واتخذ صورة ومركز عبد لتنفيذ مشيئة أبيه، حيث يقبل جميع الذين يجتذبهم الآب إليه. ولطالما خدم في إسرائيل ولم يجد فيهم إيمانًا كهذا الذي جده في ذلك الأممي. وهنا لأول مرة في هذه البشارة تلاقينا كلمة «إيمان». كان كثيرون منهم قد انتفعوا بقدرته، وقلما ميزوا جلال شخصه عندما حصلوا على الفرج من شدائدهم بواسطته وبهتوا من تعليمه ولكن بقوا مغلقًا عليهم في تعصبهم. تعجب يسوع من قوة إيمان ذلك القائد الأممي، وانتهز الفرصة ليُصرح لأول مرة بانضمام كثيرين من المم إلى الملكوت السماوات ليتمتعوا ببركات الله مع آباء الأمة الثلاثة المشهورين بإيمانهم، حينما يكون بنو الملكوت (أي اليهود) مطرودين منه إلى موضع العذاب. وليس من قصده أن يوضح كيفية اشتراك الأمم.

«ويتكئون مع إبراهيم.. الخ» هذا يدل على تمتعهم بالمجد السماوي لا على انضمامهم إلى الكنيسة على الأرض.

«ثم قال يسوع لقائد المائة، اذهب. وكما آمنت ليكن لك. فبرأ الغلام في تلك الساعة» (عدد 13) صار بحسب إيمانه. لأنه ليس ممكنًا للرب أن يُخيب الإيمان، ولا أن يجعل اليد التي امتدت إليه للمعونة ترجع فارغة.

الفرق في سرد الحادثة بين مَتَّى ولوقا

إذا قابلنا ما جاء هنا خاصًا بشفاء الغلام قائد المائة مع ما يقابله في (لوقا 1:7-10)، نرى أن الحادثة في لوقا مذكور بالتفصيل. ويتضح منها أن قائد المائة لم يحضر بنفسه إلى المسيح، بل أرسل وفدًا من شيوخ اليهود يطلب من المسيح عن يدهم. ثم لما كان المسيح ذاهبًا إلى بيت القائد، أرسل له أصدقاء يقر على فهمهم بعدم استحقاقه. ولكن لا يوجد في كلام مَتَّى ما يناقض ذلك لأنه يجوز القول أنه جاء بمعنى أنه جاء للذين نابوا عنه. فالوحي في مَتَّى يجعل الأهمية العظمى لإيمان الأجنبي الجنس، ولقبول الأمم ورفض اليهود وأما في لوقا، فيوضح صفات الرجل الأخرى أيضًا، كمحبته للأمة اليهودية، واعتباره لديانتهم. كما يوضح محبتهم له أيضًا. ولكنه لا يذكر شيئًا عن «ملكوت السماوات» لأن ذلك إنما يتعلق تعلقًا خاصًا بقصد الوحي في إنجيل مَتَّى.

أن كنا ُنتعب أنفسنا في محاولات لتوفيق كلام الأربعة البشيرين مع بعضهم، نصرف وقتًا كثيرًا ولا نجني سوى فوائد قليلة. ولكن إن كنا نميز قصد الوحي في كلام كل منهم، فإننا نستفيد أكثر لأننا نكون حينئذ تابعين قصد الروح القدس.

يوم آيات في كفر ناحوم

شفاء حماة بطرس

(عدد 14، 15؛ مرقس 21:1-31؛ لوقا 31:4-39)

«ولما جاء يسوع إلى بيت بطرس رأى حماته مطروحة ومحمومة. فلمس يدها فتركتها الحمى، فقامت وخدمتهم» (عدد 14، 15)

كان الإيمان في إسرائيل قليلا. ومع ذلك لم يزل الرب يخدمهم. دخل بيت بطرس وشفى حماته شفاء تامًا من الحمى التي كانت قد انتابتها حتى قامت في الحال وصارت تخدمهم.

شفاء جميع المرضى

(عدد 16، 17؛ مرقس 32:1-34؛ لوقا 40:4، 41)

«ولما صار المساء قدموا إليه مجانين كثيرين. فأخرج الأرواح بكلمة وجميع المرضى شفاهم. لكي يتم ما قِيلَ بإشعياء النبي القائل ‘هو أخذ أسقامنا وحمل أمراضنا’ » (عدد 16، 17).

انتظروا إلى المساء أو إلى ما بعد غروب شمس اليوم لأن اليوم كان سبتًا. انظر (مرقس 21:1، 32؛ لوقا 31:4، 38، 40). إذ لم يكن يجوز لهم حسب اعتقادهم أن يأتوا للاستشفاء في السبت (لوقا 14:13) وقد أخرج الأرواح بكلمة وشفى جميع الأمراض طبقًا لما قِيلَ عنه بالنبي «هو أخذ أسقامنا وحمل أمراضنا» وهذا من جهة خدمته الفائضة حنانًا لإسرائيل لأن أحوالهم وأحزانهم ثقلت على قلبه الشفوق «في كل ضيقهم تضايق» ولم يكن يجري أعمال القوة فقط بل كان يشعر شعورًا عميقًا إلهيًا عندما كان يُفرج ضيقات قلوب المتضايقين ولا يمكننا أن نتصور أو ندرك اختبارات الرب على حقيقتها لضيق قلوبنا وحبها لما هو لها. فكثير ما نتنحى نحن عن المصابين لمعرفتنا عدم قدراتنا على مساعدتهم. وربما لا نريد أن نراهم لأن مجرد مشاهدة الضيق الذي لا نقوى على تفريجه يؤلمنا. وأما الرب فلم نسمع قط أنه امتنع عن المتضايقين أو ضجر من جموعهم التي أتت إليه. نعم كان قادرًا أن يعينهم فأعانهم، ولكنه كان ينظر دائمًا إلى أسباب مشقاتهم التي هي الخطية ويتأثر بسطوتها عليهم وعواقبها المحزنة.

انصرافه عن الجموع (عدد 18؛ لوقا 57:9)

«ولما رأى يسوع جموعًا كثيرة حوله أمر بالذهاب إلى العبر» (عدد 18) لما تمت خدمته لجميع الذين احتاجوا إليها في كفرناحوم، لم تزل الجموع تتجمع حوله للاستطلاع لا للفائدة. فأمر بالذهاب إلى حيث يوجد موضع آخر يحتاج إلى خدمته لأنه لم يُخدع قط بمشاهدة الجماهير كأنهم يخضعون لله، بأنهم إنما تركوا رؤساءهم العالميين إلى حين، قاصدين المسيح لُيفرج ضيقاتهم المتنوعة، ثم يرجعون إلى طرقهم القديمة خاضعين لسلطة رؤسائهم التي ناسبتهم أكثر من سلطة المسيح ولم هو في أرض إسرائيل ليس له أين يسند رأسه.

الكاتب الذي اندفع للتطوع (عدد 19، 20؛ لوقا 57:9، 58)

«فتقدم كاتب وقال له، يا معلم، أتبعك أينما تمضي. فقال له يسوع للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار. وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه» (عدد 19، 20).

وإذ كان يبارح المدينة، تقدم إليه كاتب، وأبدى رغبته في أن يتبعه أينما يمضي. فجاوبه الرب جوابًا من شأنه أن يمتحن حقيقة إيمانه وما بدا عليه من غيرة، قائلاً له، إنه يوجد موضع للثعالب والطيور في الأرض، ولكن ليس فيها موضع لابن الإنسان. أنه لم يكن بعد قد رفض رسميًا كما سنرى في إصحاح12، ولكنه كان لا يزال غير مقبول. فكأنه قال لذلك الكاتب، أتُريد أن تتبع مُعلمًا مرفوضًا؟ ولا نعرف هل ثبت ذلك الكاتب بعد ذلك على عزمه أو عدل عنه. ربما كان من الذين تأثروا وقتيًا وحاولوا اتباعه لأفكار أو غايات متنوعة. ولما ظهرت لهم حقيقة الأمر رجعوا إلى الوراء. وهذا هو حال الكثيرين حتى الآن. ومن ثم يجب على كل من يُريد أن يتبع المسيح أن يحسب النفقة.

التلميذ المماطل وهو مدعو (عدد 21، 22؛ لوقا 37:13، 38)

«وقال له أخر من تلاميذه، يا سيد، ائذن لي أن أدفن أبي. فقال له يسوع، اتبعني ودع الموتى يدفنون موتاهم» (عدد 21، 22)

كان هذا الشخص من تلاميذ المسيح ويتضح من كلامه أنه نظر إلى الصعوبات في الطريق، وطلب أن يرجع إلى بيته، إلى ما بعد وفاة أبيه على أن يعود بعد ذلك ويتبع المسيح. لم يكن أبوه قد مات، وإلا لما صنعه السيد عن إداء آخر واجب من ابن لأبيه، ولا سيما أن الدفن كان يتم في نفس يوم الوفاة ولذلك ألح عليه الرب أن تبعه في الحال، مهما كانت الكلفة تاركًا للعالم أمر الاعتناء بموتاه منعًا من التعطل وكما تعطل أبرام عن اتباع الرب إلى كنعان إلى ما بعد وفاة أبيه في حاران قابل (تكوين 31:11، 32مع أعمال الرسل 4:7). وأما يعقوب ويوحنا فلبيا الدعوة تاركين عملهما وأباهما (إصحاح 21:4، 22).

إن العناية بالوالدين واجب مقدس وفي محله ولكن يجب إلا يعيقنا ذلك عن اتباع المسيح. فإنه من المبادئ الأولية أن يكون الله هو الأول، الله الذي تجب له كل الطاعة. وهذه اللفظة الصغيرة «أولاً» التي فاه بها ذلك التلميذ المتردد في قوله «أمضي أولا وأدفن أبي» هي قانون عظيم لامتحاننا فإنه يجب أن نسأل أنفسنا، هل المسيح هو الأول عندنا شيء آخر نضعه أولا؟

«فقال له يسوع اتبعني» نرى هنا أن الرب يسوع هو المركز الوحيد لتلاميذه، ويجب أن يتبعوه أينما يمضي. وحالتهم في أي وقت تتعلق بحالته هو في ذلك الوقت. فلما كان على الأرض غير مقبول عند خاصته، وليس له ما للثعالب والطيور من مكان وترحاب، كانت حالتهم هم كذلك، وكان ينبغي لمن أراد أن يتبعه أن يترك كل شيء ليكون في رفقته كالسيد الذي لم يكن له أين يسند رأسه، وأما الآن فهو ليس جائلاً كغريب على الأرض، بل جالس عن يمين الله في السماء، ومقامنا الآن مرتبط به هناك. على أنه لا يزال غير مقبول، لا بل ومرفوض من العالم. ونحن كذلك كما قال «إن كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم». وكما أن علاقاته مع العالم قد انقطعت، كذلك نحن أيضًا قد انقطعت علاقتنا بالعالم فلم نعد منه كما أنه هو ليس منه (يوحنا 14:17، 16) وصلبنا لعالم وصلب العالم لنا (غلاطية 14:6). وصارت علاقتنا بالسماوات وسيرتنا، أو مملكتنا التي منها ننتظره كالمخلص القدير الذي سينقذنا بجملتنا من العالم (فيلبي 20:3) وحينما يملك هو سنملك نحن أيضًا معه. وعليه فقد ارتبط التلاميذ مع سيدهم في كل الأحوال. وإنه لمن أعظم العيوب التي تُعيبهم أن يتخذوا مقامًا في العالم الآن لا يوافق مقام سيدهم فيه.

لنلاحظ أيضًا أن الصعوبات المقترنة باتباعنا للرب لا تظهر لنا دفعة واحدة. فإنه إنما يُرينا إياها شيئًا فشيئًا نحن ذاهبون في الطريق وراءه ولو رأيناها. كلها مرة واحدة لفشلنا من مشاهدتها وحاولنا الاستعفاء من اتباعه، كما فعل ذلك التلميذ. وكثيرًا ما تؤثر فينا رؤية جانب صغير منها، فنَئن مستثقلين الصليب. ولكن شكرًا للذي قد شرفنا بحمل الصليب ولا يزال يطلب منا أن نثبت قائلاً «اتبعني ودع المُوتى يدفنون موتاهم»، فإن هذا المشهد مُتصف بالموت ولا يوجد فرق كبير بين المُوتى روحيًا والمُوتى حرفيًا. ومعلوم أن أعز الأشياء عند مُوتى هذا العالم هي كلها للفناء ومع ذلك نراهم يبذلون قصارى جهدهم ليخفوا هذه الحقيقة المُحزنة عن أعينهم فيكثرون الثروة لأجل تغذية الحياة الفانية التي لا يمكنهم أن يستبقوها دقيقة واحدة أكثر من الوقت الوجيز المعين لها. ثم عند حادثة الموت ينوحون ويتصرفون كأن عدوهم الأكبر قد اقتحمهم اقتحامًا. ثم يدفنون موتاهم، موارين إياهم عن نظرهم، ويزينون قبورهم ويرجعوا إلى عيشتهم العالمية كأن الموت قد استوفى حصته منهم، ولا يعود يطالبهم. فما أحلى نصيب الذين هم في المسيح يسوع! لأنهم قد انتقلوا من الموت إلى الحياة وصار لهم اليقين التام بأن ليس للموت أدنى حق عليهم بعد، فإنه قد استوفى حقه مرة من فاديهم ولابد أن يلحقوا بهذا الفادي حيث هو، تاركين هذا المشهد المتصف بالموت.

تسكينه للرياح والبحر

(عدد 23-27؛ مرقس 35:4-41؛ لوقا 22:8-25)

«ولما دخل السفينة تبعه تلاميذه وإذا اضطراب عظيم قد حدث في البحر1 حتى غطت الأمواج السفينة، وكان هو نائمًا. فتقدم تلاميذه وأيقظوه قائلين، يا سيد. نجنا، فإننا نهلك. فقال لهم، ما بالكم خائفين، يا قليلي الإيمان؟ ثم قام وانتهر الرياح والبحر فصار هدوء عظيم، فتعجب الناس قائلين، أي إنسان هذا فإن الرياح والبحر جميعًا تطيعه؟» (عدد 23-27).

فيما جرى للسفينة في هذه الحادثة، نرى صورة كاملة لحالة الذين قد تركوا العالم ليتبعوا المسيح، فإن العناصر لا تلبث أن تضطرب وتجعلهم في أشد خطر. وفوق ذلك يرى سيدهم، حسب الظاهر، نائمًا أو غير مُبال. وهذا قد يُفهم منه أن الله سمح للعدو أن يهيج النوء عليهم. ولكن العدو بفعله هذا إنما قدم فرصة للرب يُظهر فيها مجده، كما هو الحال معنا نحن أيضًا في الضيقات التي تصيبنا في عبورنا بحر هذا العالم المُضطرب. فأن تهيجات العدو مهما اشتدت، إنما تعد سبيلاً للرب ليظهر قوته في إنقاذنا.

لقد كان الرب معهم في السفينة. فهل كان يمكن للأمواج أن تُغرق السفينة وتُغرقهم والرب معهم فيها؟ حاشا.

إني لا أقول أن السفينة رمز للكنيسة التي قد وعد المسيح أن يكون في وسطها، لأنها ليست كذلك على أنها تُذكرنا ببعض المواعيد الجميلة التي تؤكد حضور الرب مع شعبه في أحوالهم المُتعبة الخطرة. انظر قوله مثلاً «من أصوات مياهٍ كثيرة، من غمار أمواج البحر، الرب في العُلى أقدر» (مزمور 9:89).

«ما بالكم خائفين، يا قليلي الإيمان؟» لو كانوا قد انتبهوا حق الانتباه لمن هو معهم في السفينة، لِما خطر ببالهم أنها تغرق وهو فيها لأنه الشخص الوحيد الذي كان لابد أن تتم فيه جميع مقاصد ومواعيد الله. لا بل وهو أيضًا الله الذي خلق الرياح والبحر، فكيف تقوى عليه أعمال يديه وهاهم في السفينة معه؟ لقد ظنوا أنه إذا استيقظ يقدر أن يساعدهم، أو على الأقل يهتم بالأخطار المحيطة بهم ولكنهم أظهروا قلة إيمانهم بإيقاظهم إياه. فلما قام وبخهم أولاً، ثم انتهر العناصر المُضطربة فصار هدوء عظيم. عرف البحر وعرفت الرياح والأمواج صوت خالقها فهدأت حالاً.

« فتعجب الناس قائلين، أي إنسان هذا؟ » كان إنسانًا حقيقيًا. وكان قبل ذلك نائمًا بعد تعب النهار كمن لذَ له النوم كإنسان ولكن أي إنسان هو؟ حقًا، ليس هو إلا الله ظاهرًا في الجسد.

شفاء المجنونين في كورة الجرجسيين

(عدد 28-34؛ مرقس 1:5؛ لوقا 28:26-39)

«ولما جاء إلى العبر إلى كورة الجرجسيين استقبله مجنونان خارجان من القبور هائجان جدًا حتى لم يكن أحد يقدر أن يجتاز من تلك الطريق. وإذا هما قد صرخا قائلين مالنا ولك يا يسوع ابن الله؟ أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذبنا؟ وكان بعيدًا منهم قطيع خنازير كثيرة ترعى. فالشياطين طلبوا إليه قائلين إن كنت تخرجنا فأذن لنا أن نذهب إلى قطيع الخنازير فقال لهم امضوا. فخرجوا ومضوا إلى قطيع الخنازير. وإذا قطيع الخنازير كله قد اندفع من على الجرف إلى البحر ومات في المياه. أما الرعاة فهربوا ومضوا

إلى المدينة وأخبروا عن كل شيء وعن أمر المجنونين. فإذا كل المدينة قد خرجت لملاقاة يسوع. ولما أبصروه طلبوا أن ينصرف عن تخومهم» (عدد 28-34).

«كورة الجرجسيين» سُميت كذلك نسبة إلى «جرسة» مدينة على شاطئ بحر طبرية. والجرجسيين في الغالب هم بقايا الجرجاشيين الذين كانوا من أمم كنعان (تكوين 21:15). فمَتَّى الذي يكتب لليهود سمى الكورة باسمها المعروف لهم من تاريخهم القديم (يشوع 10:3). أما مرقس ولوقا إذ أنهما يكتبان للأُمم مُسميانها «كورة الجدريين» نسبة إلى «جدرة» عاصمة الكورة وهي إحدى مُدن تلك الكورة العشرة. وكان مُعظم سُكانها من الأمم (مرقس 20:5).

يتضح من هذه الحادثة أنه يمكن في بعض الأحوال للأرواح الشريرة أن تمتلك أجساد البشر امتلاكًا حقيقيًا وتسودها سيادة هائلة . ويُقال عن الشخصين المومأ إليهما إنهما كانا مجنونين. وكان سبب جنونهما وجود أرواح شيطانية فيهما ولكننا لا نقدر أن نقول عن جميع المجانين أن فيهم أرواحًا شريرة فانه توجد أسباب أخرى لاختلال العقل غير ذلك.

«أجئت إلى هنا قبل الوقت لتُعذبنا؟ لنلاحظ أنهم عرفوا يسوع أنه ابن الله وبالتبعية أنه ديانهم أيضًا وخافوا من أن يُرسلهم إلى مكان العذاب، لتعذيبهم هناك قبل الأوان. وهذا لأن دينونة إبليس وملائكته لم يحن أوانها بعد، بل لازالت مُستقبله (أنظر مَتَّى 41:25؛ رؤيا 10:20).

«فالشياطين طلبوا إليه … الخ» أجاب الرب طلب الشياطين أن يدخلوا الخنازير وقد أثبت غرق الخنازير حقيقة وجود الشياطين في المجنونين وشدة قوتهم. فإنهم كانوا فعلاً يمتلكون الرجلين المسكينين امتلاكًا تامًا. ولما خرجوا منهما بأمر الرب ودخلوا الخنازير ساقوا قطيع الخنازير إلى البحر. ونحن لا نعرف لماذا طلب الشياطين أن يدخلوا الخنازير، على أن المحتمل كما ظهر من النتيجة، أنهم كانوا يقصدون. إهلاكها لكي يُهيجوا سُكان البلاد ضد المسيح كما صار.

«ولما أبصروه طلبوا أن ينصرف عن تُخُومهم» إن البشر يقبلون المساعدة من الرب إلى حد ما، اعني أنهم يقبلون الشفاء ومشاكله إلى أن يتبينوا أن قوة الله، التي يخدمهم بها، مضادة لقوة إبليس طردًا تامًا ونهائيًا، حينئذ يصبح حضور الله أمرًا غير محتمل عندهم، فيطلبون إليه أن يتركهم وشأنهم، لأنهم مهما تعذبوا من الشياطين فإنهم يختارون إبليس دون المسيح.

قد عرفنا أنهم قاموا عليه فيما بعد وطردوه عنوة من العالم بصلبه. على أنهم هنا إنما طلبوا إليه فقط أن ينصرف عن تُخُومهم لأنه قد وقعت عليهم هيبته. فسطوة إبليس التي تجعل الناس يرفضون المسيح ويطلبون ابتعاده عنهم، حبًا في مصالحهم الزمنية، لا تحرمهم فقط من قوته الظاهرة لخدمتهم، بل وتحرمهم أيضًا من بركة حضوره معهم. وهذه هي الطامة الكبرى. لأن أعظم كارثة تحل بالإنسان أن يجيبه الله إلى طلبه في الانصراف عنه، فقد قال الرب «ويل لهم أيضًا متى انصرفت عنه» (هوشع 12:9). ولم تزل إلى الآن أرض أولئك الجرجسيين صورة مُحزنة للعالم أجمع. فإنه كان من الأمور الهينة أن تخرج ربوة من الشياطين من أجساد الناس. ولكن ما كان أصعب إخراجها من قلوبهم!! وهذا لتمسك قلوبهم بها. إن تسلط الشياطين على الجسد أمر مُحزن ويجب أن نرثي لمن وقع تحته، أما تسلطهم على القلب فأدعى إلى الحزن والرثاء.

الفرق في سرد الحادثة بين مَتَّى ومرقس

إذا راجعنا ما جاء هنا خاصًا بهذين المجنونين مع ما يُقابله في (مرقس 1:5-20) فإننا نرى أن مرقس إنما يذكر واحدًا من المجنونين فقط. ولعله أشهرهما، فيصفه بالتفصيل قائلاً، إنه قد ربط كثيرًا بقيود وسلاسل فقطع السلاسل وكسر القيود فلم يقدر أحد أن يذله فإن قصد الوحي في مرقس أن يُرينا قوة إبليس وعجز البشر عن ضبطها. ثم يذكر خلاص المجنون المسكين وطلبه أن يكون مع المسيح. ولكن المسيح أرجعه لُيخبر أهله كم صنع الرب به ورحمه. وفي ذلك فوائد جميلة لنا، إذ أننا بعد خلاصنا من إبليس نرغب أن نكون مع مُخلصنا في المجد، ولكنه يُبقينا في العالم لنخبر الآخرين كم صنع بنا ورحمنا.

وأما مَتَّى فلا يذكر ذلك، لأن غاية الوحي الخاصة فيه هي إظهار قوة إبليس في قلوب الناس وعدم قبولهم عمانوئيل، يهوه المخلص، الذي يقدر أن يُخلصهم، لا من قوة إبليس فقط، بل أيضًا من خطاياهم التي بها يستولي إبليس عليهم.

 نقلاً بالاتفاق مع موقع بيت الله www.baytallah.com

Advertisements

ما الذي يجول بخاطرك بخصوص التدوينة؟

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: