شرح إنجيل متى | الاصحاح الرابع | بنيامين بنكرتن


الإصحاح الرابع

تجربة المسيح في البرية (عدد 1-11)

(قابل مرقس12:1، 13 ؛ لوقا1:4-13)

«ثم أصعد يسوع إلى البرية من الروح القدس ليجرب من إبليس. فبعدما صام أربعين نهارًا وأربعين ليلة جاع أخيرًا» (عدد 1، 2)

لما اتخذ الرب يسوع مكانه علانية كإنسان في وسط إسرائيل، حل عليه الروح القدس ليمسحه مسحة خصوصية لأجل خدمته وكان مفروضًا عليه أن يواجه إبليس كالمجرب، لأنه كان قد جرب الإنسان الأول وأسقطه فهل يا ترى يستطيع أن يسقط الإنسان الثاني؟ فقاده روح الله إلى البرية، كان آدم الأول وقت تجربته في جنة عدن، مُحاطًا ببركات الله التي من شأنها أن تُذكره بخالقه الحنان. وأما آدم الأخير فكان وقت تجربته في البرية مع الوحوش، حيث كانت ظروفه تُذكره بخطية الإنسان الأول وعواقبها المُحزنة.

كان كل من موسى وإيليا قد صام مدة أربعين يومًا (خروج 28:34؛ ملوك الأول 8:19). ولكن يوجد فرق عظيم جدُا بين صومهما وصوم ربنا المبارك لأنهما كانا بشرُا مثلنا، لا يمكنهما أن يعيشا دائمًا قريبين إلى الله بسب الضعف البشري ومعطلات الشركة الناتجة من تموجات الفساد الداخلي. فلما قصدا، والحالة هذه، أن يقتربا إلى الله، صاما لكي ينفرزا عن الناس من جهة، وعن ما يلهيهما عن الشركة مع الله، من جهة أخرى، حتى يكونا معه تعالى على نوع فوق العادة. وأما ربنا يسوع، فكان مع الله دائمًا، ولا يوجد شيء من الداخل أو من الخارج يستطيع أن يُعيقه عن الشركة. إنما انفرز فقط عن الناس مدة صومه لكي يواجه المجرب، الذي هو عدوه وعدونا، والذي يمكنه أن يحاربنا ويغوينا في أية حالة، سواء كنا صائمين أو غير صائمين. وأما تجربة الرب فكانت جزءاً من الخدمة المفروضة عليه لإظهار كماله كإنسان. ومهما أجتهد المجرب ضده، فقد ظل الشر شيئًا خارجًا عنه بحيث لم يوجد داخله، له المجد، ما يتجاوب مع الشر، أما نحن فعلى خلاف ذلك إذ أنه يوجد داخلنا ما بتجاوب مع الشر، فكان ينبغي انه يمتحن امتحانًا تامًا لكي يُظهر ما هو في حقيقة شخصه كالقدوس، وأنه يستمر مطيعًا لله، ولا يطلب إلا مشيئته مهما كلفته هذه الطاعة من نتائج. وذلك أيضًا في وسط وحشة البرية والمشقات التي من شأنها أن تجعل الإنسان يطلب لنفسه سبيًلا أيسر من مشيئة الله.

«جاع أخيرًا» (عدد 2) وليس الجوع خطية، غير أنه صار فرصة للمجرب. «فتقدم إليه المجرب» (عدد 3). كانت التجارب مستمرة كل يوم مدة الصوم (مرقس 13:1؛ لوقا 2:4)، ولكن الجوع في نهاية المدة صار فرصة لتجربة عنيفة ظن العدو أنها ستكون الموقعة الفاصلة.

«إن كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزًا». لما كان الله قد أُعلن عن المسيح أنه ابنه الحبيب أتاه المجرب من هذا الباب ليحمله، إن أمكن، على أن يستعمل حقوقه أو قدرته الشخصية للتخلص من الجوع، بدون أمر من الله، ولكنه لم يأت ليفعل مشيئة نفسه، بل مشيئة الذي أرسله.

«فأجاب وقال مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله» (عدد 4). طلب منه المجرب أن يأمر، فأجابه السيد بما معناه، أنا لست هنا لآمر، بل لأطيع (عبرانيين 8:5)، وليس لدى من الله أمر لأُصير الحجارة خبزًا، وليست المسألة، ما أستطيع أن أفعله، بل ما يريدني الله أن أفعله. إن المأكل الحقيقي ليس هو الخبز، بل العمل بحسب مشيئة الله. (يوحنا 34:4).

نرى هنا ما هي الطاعة الكاملة، كيف أنها تقوم بعدم تحرك الإرادة إلا بموجب أمر الله. أن كانت تتحرك الإرادة الذاتية في ولد مثًلا، ويحاول أن يعمل عمًلا ما، ثم نهاه أبوه عن ذلك، فأمتنع امتثاًلا لأمر أبيه، فنحسب ذلك طاعة، وهو كذلك. أما سيدنا فلم تكن من هذا القبيل لأن إرادته لم يكن فيها شئ مضاد لإرادة الله يحتاج إلى أمر من الله لردعها.

«ثم أخذه إبليس إلى المدينة المقدسة، وأوقفه على جناح الهيكل. وقال له إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل. لأنه مكتوب أنه يوصي ملائكته بك. فعلى أياديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك. قال له يسوع مكتوب أيضًا لا تجرب الرب إلهك» (عدد 5-7).

جرى هذا العمل حقيقة، إذ سمح الرب يسوع لإبليس أن يأخذه من البرية موضع التجربة الأولى إلى جناح الهيكل في أورشليم. وكان قصد المجرب من قوله «اطرح نفسك إلى أسفل» أن يغوي الرب يسوع على أن يمتحن صدق كلمة الله ، ليرى هل الله صادق أم لا. واقتبس لذلك شهادة جميلة من الكتاب في شأن محافظة الله على المتكل عليه(مزمور 11:91، 12). قال العدو«إن كنت ابن الله اطرح نفسك إلى أسفل» وبذلك تتحقق أن الله معك. ولكن يسوع كان متحققًا أن الله معه وأن أقواله صادقة، دون أن يجرب ذلك بطرحه نفسه إلى أسفل. فأجاب وقال «مكتوب أيضًا لا تجرب الرب إلهك». فالرب إنما اقتبس هذا الكلام باعتباره القانون أو الدستور له كإنسان متكل على الله وخاضع له، وغير مرتاب في حقيقة كونه معه. لأن التردد في تصديق الله ، أو الشك في صدق كلمته، ينتج من عدم الإيمان. كان بنو إسرائيل قد جربوا الله في البرية إذ قالوا «أفي وسطنا الرب أم لا؟ » (خروج 7:17) لأنه كان في وسطهم ليعتني بهم ولم يصدقوا. ونكون نحن مثلهم إذا كنا نرتاب في حضور إلهنا معنا واعتنائه التام بنا.

لنلاحظ أيضًا حيث الشيطان الظاهر من سوء اقتباسه كلام الله ، فإن اقتبس جزءًا من هذه العبارة ، وترك جزءً ا آخر ، فإن أصل الوعد «لأنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظونك في كل طرقك» ، فقد حذف المجرب الجزء الأخير «لكي يحفظوك في كل طرقك» لأن لنا طرقًا معينة من الله ، ومادمنا نسلك فيها يمكننا بضمير صالح أن نتكل عليه كل الاتكال. ولكن لم يكن من الأمور الجائزة أن يطرح هو نفسه إلى هناك ليجرب الله أيحفظه أم لا.

«ثم أخذه أيضًا إبليس إلى جبل عالِ وأراه جميع ممالك العالم ومجدها وقال له أعطيك هذه جميعها. إن خررت وسجدت لي. حينئذ قال له يسوع اذهب عني يا شيطان لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد. ثم تركه إبليس وإذا ملائكة فصارت تخدمه» (عدد 8-11).

في التجربتين السابقتين لم يظهر إبليس كخصم مضاد لله مضادة علنية أو مكشوفة. بل ظهر أوًلا كأنه يطلب فقط من المسيح برهانًا على كونه ابن الله. وثانيًا، كأنه يحمله إلى إثبات صدق الله. أما في هذه التجربة الثالثة، فقد انكشف أنه العدو، طالبًا، إن أمكنه، أن يفسد الإنسان الثاني، إذ أنه بكيفية عجيبة لا ندركها أراه في لحظة ممالك العالم ومجدها (لوقا 5:4) وعرض عليه أن يملكه عليها، إذا سجد له. فعند ذلك طرده المسيح حالاً قائلاً «اذهب يا شيطان» ثم اقتبس شهادة على وجوب تقديم السجود لله وحده. فإن بين الله والعالم مضادة كاملة، ومن أراد أن يكون محبًا للعالم فقد صار عدوًا لله (يعقوب 4:4) وأكبر تجربة يمكن لإبليس أن يجرب الإنسان بها، هي العالم. ومعلوم أننا بكل سرعة مُعرضون إلى السقوط في هذا الفخ. فلِما لم يقدر إبليس أن يغوي المسيح بالتجربتين السابقتين باستعماله له كلمة الله، استعمالاً سيئًا، مستترًا بهذا الستر الجميل لإغواء القلب المطيع، خلع ستره وقدم له العالم ولكن المسيح لم يشأ أن يقبله منه بتة. لاشك أنه وعد به من الآب (مزمور 7:2-9)، وسيمتلكه في الوقت المعين (رؤيا 15:11)، لأنه كابن الإنسان، وآدم الأخير، سيرث كل شئ (مرقس 8؛ عبرانيين 5:2-9) ولكنه سيمتلكه بالحق، جزاًء له من الله على طاعته الكاملة، حتى الموت موت الصليب (أنظر فيلبي 5:2-11) ولم يخطر على باله، ولو إلى لحظة، أن يلبس إكليل المجد بدون أن يلبس أولاً إكليل الشوك. كان العدو قد أغوى ملوك الأرض أن يسجدوا له لأجل جزء صغير من العالم. ولكنه عرض على يسوع الكل. كان قلب الرب يسوع متعلقًا بالآب وحده، لا بالعطايا مهما كانت. كثيرًا ما نتمنى نحن البركات دون أن نفتكر في شخصه المبارك، ونود أن نتمتع بعطايا المعطي، بينما هو نفسه بعيد عن أفكارنا، بخلاف سيدنا الذي كان يجعل الله نصيبه، حاسبًا أن ُسُرورهُ الأعظم هو أن يرضيه (مزمور 6:40-8؛ عبرانيين 2:12) عدا ذلك فإنه كان قد اتخذ مكانه بين التائبين من إسرائيل، شعبه الذين وجدوا وقتئذ في الظروف المرة الناتجة عن خطاياهم. فلم يمتنع عن أن يعيش بينهم في تلك الظروف. التزم أن يهرب إلى مصر بسبب ظلم ملكهم الكاذب، ومع ذلك استمر في صبر. إسرائيليًا حقًا، لا يعبد إلا الرب إلهه وحده.

إن سلامتنا من تجارب إبليس تتوقف على انشغالنا بكلمة الله وخضوعنا لها. إن كنا لا نقصد إلا مجد الله ونحن سالكون في طرق الله. لا يقدر علينا العدو، لأنه إنما يعرض علينا أن نعمل ما يؤول إلى إشباع الشهوات، أو تعظيم الذات. «لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة. ليس من الآب بل من العالم. والعالم يمضي وشهوته. وأما الذي يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد» (يوحنا الأولى 16:2، 17) إن كنا في شك من جهة عمل ما، فكثيرًا ما تنكشف لنا حقيقته بهذا السؤال، أهذا العمل من الآب أم لا؟ إن انتصار إبليس على الإنسان الأول كان بطريق إغوائه أن يشتهي شيئًا خلاف مشيئة الله، فلما أغويت المرأة «رأت أن الشجرة جيدة للأكل وإنها بهجة للعيون وأن الشجرة شهية للنظر فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضًا معها فأكل» (تكوين 3:6). لقد نسيا كلمة الله واشتهيا المنهي عنه فتعديا ومثلنا مثلهما إذا رغبنا شيئًا لذواتنا لكونه يناسب شهواتنا بغض النظر عن مشيئة الله المعلنة في كتابه المقدس. فإن الفساد دخل إلى العالم بالشهوة (بطرس الثانية 4:1) ولا يزال إبليس يتسلط على الناس بهذه الواسطة نفسها، لأنه يعرض عليهم كل ما يظهر أنه يؤول إلى تعظم فيستمرون مستعبدين له. فقصد الله، بعمل نعمته فينا، أن ينقي قلوبنا، حتى لا نرغب أو نشتهي إلا مشيئته الصالحة المرضية الكاملة (رومية 1:12، 2) «من جهة أعمال الناس فبكلام شفتيك أنا تحفظت من طرق المُعتَنف[1]» (مزمور 4:17).

لنلاحظ أيضًا أن الرب يسوع لم يرفض تجارب إبليس باعتباره الله، أو كأنه ليس على حالة البشر، ومن ثم لا يخصه شئ منها، بل بالعكس حافظ على مركزه كإنسان في الظروف التي من شأنها أن تجعله يعيا ويطلب النجاة من الضيق بأسرع ما يمكن. فكم بالحري لا يليق بنا نحن أن نحاول رفض التجارب كأننا أرفع منها وهي أبعد من أن تنالنا، أو كأننا في درجة من الصلاح تجعلها لا تعنينا. الحقيقة أنها تعنينا ونحن موضوعون لها لامتحاننا ولا يوجد لنا سبيل للنجاة منها إلا بكلمة الله. وقد تنازل ربنا يسوع المسيح ليكون قدوتنا في ذلك. وإن كانت قلوبنا مطهرة بالكلمة ينكشف لنا أشد فخاخ العدو خداعًا، العدو الذي يسعى جهده لكي لا يدعنا أن نطلب الله وحده.

لا يخفى أننا لا نحصل على بساطة العين ونقاوة القلب إلا بالنعمة فقط. بخلاف ربنا يسوع المسيح الذي كان بذاته طاهرًا، وقدوسًا، ليس فيه أدنى ميل إلى شئ يخالف إرادة الذي أرسله فعبثًا حاول المجرب أن يجعله يستعمل حقه وقوته كابن الله ليُصير الحجارة خبزًا للتخلص من جوعه كابن الإنسان وعبثًا حاول أن يحمله على أن يجرب الله ليتحقق هل هو معه أم لا؟ لأن اتكاله عليه كان كاملاً، وثقته فيه تامة، بدون حاجة إلى تجربة. وعبثًا عرض عليه ممالك العالم ومجدهن، لأنه تبارك اسمه، عرف أنها ستكون له في الوقت المعين، حين يملك كابن الإنسان ملكًا ممجدًا على الكل، مع أنه التزم أن يصبر ويكمل كل ما تعين له حتى يأتي ذلك الوقت.

أخيرًا، لنلاحظ أهمية وكفاية كلمة الله وقوتها. لأن ربنا يسوع المسيح، مع أنه كان الله ظاهرا في الجسد، وكان في استطاعته أن يجيب بأجوبة جديدة وسديدة من عنده في مصارعته مع إبليس كالمجرب، لم يمتنع عن استعمال كلمة الله المكتوبة للإنسان وكانت شهادة واحدة منها كافية لإخراس العدو وردعه. وهكذا الأمر معنا في هذا الجهاد. على أنه ينبغي لنا أن نستعمل الكلمة في محلها، وبالاتكال التام عليها ككلمة الله ، وبعين بسيطة وقلب نقي، وليس لغايات ذاتية، أو لأجل الافتخار والتظاهر بالغلبة وقت مماحكة الكلام.

انصراف المسيح من اليهودية إلى الجليل وخدمته في كفر ناحوم.

(عدد 12-25 قابل مرقس 14:1-20؛ لوقا 14:4، 15)

«ولما سمع أن يوحنا أُسلم انصرف إلى الجليل. وترك الناصرة واتى فسكن في كفر ناحوم التي عند البحر في تخوم زبولون ونفتاليم. لكي يتم ما قيل بأشعياء النبي القائل. أرض نفتاليم طريق البحر عبر الأردن جليل الأمم. الشعب الجالس في ظلمة ابصر نور عظيمًا. والجالسون في كورة الموت وظلاله اشرق عليهم نور. من ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز ويقول توبوا لأنه قد أقترب ملكوت السماوات»(عدد 12-17).

لم يبدأ المسيح كرازته بالملكوت في الجليل إلا بعد أن انتهت كرازة يوحنا بسجنه (أعمال الرسل 37:10) ولكن كان للمسيح خدمات أخرى، من نوع آخر، قام بها أثناء خدمة يوحنا، ولم يذكرها مَتَّى. منها حضوره عُرْسٌ قانا الجليل، وتحويله هناك الماء إلى خمرًا (يوحنا 1:2-11)، وانحداره إلى كفر ناحوم (يوحنا 13:2 الخ) وحديثه مع نيقوديموس في أورشليم (يوحنا 12:2)، وتعميده في اليهودية الذين قبلوه، بينما كان يوحنا يُعمد في عين نون (يوحنا 22:3 الخ)، وحديثه مع السامرية (يوحنا 1:4-42)، وشفاء ابن خادم الملك في قانا الجليل (يوحنا 43:4-54).

كان يوحنا قد أُرسل من الله إرسالية غير عادية لكي يهيئ الطريق للمسيح ولكن كيف قابل شعب الله كرازة عبده يوحنا؟ ابتهجوا بنوره إلى حين (يوحنا 35:5)، ثم رفضوه وألقوا في الحبس (لوقا 19:3، 20). واضح أن بعض العامة قد استفادوا من خدمته، ثم انضموا إلى المسيح (يوحنا 35:1-37). وأما الرؤساء ، مع جانب عظيم من الشعب، فاستمروا على عصيانهم ولم يتوبوا. وعلى وجه الإجمال لم يكن هناك قبول لخدمته من إسرائيل، لأنهم لم يحتملوا شهادته الصادقة على سوء حالتهم. وجرى القول بينهم أن به شيطانًا (يوحنا 48:8). ثم قبض عليه واحد من رؤسائهم وأودعه في الحبس. فعند ذلك ترك يسوع الناصرة وأتى فسكن في كفر ناحوم، التي بسب سكناه فيها صارت بحسب معناها «أرض زبولون وأرض نفتاليم طريق البحر عبر الأردن جليل الأمم. الشعب الجالس في ظلمة أبصر نورًا عظيمًا والجالسون في كورة الموت وظلاله أشرق عليهم نور». أصل هذه النبوة وارد في (إشعياء 1:9، 2) حيث يشير النبي بقوله «كما أهان الزمان الأول أرض زبولون وأرض نفتالي يُكرم الأخير طريق البحر عبر الأردن جليل الأمم» إلى الضيق الشديد الذي حصل للتخوم المذكورة في زمان ملك أشور. ثم يقابل ذلك الضيق مع الضيق الحاصل بواسطة الرومانيين في زمان ولادة المسيح (إشعياء 17:8-22). ولكنه يقول أن الضيق الثاني سيختلف عن الأول بشروق نور عظيم على الشعب الإسرائيلي الساكن في تلك التخوم. وهذا النور العظيم يخفف الضيق.

كان اليهود الساكنون هناك فقراء ومختلطين مع الأمم القاطنين هناك. ولذلك احتقرهم اخوتهم القاطنون في اليهودية. (أنظر يوحنا 52:7). وشهادات أخرى تُظهر أن سكان أورشليم اليهودية افتخروا على الجليليين، بينما كان هؤلاء أقرب إلى قبول نعمة الله منهم. لقد كان جميع إسرائيل كغنم للذبح حين ظهر في وسطهم الراعي الصالح (زكريا 4:11، 7، 11) وأما الجليليون، فكانوا أذل الغنم. 1

دعوة بطرس واندراوس ويعقوب ويوحنا (عدد 18-22)

قابل (مرقس 16:1-20؛ لوقا 1:5-11)

«وأذ كان يسوع ماشيًا عند بحر الجليل أبصر أخوين سمعان الذي يُقال له بطرس واندراوس أخاه يُلقيان شبكة في البحر فإنهما كانا صيادين. فقال لهما هلم ورائي فأجعلكما صيادي الناس. فللوقت ترك الشباك وتبعاه. ثم اجتاز من هناك فرأى أخوين آخرين يعقوب بن زبدي ويوحنا أخاه في السفينة مع زبدي أبيهما يُصلحان شباكهما فدعاهما. فللوقت تركا السفينة وأباهما وتبعاه. (عدد 18-22).

يُذكر هنا أربعة من رسل الرب أو تلاميذه بحصر اللفظ، تعرف بهم في (يوحنا 35:1-42)، ودعهم هنا، ولكنه لم يعينهم في وظيفتهم الرسولية (قابل أعمال الرسل 20:1، 25) وقت دعوتهم وسيذكر تعيينهم مع شركائهم الآخرين في (إصحاح 10). نرى في دعوتهم لهم أمرًا خاصًا به وحده، أي حقه في أن يجمع أُناسًا إليه كرئيسهم ومركزهم فإنهم ليس لغيره قط حق في أن يفصل الناس عن أشغالهم، وبيوتهم، وأقربائهم، ليتبعوه. ولم يجمعهم بالإكراه، بل بكلمته الفعالة فقط. ولم يزل للآن يدعو خُدامًا وتلاميذ على هذا المنوال نفسه.

أول جولاته في الجليل وذيوع شهرته(عدد 23-25)

قابل (مرقس 35:1-45؛ 7:3-12؛ لوقا 42:4-44؛ 12:5-16؛ 17:6-19)

«وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب. فذاع خبره في جميع سوريا. فأحضروا إليه جميع السقماء المصابين بأمراض وأوجاع مختلفة. والمجانين والمصروعين والمفلوجين فشافهم. فتبعته جموع كثيرة من الجليل. والعشر المدن وأورشليم واليهودية ومن عبر الأردن» (عدد 23-25).

ينبغي أن نلاحظ جيدًا أن البشير مَتَّى يذكر هنا جانبًا كبيرًا من خدمة الرب بصفة إجمالية بدون التعرض إلى تفاصيلها.

صرف الرب زمانًا يجول في نواحي الجليل يعلم في مجامعهم ويشفي أمراض الشعب إلى أن ذاع خبره في جميع سورية، فعقب ذلك تبعته جموع كثيرة من أماكن مختلفة منتظرين إقامة الملكوت في الحال بقوة،فانتهز الفرصة ليخبرهم بالصفات اللازمة لأجل دخول الملكوت. كان يوحنا المعمدان قد أخبرهم أن انتسابهم لإبراهيم لا يؤهلهم للدخول، بل التوبة القلبية الصحيحة التي تبرهن عليها الأثمار التي تليق بها.

لم يصنع يوحنا آية واحدة (يوحنا 40:10،41)، بل كرز فقط. وأما يسوع فقد أظهر مع كرازته قوة إلهية لم يظهر نظيرها من إنسان قبله (يوحنا 24:15). لو توقفت إقامة الملكوت على إجراء القوة فقط لكانت إقامته ممكنة في أية ساعة كانت بحسب انتظار الشعب. ولكنه شدّد على وجوب التوبة (إصحاح 17:4؛ مرقس 15:1؛ لوقا 1:13-5) كما فعل يوحنا. ثم أوضح لهم الصفات التي يجب أن يتصفوا بها لكي يمكنهم دخول ملكوته كما سنرى في (إصحاح 5).

قد ُذكرت إلى الآن ثلاثة حوادث رئيسية عظيمة الأهمية وهي: أوًلا- اتخاذ ابن الله جسدًا. ثانيًا- عماده عند ظهوره لإسرائيل. ثالثًا- انتصاره على المجرب الذي به تبرهن على أنه أقوى منه ومن ثم أخذ يسلب أمتعة بيته.

نقلاً بالاتفاق مع موقع بيت الله www.baytallah.com

Advertisements

ما الذي يجول بخاطرك بخصوص التدوينة؟

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: