إدمان الإنترنت | هاني رفعت


لتنزيل نسخة بي دي إف – إضغط هنا

تعتبر شبكة الإنترنت شيئاً مستحدثاً، فقد ظهرت في العقود الأخيرة وأصبحت عماد الحياة في العقدين الأخيرين. ومازالت تزداد في تأثيرها وفي إنتشارها وفي إعتمادية الحياة الحديثة عليها. لقد بلغت إستخدامات الإنترنت كل جوانب الحياة المختلفة من تسلية وإجتماعيات وألعاب إلي التجارة والأعمال والأخبار والنشر والدين وحتي الخطية والشرور والسرقات والنصب والإحتيال قد وجد مكانه علي هذه الشبكة.

فهذه الشبكة أضحت مجتمعاً جديداً أو آلية جديدة يتقابل ويتفاعل المجتمع فيها. فبدلاً من التسوق في الشوارع والمجمعات التجارية يمكن التسوق علي الإنترنت. وبدلاً من الذهاب للدراسة في المدرسة أو الجامعة وبدلاً من الذهاب للمكتبات، يمكن الدراسة والقراء والبحث من خلال الشبكة. وبدلاً من الذهاب للنوادي والمجتمعات يمكن مقابلة الأصدقاء علي النت أيضاً. وهكذا… فالإنترنت أو النت أصبحت وسيلة يمكن بها ممارسة معظم إن لم يكن كل أنواع الممارسات والعلاقات الإنسانية دون التحرك من المنزل أو العمل.

ولكن قد ظهر في الآونة الأخيرة إضطراب نفسي من نوع جديد وهو “إضطراب إدمان الإنترنت”، حيث يصبح الشخص مربوطاً بشكل ما بالنت، ولايستطيع الإستغناء عنها.

بعض أنواع هذا الإدمان هو إدمان المواقع الإباحية، ولكن النجاسة والشر في حد ذاتهما هما مادتي إدمان سابقتين للإنترنت. وكل مافعلته النت هو الترويج لهما، وتسهيل دخولهما البيوت والأذهان.

وأحد الأنواع أيضاً هو ممارسة الألعاب من خلال الشبكة، ولكنه أيضاً إدماناً سابقاً للنت، فإدمان الألعاب هو شيء منتشر منذ القديم. فهناك الطاولة والشطرنج والدومنيو علي المقاهي في الماضي ليس بالبعيد، وألعاب الكمبيوتر الحديثة والفيديو والإكس بوكس والبلاي ستيشن والعاب الورق (الكوتشينة) وكلها ألعاب تؤدي للإدمان. لكن الإنترنت كالعادة سهلت الألعاب وإبتكرت الكثير منها ووفرتها فأصبحت في متناول الجميع. وحتي الألعاب التي لابد من وجود شخص أخر يشاركها معي، وفرت لي هذا الشخص من خلال الشبكة أيضاً دون إحتياج للذهاب للمقهي أو النادي.

وهناك التسوق أيضاً. ولكن التسوق نفسه إدماناً بحد ذاته، وقد وفرته الإنترنت وقربته من المنزل وأصبح عند أطراف الأصابع. وحتي لمن لايملك المال الكافي للتسوق، فالتسوق إحدي وأهم أنشطته لمدمنه هو التصفح والوصول لكل جديد، تماماً كمدمن التأمل في واجهات المحلات دون شراء.

وأضف إلي ذلك ممارسة القمار والبحث عن كل جديد، والسلوكيات الشاذة الغريبة، ومتابعة أخبار النجوم، والسينما، والرياضة، والسيارات والتكنولوجيا، كل هذه أنشطة سهلتها النت وساهمت في إمكانية إدمانها بسهولة.

ولكن أسوأ أنواع الإدمان الشبكي، في رأيي، هو إدمان المواقع الإجتماعية. وبالرغم من إسمها اللطيف، إذ أن كلمة ممارسة إجتماعية أو نشاط إجتماعي تبدو محترمة جداً، لكنها في نفس الوقت ممارسة خطيرة جداً. وهذه سنتكلم عنها بتفصيل أكثر حالاً.

الأنشطة الإدمانية الإجتماعية

لقد نجحت الإنترنت في صنع مجتمعات أو شبكات إجتماعية <Social Networks> يتم فيها التواصل فقط من خلال النت أو من خلال النت بجانب الحياة الطبيعية أيضاً  بين الأفراد. وتتميز هذه الشبكات الإجتماعية بأنها تسهل التواصل بين الأفراد عن طريق:

  1. 1. التواصل النصي الفوري<Text Instant Messaging> فعن طريق مواقع الدردشة <Chatting> حيث يتواصل فردان أو أكثر في شاشة يكتب كل منهما أحاديثه للآخرين فيها. ويمكن للمتحاورين أيضاً تبادل الصور والملفات من خلال نفس نشاط الدردشة. وذلك تحت أسماء مستعارة أو حقيقية ولكنها تكون في معظم الأحيان أسماء غير حقيقية.
  2. 2. التواصل النصي الغير فوري عن طريق البريد الإلكتروني. وهو كما هو معروف للجميع ويمكن إيضاً إرسال صور أو ملفات مع النصوص المتبادلة بين طرفان أو أكثر.
  3. 3. التواصل الصوتي والمرئي الفوري <Multimedia Instant Messaging> سواء عن طريق الدردشة الفورية أو غيرها. ففي مواقع مثل البال توك <PalTalk> أو بإستخدام <MSN Messenger> أو <Skype> يتواصل فردان أو أكثر عن طريق الحديث الصوتي أو حتي الصورة المرئية. فبإستعمال ميكروفون وكاميرا صغيرة جداً يستطيع الآن جميع المستخدمين من أن يتواصلوا أو يجروا مكالمة صوتية مرئية أو إجتماعاً بين مجموعة من المتواصلين. وذلك أيضاً تحت أسماء مستعارة في معظم الأحيان.
  4. 4. التواصل المتعدد الأوجه الجماعي. وهو عن طريق المواقع الإجتماعية ذات الطبيعة النشرية <Billboards> مثل الفيس بوك <FaceBook> أو المدونات <Blogs> وهي ليست مواقع ذات طبيعة تواصليه فورية <Instant> بشكل أساسي. لكنها تمكن المستخدم من إستخدام كل من الرسائل النصية والمسموعة والمرئية للتواصل مع مجموعة من أصدقائه في نفس الوقت. ينتمي المستخدم في هذه المواقع لأكثر من مجموعة من الأصدقاء، كل مجموعة يجمعها عامل مشترك ما، كالرياضة، السياسة، الجنس، الدراسة، تعلق بنجم او نجوم للفن أو الرياضة، الشعر، الفن، الألعاب، الدين، وغيرها.

ينشر كل منهم صور أو رسائل مقروئة أو مسموعة أو مرئية للأخرين ويتفاعل معها الأخرين بالرد عليها بأي من طرق التواصل المتاحة.

  1. 5. التواصل الإفتراضيثلاثي الأبعاد. <Virtual Electronic Community> حيث يقوم موقع مثل ساكند لايف <Second Life> ببناء مدينة أو عالم إلكتروني علي الشبكة. وهو عالم إفتراضي، تخيلي، غير حقيقي، ثلاثي الأبعاد. ويتخذ كل مستخدم شخصية ما في هذا العالم. يقوم المستخدم بتحديد شكله وشخصيته وإسمه وملابسه عن طريق إختيار <Avatar>. وهذا ال <Avatar> هو مظهر خارجي مميز يقوم بتصميمه كل مستخدم. هذا المظهر الخارجي، يتحكم المستخدم في كل شيء به، الطول، الوزن، الشكل العام، لون البشرة، لون الأعين، تسريحة الشعر ولونه وطبيعته، الملابس، كل شئ.

وفي هذا العالم الخيالي الإفتراضي يمارس المستخدم بشخصيته الإفتراضية التخيلية كافة الأنشطة المالية والإجتماعية والفيزيائية في صورة ثلاثية الأبعاد. فيتعرف علي أصدقاء وهميين، هم أيضاً مستخدمون في نفس الموقع، ولكن بشكلهم التخيلي وتصرفاتهم التخيلية التي إختاروها. ويمارسون معاً مخلتف الممارسات التي يختارونها. فقد يستمعون للموسيقي، يتناقشون في أي موضوع، يقعون في الحب ويتبادلونه، يبيعون ويشترون ويسافرون، يذهبون للشاطئ ويقيمون الحفلات والعلاقات من كل الأنواع، ويفعلون كل مايريدونه. وكل هذا في عالم تخيلي إفتراضي غير واقعي وبشخصيات تخيليه.

وهذا النوع الأخير من التواصل من أخطر الأنواع، حيث يعيش المستخدم في أحلام يقظة دائمة ثلاثية الأبعاد، ذات طبيعة إدمانية شديدة جداً تقترب في قسوتها من إدمان الهيروين. ومما يدل علي ذلك، أن بعض الشركات قررت أن تقوم بنشر إعلاناتها في المدن الإفتراضية الإلكترونية هذه بالإتفاق مع هذه المواقع، حتي يقوم المستخدم بشراء منتجاتها في العالم الحقيقي. حيث أن الوصول لهؤلاء المستخدمون بمادة إعلانية قد أصبح صعباً جداً، إذ أنهم لايتعرضون لأي من وسائط الإعلان الأخري من مدي إنهماكهم في عالمهم التخيلي.

علامات الإدمان

ولكن الإنترنت قد أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة. ففي حالات إدمان الخمور او المخدرات، فالإدمان واضح، وهدف العلاج واضح، إذ يبنغي مساعدة المدمن حتي يتوقف تماماً عن الخمور والمخدرات. وأما بالنسبة للإنترنت، فيكف نكتشف الإدمان؟ و ماهي العلامات التي من الممكن أن تشير إلي إدماني للإنترنت؟ هناك علامات عديدة منها:

  1. المشغولية الدائمة بالإنترنت: هو أن تفكر دائماً في الإنترنت كلما كنت بعيداً عنها.
  2. فقدان القدرة علي التحكم: فتشعر أنك لاتستطيع أو لاتريد أن تترك الكمبيوتر وتذهب من أمامه. وكلما جلست أمام الإنترنت لمجرد قراءة بريد إلكتروني أو لمتابعة أمر ما، تجد نفسك في نهاية الأمر قد جلست أمام الإنترنت لساعات عدة.
  3. شعور بالحزن والتقلب العاطفي عندما تكون بعيداً عن الإنترنت: فإن كنت تدمن مادة ما، او ممارسة ما، كالإنترنت. فسوف تشعر دائماً بأعراض الحزن والتقلب العاطفي الشديد، كالعصبية والإنفعال الغير مبررين، عند إبتعادك عن مادة الإدمان، أي الإنترنت.
  4. التشتيت (إستعمال الإنترنت كممارسة مضادة للإكتئاب): فأكثر الأعراض إنتشاراً هو أنك تستخدم الإنترنت كمادة للتشتيت الذهني لكي تبعد بها ذهنك عن كل ما يؤرقك. فعندما يكون هناك ما يؤلمك أو يؤرقك تلجأ للإنترنت كمضاد لحالة الألم والأرق والإكتئاب. أو كمسكن نفسي لمتاعبك في الحياة.
  5. عدم الأمانة والصدق من جهة مقدار إستخدام الإنترنت: فإن أدمنتها ففي الأغلب سوف تكذب علي مديريك في العمل وأعضاء عائلتك بخصوص الوقت الذي تستهلكه علي الشبكة. أو سوف تبحث عن طرق تخفي بها، عن أعين الأخرين، مقدار الوقت الذي تنفقه في هذه الممارسة.
  6. فقدان الحواجز النفسية والإجتماعية الطبيعية: فسوف تفقد تدريجياً الحواجز النفسية الطبيعية كالخجل والحاجة للشعور بالخصوصية مثلاً. وتجد نفسك منفتحاً بشكل مرضي علي الأخرين فتشارك معهم أشياء خاصة وأمور مخزية. وقد تمارس أمور يندي لها الجبين مع المستخدمين الأخرين دون إحساس بالخجل. وفي غرف الدردشة غالباً مايشارك الأعضاء خبراتهم الخاصة جداً، أو أفكارهم النجسة التي لايعلمها أحد، وذلك لسقوط حاجز الرهبة النفسي الطبيعي بسبب الإدمان وبسبب السرية المتاحة في هذا الوسيط، الإنترنت.
  7. تكوين علاقات حميمة إفتراضية مع المستخدمين الأخرين: وقد تجد نفسك متعلقاً بعلاقات نفسية، او عاطفية، أو حميمة، أو جنسية، قوية جداً مع مستخدمين أخرين. وسوف لاتستطيع التحكم في الوقت الذي تقضيه معهم علي الشبكة.
  8. فقدان القدرة علي ممارسة الحياة الطبيعية: فإن كنت تمارس الإنترنت بطريقة إدمانية فسوف تتأثر جوانب حياتك الأخري بشكل مؤثر. فسوف تهمل جوانب عملك أو دراستك. وسوف تؤثر علي حياتك الإجتماعية الطبيعية وتجعلك تنسحب منها تدريجياً. قد تقضي علي علاقاتك الطبيعية بعائلتك وأصدقائك العاديين وحتي بشريكة أو شريك حياتك. وكل ذلك بسبب إنسحابك للعالم الشبكي الإفتراضي وإنهماكك فيه حتي الثمالة.

أسباب الإدمان وعلاجه:

المسبب: فقدان المعني، والقيمة

إن مشكلة الإنسان الرئيسية هذه الأيام، هي عدم شعوره بمعني أو قيمة لحياته. فإن العالم يزداد ميكانيكية كل يوم. فهناك طريق مرسوم لكل إنسان نتيجة الثقافة المحيطة به. هذا الطريق مثلاً هو النجاح في الدراسة، ثم الدخول لأحد الكليات المرموقة، ثم التخرج، ثم البحث عن وظيفة الأحلام، ثم عروسة أو عريس الأحلام، ثم سكن الأحلام، وسيارة الأحلام، ومصيف الأحلام، والبعض يضيف لذلك الهجرة، أو تعليم الأولاد، والثروة والمكانة الإجتماعية، والمنصب والسلطة وهكذا…

فالإنسان في مجتمعنا اليوم مدفوعاً دفعاً في إتجاه محدد، يمليه عليه المجتمع، ويملي عليه معه معني للحياة، ومعني للوجود، ومعني للنجاح. يروج المجتمع اليوم لكل إنسان نمطاً حياتياً معيناً، وإتجاهاً معيناً. ولكي يشعر الإنسان بقيمته كما يمليها عليه المجتمع، فهو يحاول تحقيق المعني المطلوب كما إقتنع به وشربه منذ طفولته. وإن لم يحقق المعني المنتشر والمطلوب من المجتمع، يشعر الإنسان بفقدان القيمة، قيمته الشخصية وقيمة حياته، وذلك لأنه لايجد المعني، معني الحياة.

ومثلما يقف كل إنسان منا أمام المرآة قبل أن يخرج من باب منزله، فيتأكد وتتأكد كل إنسان وكل إنسانة أن شكلهما مقبولاً، قبل أن يتواجدا وسط المجتمع. فإن، للأسف، معظم الناس يبحثون عن معني وقيمة لحياتهم في مرآة المجتمع. أي أنه يتربي وينمو متعلماً من المجتمع المحيط به أنه ستكون له القيمة، وسيجد معني لحياته، في قالب محدد وبطريقة معينة.

وبالطبع، فإن العالم الذي يطالب الإنسان بشكل ما لكي ما يحصل علي معني لحياته ويشعر بقيمة لها، يفشل تماماً في أن يمد الإنسان بالمعني والقيمة. ويظل الإنسان في بحثه عن المعني، وعن القيمة طوال حياته. فلايجدها.

فنجد مثلاً المرأة السامرية التي إلتقاها الرب علي البئر في السامرة. هذه كانت تعتقد أن المعني والقيمة هو في أن تكون محبوبة من رجل ما ومرغوب فيها وغارقة في المتع الحسية. لكنها رغم محاولاتها في أن تجد معني وقيمة لحياتها مع ست رجال علي الأقل، فقد فشلت تماماً في ذلك الأمر. وليس أدل علي ذلك من أنها كانت مازالت عطشة وقالت للرب “ياسيد أعطني هذا الماء لكي لا أعطش ولا آتي إلي هنا لأستقي” (يو4: 15) وذلك أول ما سمعت أن الرب لديه الماء الذي “من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلي الأبد” (يو4: 14) لأن الماء الذي أعطاه العالم لها كان “كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضاً” (يو4: 13) أي يعطش مرة أخري. فلاينفك يشرب ويشرب ويشرب حتي يدمن الشرب، وهو مازال عطشاناً.

يقولون للإنسان، الحل في المتعة، في الشهرة، في العلم، في العلاقات، في التطور، في التمدين، في البحث عن كل جديد، في الفن، في الدين أو في المال، فيسعي وراء هذه الأشياء. وعندما يحصل عليها أو يحققها، وهو حال أقلية ضئيلة من الناس، يتفاجأ أنه رغم هذا لم يشعر بعد بقيمة لحياته، ولا بمعني لها، ويظل رغم هذا في فراغ داخلي، فكل شيء يفقد بالإمتلاك. وإن لم يحصل علي هذه الأشياء أو يحققها، وهذا حال معظم الناس، فإنه يظل ساعياً خلفها لاهثاً متعباً ممزقاً، أو ينكفئ علي وجهه باكياً حاله مستسلماً لواقعه المرير. وفي الحالتين، يظل علي فقدانه لمعني حياته وقيمتها.

ويقترب الشيطان من الإنسان في هذه الحالة، ويقدم له حلوله. ويشغله في ممارسات كثيرة يشغل بها نفسه عن المعني المفقود، ويملأ بها فراغه. وعندما يعتاد عليها تصبح هي معني حياته. فلايعود يبحث عن قيمة ومعني لحياته، ولكنه، إذ يشعر بالفراغ، يتحول للممارسة المعتاده. فتحل الممارسة محل كل من المعني، والقيمة. فإن الصحيح هو أن المعني والقيمة ينتجا ممارسةً مشبعةً مؤسسة عليهما. لكن للأسف، يستبدل الناس البحث عن المعني والقيمة بالسعي وراء ممارسة معتادة. وكلما شعر الناس بفراغ وإنعدام للمعني وللقيمة أكثر، كلما إنخرطوا أكثر في الممارسة المعتادة، حتي تصبح الممارسة إدماناً لايمكنهم أن يحيوا دونها. فيصبح إنخراط الإنسان في ممارسةً معتادةً دواءاً مسكناً يلهيه عن فراغ حياته، وضحالة قيمتها.

العلاج: المعني والقيمة في المسيح

يقول الرسول بولس “لي الحياة هي المسيح” (في1: 21) ويقول أيضاً “ما أحياه الآن في الجسد، فإنما أحياه في الإيمان، إيمان إبن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي” (غل2: 20) فقد كان بولس يجد كل معني الحياة وقيمتها في المسيح. ولكن ما معني هذا كله؟

كانت حياة بولس قبل أن يعرف المسيح متمحوره تماماً حول الدين. فقد كان إنساناً متديناً بالدرجة الأولي. كان متديناً بدرجة إمتياز، متديناً من طراز فريد. ولكنه للأسف لم يكن للمسيح. كان يحاول الإقتراب من الله ولكن ليس عن طريق المسيح. كانت حياته كلها مكرسة للناموس. فقد أدمن التدين الناموسي، ووجد فيه كل معني لحياته. ولو كان قد لخص لنا حياته قبل المسيح لقال |لي الحياة هي اليهودية|

كانت حياته مكرسة بالكامل ومهدفة لليهودية، وللناموس، وللتقليد. كانت قيمة بولس الشخصية في عيني نفسه تنبع من إهتمامه بالناموس وولائه للدين. كان يجد كل المعني في الحياة في آداء الفرائض الناموسية بإنتظام وفي تعلم الناموس وتقاليد الربيين وشيوخ اليهود. كان يستمد قيمته من الناموس، ومن محاولته لحماية اليهودية والدفاع عنها. فإن كان يصح هذ القول فقد كان بولس مدمنا لليهودية وممارساتها وكانت حياته كل قيمتها هي في ديانة آبائه.

إسمعه يقول “كنت أتقدم في الديانة اليهودية علي كثيرين من أترابي في جنسي” (غل1: 14) فقد كان من جهة الدين في المقدمة. وكان يراعي لحد الإدمان الممارسات الناموسية الخارجية التي تستطيع فقط أن تريح الضمير دون توبة قلبية حقيقية. فيقول عن نفسه “من جهة البر الذي في الناموس بلا لوم” (في3: 6). ومن جهة التقليد وإتباعه لتقاليد الآباء يقول “كنت أوفر غيره في تقليدات آبائي” (غل1: 14)

وأما من جهة غيرته علي ديانته فيقول عن نفسه “كنت أضطهد كنيسة الله بإفراط وأتلفها” (غل1: 13) فقد كان “يسطو علي الكنيسة وهو يدخل البيوت ويجر رجالاً ونساء ويسلمهم إلي السجن” (أع8: 3) وهو كان “من جهة الغيرة مضطهد الكنيسة” (في 3: 6) فقد كانت حياته هي الممارسات الدينية الناموسية التقليدية، والدفاع عن اليهودية كان هو محور حياته.

ولكنه عاد وقال أنه “ما كان لي ربحاً فقد حسبته من أجل المسيح خسارة” (في3: 7) فبعدما صار للمسيح، صار محور حياته هو المسيح. وحتي ما لم يخسره بعد قال عنه “بل إني أحسب كل شيء أيضاً خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي الذي من أجله خسرت كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية” (في3: 8 ) أي أن كل قيمة أخري سعي وراءها وكل معني أخر كان يحاول أن يجده في تلك الممارسات الدينية أو غيرها، قد عادت في نظر بولس هي مجرد نفاية. والنفاية كما نعلم هي |قمامة القمامة|. نعم، فالقمامة بعد جمعها يتم محاولة الإستفادة منها، وإعادة تدويرها وتصنيعها. وما يتبقي من القمامة بعد ذلك هي أشياء عديمة القيمة والنفع، ولايمكن إعادة تصنيعها، فتسمي نفاية. أي ليس لها قيمة علي الإطلاق. بل هي أشياء يجب التخلص منها.

كيف تخلص بولس من هذه الرؤية القديمة له للمعني وللحياة ولقيمتها؟ هل كانت هذه غزوة عنترية نسكية لبولس تخلص فيها من كل شيء كنوع من التجرد؟ لا، ليس هذا حاله. فقد قال أنه تخلص من هذه الأشياء لأنها لم تعطيه معني ولاقيمة لحياته قط، وأنه قد وجد القيمة والمعني في المسيح. فيقول “أنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح وأوجد فيه….. لأعرفه وقوة قيامته، وشركة آلامه، متشبهاً بموته” (في3: 8-10)

لقد علم ماذا فعل المسيح من أجله. وتعرف علي شخصه الرائع الفريد. وشاهد كيف عاش في جمال متفرد، وكيف أحب المسيح بولس، وكيف مات وقام من أجله. فقرر أن الحياة ليس لها أخر سوي المسيح تكرس له. لقد شعر بقيمة المسيح وفهمها وحسب أن كل شيء أخر في ضوء فرادة المسيح هو نفاية. ورأي أنه ليس هناك أروع من أن تصير حياته كلها محورها ومعناها وقيمتها هي في التمحور حول المسيح.

أيا باحث عن القيمة لحياتك، أيها الساعي وراء المعني، سوف تبحث كثيراً ولن تجد شيئاً يسد جوعك، وسوف تلجأ لمياه هذا العالم التي كل من يشرب منها “يعطش أيضاً” (يو4: 13) وسوف تدمن مياه العالم حتي الثمالة، ولن تجد المعني. أنت قد خلقت من أجل المسيح لأنه “الكل (كل الناس والأشياء) به (بواسطة المسيح) وله (لأجله) قد خلق” (كو1: 16).

ولن تجد المعني في أي شيء سوي في أن تعرف المسيح، وتعرف كفارته التي تمت بقيامته من الأموات، وتعرف القوة التي يقيمك الله بها من الموت الروحي، وتجد القيمة في أن تتألم لأجل المسيح، في أن تحمل رسالته إلي كل مكان متحملاً من أجلها الغالي والرخيص، وأن تستعد لأن تعطي الحياة كلها حتي الموت لأجله.

أيها الأخوة، نحن لم نخلق من أجل أن نتكرس لشاشة وللوحة مفاتيح، نحن لم نخلق لنكون آداة شر في يد الشيطان والأشرار، نحن قد خلقنا من أجل المسيح وأفتدينا بدم “كريم كما من حمل بلاعيب ولادنس، دم المسيح” (1بط1: 19). و“لأنكم قد إشتريتم بثمن فمجدوا الله في أجسادكم وأرواحكم التي هي لله” (1كو6: 20)

وعندما تشعر بالفراغ وفقدان القيمة والمعني، تمعن في صليب المسيح، كرس القلب للمسيح، كرس الفكر للمسيح، كرس الوقت للمسيح، ولن تعود بعدها تشعر بالفراغ بل سوف تشعر بالإمتلاء، وتفيض حتي علي الأخرين.

المسبب: الهروب من الواقع

فما أقسي واقعنا الذي نعيشه، في هذا العالم الذي ورث اللعنة من جراء مافعل أبوينا آدم وحواء، ومن جراء مانفعل نحن كل يوم، إذ بأنانية البشر وقسوتهم وشراستهم، يزداد الواقع سوءاً ووحشية. هذا غير ما ورثته البشرية من أمراض وأوبئة وكوارث طبيعية. فإن الكتاب المقدس يقول أن “كل الخليقة (بسبب الخطية) تئن وتتمخض معاً إلي الآن” (رو8: 22) فالخليقة تعاني وتتوجع، والواقع مرير ومظلم. أزمات إقتصادية، بطالة، أزمة غذاء، مجاعات، فقر، مرض، حروب، آلام، جراح نفسية، حوادث، كوارث، قسوة، ظلم، ذل، وفوق كل هذا موت جسدي قادم لامحالة، في المستقبل القريب أو البعيد، ثم ما بعد الموت، هذا المستقبل المظلم المجهول المخيف للضمير والعقل.

ماذا يفعل الإنسان المسكين في مواجهة واقع مرير ومظلم مثل واقعنا. كيف يجد الأمان، لايوجد أمان. كيف يرتاح من جهة آلام الماضي وذكراها المؤلمة، ومشاكل الحاضر وعدم جدوي أي حلول لها، ومخاطر المستقبل المجهولة؟ لايوجد طريقة.

وكعادة الشيطان، يقدم الحل. إن أبسط الحلول هو أخطرها، وهو حل المشغولية إلي حد الإدمان في نشاط فارغ يستهلك الوقت والجهد ويلهي العقل. كل مايسعي له الشيطان هو أن يشغل الإنسان في ممارسات تلهيه عن مشاكله التي لاحل لها.

ولقد سهلت الإنترنت للشيطان مهمته إلي حد كبير جداً. فقد نقلت له كل ملاهي العالم وتوافهه ونجاساته ومشاغله الفارغه إلي داخل المنزل. ووفرت الإنترنت لكل إنسان سهولة الإنخراط لحد الإدمان في ممارسات لاتغني ولاتبني ولاتثمر، تستهلك الوقت والمجهود وتملاً العقل بما لاقيمة له إطلاقاً. وهكذا يهرب الإنسان من واقعه المزعج إلي عالم أخر مملوء بالممارسات الفارغة، إلي عالم إفتراضي تخيلي غير حقيقي. فيستبدل الإنسان واقعه المؤلم المظلم المرير بواقع أخر غير حقيقي خيالي تخيلي علي شبكة الإنترنت.

العلاج: الواقع الروحي

لا أعلم يا عزيزي القارئ موقفك من المسيح، ولكن إن كنت مؤمناً حقيقياً فالواقع الروحي الذي سنتكلم عنه هو لك. وإن لم تكن قد عرفت المسيح معرفة حقيقية بعد، فالواقع الروحي هذا إن لم يكن لك الآن، فهو في متناول يديك إن رجعت للرب الآن وآمنت بقلبك بالمسيح وبصليبه.

ماهو الواقع؟ إن الواقع هو الأحداث التي تقع لنا. أو هو مايحدث لنا. وهناك الآن لكل إنسان ثلاثة وقائع يعيش فيهم. فكما يتكون الإنسان من |روح ونفس وجسد| (1تس5: 23) فهو يعيش في ثلاثة وقائع.

  1. الواقع الأول هو الواقع الجسدي المنظور: وهو مايحدث لجسدنا، من مرض وألم وإطعام وراحة وتعب ومتع وشيخوخة وعطش وجوع وملابس وإنتقال من مكان إلي مكان وقوة وضعف وغيرها. ويعيش العالم كله في الواقع الجسدي المنظور بشكل كبير جداً، فمعظم البشر لايهمهم سوي واقعهم الجسدي أو مايحدث لهم علي مستوي الجسد. فالعمل بالنسبة لهم مثلاً هو بحث عن |لقمة العيش| والحياة ماهي إلا “لنأكل ونشرب، لأننا غداً نموت” (1كو15: 32) وكل واقعهم هو الواقع الجسدي.
  2. الواقع الثاني هو الواقع النفسي: وهو ما يحدث لنفوسنا الداخلية الغير منظورة. وهو تشجع أو إحباط، حزن أوفرح، شجاعة أو خوف، إقدام أو تكاسل، فهم أو عدم فهم، إستيعاب أو جهل، إرادة أو إستسلام، نجاح وفشل، وغيرها. وهو واقع لايراه الناس إلا لو ظهر بسببه علي واقعنا الجسدي شيء ما. كأن يحزن إنسان ما، فيظهر علي وجهه علامات الحزن. وإن إرتقي الإنسان قليلاً، فهو يعيش بعضاً من حياته في الواقع النفسي أيضاً، فتجده يهتم بالعلاقات وبالمعرفة وبالفن وبالموسيقي وهكذا يعي هذا الواقع الأخر ويهتم به وبالنسبة لهؤلاء فالعمل مثلاً هو |مجالاً لتحقيق الإنجاز الذاتي| وليس فقط |بحثاً عن لقمة العيش|
  3. الواقع الثالث هو الواقع الروحي: وهو ما يحدث لأوراحنا وعلاقتنا بالله أبونا. وهناك أشخاص أموات روحياً إذ ليس لهم علاقة بالله. وهناك أشخاص أحياء لهم علاقة حقيقية بالله. وهو واقع أيضاً غير منظور، ولكنه لابد أن يظهر في تصرفاتنا. والإنسان الروحي، وهو المولود من الله، والذي له علاقة حقيقية حية بالله أبونا، هو الوحيد الذي له حق الدخول للواقع الروحي. وهذا الشخص كلما إرتقي روحياُ، كلما عاش واقعه الروحي أكثر وأدركه وإعتني بأموره. وبالنسبة لهؤلاء فالعمل مثلاً هو |مجالاً لتمجيد الله أبونا|

إن العالم الحاضر الشرير يقدم للبشر جميعاً الواقعين الجسدي والنفسي ويحاول أن يوهمهم بالشبع عن طريقهما. ولكن الإنسان يصطدم بهذين الواقعين كما رأينا. فكم من آلام ومتاعب ومشاكل جسدية ونفسية تحيط بالبشر جميعاً. إنه عالم قاس يعد بالمتع والسعادة ولايعطي لأتباعه سوي الضيق والألم.

أما نحن أيها الأخوة، فلنا واقعنا الروحي الذي نعيشه والذي ننموا فيه. هذا الواقع نعلم فيه أننا “أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع” (غل3: 26) وأننا “محبوبون من الرب” (2تس2: 13) وأننا سنعيش في هذا الواقع الذي يعيش فيه جميع الناس، لكننا لسنا من هنا فإن “سيرتنا نحن هي في السماويات” (في3: 20). فإن عانينا في هذا العالم سواء من الوجهة الجسدية أو النفسية، فإنه وضع مؤقت فإننا من السماويات أيضاً “ننتظر مخلصاً هو الرب يسوع المسيح” (في3: 20) سوف “يغير شكل جسد تواضعنا ليكون علي صورة جسد مجده (مجد المخلص) (في3: 21) وعندها سوف تنتهي الآلام والمتاعب بصورة نهائية.

فنحن نعيش في هذا العالم منتظرين رجاء معيناً هو “ميراث لايفني ولايتدنس ولايضمحل” (1بط1: 4) وهذا الرجاء يجعلنا “نفتخر أيضاً في الضيقات” (رو5: 8 ) لأننا نعلم أن “كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله” (رو8: 28) ونعلم أيضاً أن “الذي لم يشفق علي إبنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لايهبنا أيضاً معه كل شيء” (رو8: 32)

ويمكننا واقعنا الروحي من أن ندرك هذه الأمور، ونعرف “الأشياء الموهوبة لنا من الله” (1كو2: 12) لأن هذه الأشياء لايستطيع الإنسان الطبيعي أن يدركها لأنها بالنسبة له “جهالة” (1كو2: 14) أي أشياء غير مفهومة.

وهذا الواقع الروحي الحقيقي الذي لدينا يمكننا من التعامل مع الواقع الجسدي بمنطق مختلف هو منطق |الشكر|، فيقول الرسول “أشكروا في كل شيء لأن هذه هي مشيئة الله في المسيح يسوع من جهتكم” (1تس5: 18) فمهما تألمنا في الواقع الجسدي، فنحن نثق في الله أبونا وفي حبه وفي حكمته وصلاحه ونعلن عن ثقتنا بالشكر.

ومايشددنا أكثر في هذا الواقع المؤلم هو أننا “ليس لنا هنا مدينة باقية” (عب13: 14) أي أننا لاننتظر من هذا العالم أي شيء، لأننا ندرك تمام الإدراك أنه عالم مؤقت زائل. وأننا سوف نرث الأبدية السعيدة التي لن تزول للأبد. وإذ نثبت عيوننا عليها وعلي “الرجاء المبارك” (تي2: 13) أننا “نكون كل حين مع الرب” (1تس4: 17) وستنتهي الآلام والأتعاب للأبد، نري أن الآلام الحاضرة هي خفة ضيقات وقتية (2كو4: 17) أي مؤقته “لاتقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا” (رو8: 18)

وهذا الواقع الروحي أيضاً يجعلنا ننظر للواقع النفسي بمنظور جديد هو منظور |التجديد المستمر| فمن الوجهة النفسية نحن نتغير كل يوم بسبب الضغوط والآلام والتحديات التي تواجهنا، ننتغير لنصبح أكثر شبهاً بالمسيح. فإذ نري هذه الحقيقة أن كل ما يأتي علينا من آلام، لن ينجز فينا سوي أن يحقق قصد الله أكثر من حياتنا في أن نكون “مشابهين صورة إبنه” (رو8: 29) فإننا نسلم ليدي الآب السماوي في ثقة وإطمئنان.

ويقول الرسول بطرس أننا ننال خلاصاً مستمراً هو “خلاص النفوس” (1بط1: 9) وذلك لأننا نحزن الآن “يسيراً بتجارب متنوعة” (1بط1: 5) هذه التجارب تأتي لنا بالتزكية أي التنقية فنكون أكثر شبهاً بالمسيح. فبواسطة هذه التجارب المؤلمة يشكلنا الله أبونا، وينقينا من كل شوائب حتي نصير في الصورة التي تحسن في عينيه.

ولكن هذا الواقع الروحي يعاش بالإيمان، لأنه واقعاً غير منظوراً، “لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان” (2كو5: 7) وهو يمكننا كما رأينا من التعامل مع الواقع الذي يهرب الجميع منه سواء بإدمان الإنترنت أو بأي إدمان أو بأي طريقة أخري.

وكلما تغذينا علي كلمة الله أكثر، كلما نمي إنساننا الداخلي من الوجهة الروحية أكثر. فالتعليم المسيحي يجعلنا “ننمو في كل شيء” (أف4: 15).  فيصير إنساننا الداخلي أكثر قدرة علي التعامل مع الواقع المؤلم بطريقة أفضل. وكلما صرنا في شركة أعمق مع الله أبونا ومع الرب يسوع المسيح (1يو1: 3) ومع جميع القديسين (أف3: 18) الذين هنا علي الأرض في الروح القدس (في2: 1)، كلما صرنا أكثر خبرة ونضوجاً في تعاملنا مع الواقع المرعب الذي يمر به العالم الآن والذي يزداد رعباً يوماً بعد يوم.

فلنعش إذاً في واقعنا الروحي في شركة دائمة مع الله، ولا نلجأ لواقع أخر خيالي، غير واقعي، علي شبكة الإنترنت.

المسبب: محبة الخطية

إن المجتمع الشرقي الذي نعيش فيه، وإن كان يتغير بسرعة غريبة إلي نمط أخر هذه الأيام، هو مجتمعاً محافظاً إلي حد ما. وممارسة الخطايا الإباحية بشكل علني فيه أو سهل الملاحظة من الأخرين، يوصم الإنسان بفضيحة وعار يصاحبانه طوال حياته. وهذا يحمي المجتمع إلي حد كبير من الإنخراط العلني في النجاسة والشرور الأدبية التي سقط فيها الغرب بسهولة. ورغم أن الخطايا الأخري، مثل الكذب واللف والدوران والنصب والإحتيال، ليست مدانة بشدة في مجتمعنا، فإن الخطايا الجنسية الفاضحة والعلاقات الدنسة النجسة، والشذوذ غير مرحب بها علي الأطلاق.

ولكن جائت الإنترنت للأسف بكل هذه الشرور وجعلتها عند أطراف أصابع مستخدم الشبكة. فمن جانب وفرت المواد الإباحية الشريرة وجعلت الوصول لها أسهل من الوصول لرغيف الخبز اللازم للحياة. ومن جهة أخري سمحت الشبكات الإجتماعية وسهولة التواصل بين مستخدمي الشبكة بإقامة العلاقات الدنسة النصية والمرئية والمسموعة والإفتراضية ثلاثية الأبعاد بينهم. وأصبح الدخول في علاقة آثمة علي شبكة الإنترنت من أسهل مايكون.

وهناك مواقع كثيرة تسهل التعارف بين الآثمين الذين يريدون الدخول في علاقات دنسة. هذه العلاقات تبدأ بتواصل نصي، ثم صوتي، ثم مرئي سواء بالصور أو بالفيديو، ثم في بعض الأحيان تنتقل العلاقة من المجال الإلكتروني للمجال الحقيقي الجسدي. ولكن الإنترنت قد سهلت العملية جداً حتي أصبحت في متناول الجميع في جو يتمتع بالخصوصية ومؤمن إلي حد كبير.

وفي عالم يلهث من جراء المشاكل الضخمة التي يجوز فيها، والتي تحيط به من كل جانب، يجد الكثير في الخطية، وخصوصاً خطايا الشرور الجسدية، مسكناً يلهيم عن ماهم فيه. وفي عالم تتمزق فيه العلاقات الزوجية، وإنفرط فيه عقد الأسرة المحبة، يندفع الصغار والكبار بحثاً عن الحب والمتعة في كل إتجاه.

وللأسف فإن معني المحبة قد تلوث تماماً بواسطة السينما والأغاني ووسائل الإعلام، وأصبح كل مايقدم عن الحب والمحبة هو صورة حسية جسدية إستهلاكية، جعلت من الجسد مادة إستهلاكية. وكما يشيع الشيطان هذه الصورة الفاسدة للحب، يوفر معها عن طريق الشبكة طرقاً مزيفة لإشباع حاجة الشعور بالحب عن طريق الخطية.

وهكذا يجد محبو ممارسة الخطية من نجاسة ودنس، يجدون هذه الآلة الجهنمية علي الشبكة العالمية، بها كل ما يحلموا به، وكل ما لم يحلموا به أيضاً. ولأن “من يشرب من هذا الماء يعطش أيضاً” (يو4: 13) فإنه لذلك كمن يشرب ماء مالحاً من البحر ليروي عطشه، فتجده يزداد عطشاً، ولما يزداد عطشاً يشرب مرة أخري، فيزداد عطشاً، فيشرب، فيعطش، فيشرب وهكذا تتحول الخطية إلي إدمانا سهل الوصول إليه وتغذيته دون أن يبرح الإنسان مكانه.

إن أكثر الأعمال رواجاً وجذباً للإستثمار علي شبكة الإنترنت الآن هي المواقع التي تقدم خدمات إباحية. إن أرقام الإستثمار في هذا المجال الإباحي أرقاماً مرعبة، تستطيع أن توفر الطعام لقارة أفريقيا الجائعة.

العلاج: المسيح يحرر من الخطية

يؤكد الكتاب المقدس علي أن الإنسان الخاطئ الذي لايعرف الله هو ذاك “الشارب الإثم كالماء” (أي15: 26). وكما أن الماء، لالون له ولاطعم ولارائحة، فكذلك الإثم بالنسبة لهذا الإنسان، فإنه يشربه دون تمييز. وكما أن الإنسان لايمكن أن يعيش دون الماء، هكذا الخاطئ أيضاً، لايمكن أن يعيش دون الخطية والإثم. وعبثاً محاولات الإنسان والمجتمع في إصلاح الإنسان دون المسيح.

فالإنسان مولوداً بالخطية فيقول داود “بالإثم صورت، وبالخطية حبلت بي أمي” (مز51: 5) ويقول الرسول “كنا (أي اليهود) بالطبيعة (أي بالولادة الطبيعية) أبناء الغضب (أي نجعل الله غاضباً بسبب الخطية) كالباقين (كالأمم) أيضاً” (أف2: 3) وهو بهذا يضع الجنس البشري كله تحت هذا التعريف. فالإنسان تصور في بطن أمه معجوناً بالخطية، والخطية هي ميراثه الطبيعي، وسلوكه في ما ينشئ غضب الله هو أمر طبيعي. وعبثاً أن تحاول أن تجعل شجرة الشوك تنتج عنباً لأنها بالطبيعة شجرة شوك فهل “يجتنون من الشوك عنباً أو من الحسك تيناً” (مت7: 16) بالطبع لا.

ولكن ليس هذا حال المؤمنين المجددين المولودين من الله ولادة ثانية. فهؤلا قد إنتهت عبوديتهم للخطية فيقول الكتاب “فشكراً لله لأنكم كنتم عبيداً للخطية” (رو6: 17) فالعبودية للخطية أصبحت شيئاً من الماضي، حتي أن الرسول يقول “وإذ أعتقتم من الخطية صرتم عبيداً للبر” (رو6: 18). فالخاطي كان عبداً للخطية، لايجد فكاكاً منها، مهما حاول ومهما إجتهد. ولكنه الآن قد أصبح عبداً للبر، أي مهما حاول لن يستطيع أن يتحرر من البر.

إن آمنت عزيزي القارئ أن موتك مع المسيح قد حررك من الخطية، سوف تعيش هذه الحقيقة الواقعة في الواقع الروحي. إن مشكلة المؤمنين في كل مكان هي عدم إيمانهم أنهم قد أعتقوا من الخطية. فكلما تغلغل الحق فينا بدراسة الكلمة وبالشركة مع الله، سوف ندرك الحق بالإيمان ونعيشه بالإيمان، ونتحرر من الخطية. يقول الرب “تعرفون الحق والحق يحرركم” (يو8: 32)

إن الرب في إختبار الولادة الثانية يشرح ما يقوم به قائلاً “أنزع قلب الحجر (الحياة القديمة المستعبدة للخطية) من لحمكم وأعطيكم قلب لحم (طبيعة جديدة لها البر الحقيقي والقداسة الحقيقية بحسب الله)(حز37: 26) هذه الطبيعة الجديدة ليست مستعبدة للخطية، ولكنها مستعبدة للبر.

في تجربة علمية، ربط أحد العلماء طائراً بحبل طويل في قمة برج عال. وكان الطير يطير مسافة معينة حتي يصل الحبل إلي أخره. وعندها يؤلمه الحبل في قدمه، يتوقف عن الطيران بعيداً عن البرج، ويبدأ في الدوران حول البرج في دائرة نصف قطرها هو طول الحبل المربوط في قدمه. ظل هذا الطائر شهوراً يطير حول البرج في هذه الدائرة. وذات يوم قطع العالم الحبل من قدم الطائر، وكانت المفاجأة أن الطائر طار نفس المسافة بعيداً عن البرج وظل يطير كعادته في دائرته المعروفة حول البرج.

لقد تحرر الطائر، لكنه لم يكن يدرك أو يصدق أن محرراً وظل يدور في نفس الفلك القديم رغم حريته. هكذا حال بعض المؤمنين، فقد حررهم المسيح من الخطية ولكنهم لايدركون أو يصدقون أو يؤمنون أنهم يمكنهم الآن بواسطة قوة روح المسيح العامل فيهم أن يتوقفوا عن الخطية. هم ينظرون للخطية بنفس النظرة القديمة علي أنها وحش مرعب لامجال للفرار منه، ولكنهم بمجرد أن يدركوا أنهم قد تحرروا من قبضة هذا المارد، سوف يبدأون في إختبار التحرير هذا بشكل عملي.

عزيزي القارئ، إن لم تكن قد ولدت من الله، لن تستطيع أبداً أن تتحرر من الخطية. عزيزي المؤمن الحقيقي، إن لم تكن تؤمن بالفعل بالحرية التي أعطاها لك المسيح، فلن تستطيع أن تتحرر من الخطية. ولكي تتحرر من الخطية فلتغمس نفسك وعقلك في الحق الكتابي أكثر وأكثر. وكلما تلح عليك الخطية، لاتتجادل معها كثيراً بل حول عينيك إلي المكتوب، إلي الحق الإلهي الذي يعلن لك بكل وضوح أنك الآن |عبداً للبر| في المسيح.

المسبب: قسوة المجتمع

إن مجتمعنا وحاضرنا الآن يتميز بالقسوة والعنف إلي حد كبير. فنسمع عن المدرس الذي قتل الطفل تلميذه، والأم والأب اللذان ذبحا أولادهما، أو أحرقاهما، والزوجة التي قطعت زوجها وعبأته في أكياس وأحرقته أو أطعمت لحمه للكلاب، والزوج الذي يجلد زوجته أو يكسر عظامها والإبن الذي يذبح أمه ويحبس أخته في قبو لعشرات السنين لاتري النور ويطعمها خبز الضيق وماء الضيق، والأب الذي يغتصب طفلته، والذئاب البشرية التي تفترس برائة الأطفال وتلقي بهم بعد ذلك تحت عجلات القطار، وصاحب الورشة الذي يعلق صبيه من رجليه في السقف حتي يموت، آه، لقد تعبت من هذه الصورة المرعبة للبشرية الممزقة.

وكل هذه الصور المريعة التي كتبتها تدل علي واقع أخر غير مرئي. هذه ليست مجرد صور شاذة مريضة، لكنها تشير بكل وضوح لما وصل إليه حال القلب الداخلي في المجتمع. كل هذا يدل علي قلب متحجر متصلف قد ترك كل أحاسيس الحنان الطبيعي والحب. ففي هذه الأيام الأخيرة التي نعيشها والتي أطلق عليها الرسول “أزمنة صعبة” (2تي3: 1) فإن “الناس يكونون محبين لأنفسهم، ….دنسين، ….بلا حنو، ….شرسين” (2تي3: 2-3) ويتميز الناس الآن بغلاظة أي قسوة قلوبهم وبفقدانهم للحس (أف4: 18-19) أي للأحاسيس. وقسوة المجتمع هذه، لها صورها العديدة. وأكثر الصور إنتشاراً هو بلادة المشاعر والأحاسيس الطبيعية بين أعضاء الأسرة الواحدة، وبين أفراد الصداقة الواحدة، والكنيسة الواحدة، وبين أصدقاء العمل وزملائه.

يشعر نتيجة ذلك معظم الناس بالرفض وبعدم تقدير وقبول من حولهم لهم. ويحاولون بناء العلاقات، ولكن معظم العلاقات تنتهي بالرفض والألم وعدم التقدير والجراح النفسية وإنكسار القلب. وينقسم الناس إلي صنفين، صنفاً يلوم الأخرين، ويلقي بالخطأ عليهم، ويقول لنفسه |إن الناس لم يعودوا يحبون كما يجب، وليس هناك من يقدرني، فأنا أستحق أن أحب، لكني لا أجد من يحبني|. وصنف أخر يلقي بالخطأ علي نفسه، ويلوم نفسه، ويقول لنفسه |أنا شخصية فقيرة إجتماعياً، وليس بي ما يجعل الناس يحبونني، كم حاولت أن أتغير وأكون ذلك الشخص المرموق المحبوب ولم أستطع|.

ثم يأتي صاحب الحلول الشيطانية، فيجعلهم يجدون في الإنترنت مجالاً للتعرف علي، والتواصل مع أشخاص تحت أسماء مستعارة أو بشخصيات تخيليه إفتراضية. فيستطيع الباحث عن مجتمع أخر بدلاً من المجتمع القاسي الذي يعيش فيه، أن يجد ذلك المجتمع الخيالي الغير حقيقي علي الشبكة.

ويستطيع الباحث عن أن يكون شخصية محبوبة، أن يكون ذلك الشخص التخيلي الوهمي الذي يريده، ولم يستطع أن يكنه. ويعيش هذا وذاك في مجتمع خيالي ويمارسون أنشطة تخيليه وينتمون لمجموعات غير حقيقية وينخرطون في ممارسات تافهه أو لا أخلاقية أو مجرد تخيليه لوقاية أنفسهم من قسوة المجتمع الحالي. وبهذا يستبدلون المجتمع القاسي الذي نعيش فيه بأخر إلكتروني غير واقعي.

ويستطيع أيضاً مستخدم الشبكة أن يعيش بأكثر من شخصية، وبأكثر من إسم مستعار، وذلك لكي يستطيع أن يمارس كل ما يحبه دون أن يعرفه أحد. ففي مجموعة الرياضين يختار إسماً رياضياً وشخصية رياضية، وفي مجموعة الإباحيين، يختار إسماً مثيراً وشخصية مثيرة، وفي مجموعة المثقفين، يصير فيلسوفاً وباحثاً عالماً وهكذا.

وكلما إزداد المجتمع قسوة وشراسة، كلما إنخرط الإنسان في مجتمعه الخيالي أكثر وأكثر وأدمن المماراسات الشبكية الخيالية أكثر وأكثر.

العلاج: محبة الآب

يخبرنا الأصحاح الخامس عشر من إنجيل لوقا عن قصة الإبن الضال. هذا الإبن الذي لم يرد أن يعيش مع أبيه، لأنه أحس أن أبيه يحد من حريته، وأن الحياة مع أبيه مملة وسخيفة. وكما يقول ساكني صعيد مصر فقد |ورث أبيه وهو حياً| وأخذ ميراثه وبذره “بعيش مسرف” (لو15: 13) في “كورة (أي قرية أو مدينة) بعيدة” (لو15: 13) إذ كان يريد أن لايري أبيه مرة أخري. فإن عاش في قرية قريبة، فلربما يري أبيه مصادفة، لذا فقد ذهب لواحدة بعيدة. وأنفق كل معيشته و“إبتدأ يحتاج” (لو15: 14) وكما نعلم باقي القصة كيف إحتاج أكثر وجاع ورعي الخنازير وكان “يشتهي أن يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت الخنازير تأكله، فلم يعطه أحد” (لو15: 16)

هل من الممكن أن يفكر مثل هذا الشاب أن يعود لبيت أبيه. كان هناك الكثير من الأسباب التي تمنعه:

  • أولاً أنه لم يكن يحب بيت أبيه في الأصل، فقرر الهروب من هناك
  • ثانياً أنه لايحب عشرة أبيه
  • ثالثاً أنه أهان أبيه إهانة ليست بسيطة إذ أنه قرر أن يعيش بعيداً عنه، وألا يراه ثانية، وأن يرثه وهو حياً.
  • رابعاً أنه قد فشل عملياً في حياته وأصبح مفلساً فقيراً ورائحة الخنازير النجسة القذرة لاتفارقه
  • خامساً أنه سيواجه سخرية الناس وسخرية أخيه، كيف خرج ممتلئاً بالمال والصحة والجمال وعاد خاسراً كل شيء

ولكنه عاد إلي أبيه، كيف عاد؟ كان حب أبيه السابق له يقنعه أنه مهما تمادي في بعده فلابد أن هناك ولو بعض الحنين باقياً لدي أبيه. كان في نظر هذا الإبن أن هناك حنيناً كافياً نحوه من أبيه حتي يقبله كعامل أو عبد بالأجرة عنده. ولكن لما نقرأ باقي القصة نجد أن العجب العجاب هو أن الحنين الذي آمن الإبن بوجوده قد تفوق بما لايقاس عن المقدار الذي توقعه ذلك الإبن.

لقد وجد أن أبيه كان طوال هذه السنوات في إنتظاره، “وإذ كان لم يزل بعيداً” (لو15: 20) عن البيت، كان الأب واقفاً منتظراً فوق سطح البيت حتي يستطيع أن يراه عن بعد. فيقول الكتاب، “رآه أبوه” (لو15: 20) وهو مازال بعيد. ثم لم ينتظر حتي يأتي إليه ويقر بخطأه، لكن الأب ركض، وهو شيخ وقور كبير في الأيام، وقبل أن يدور أي حديث، وقبل أن يستفسر عن ما حدث، وقبل أن يقر الإبن بخطأه، وقبل أن ينزعوا عن الإبن الأثمال البالية ذات الرائحة المنفرة، وقبل أي شيء، وقع الأب علي عنق الإبن وأغرقه بالقبلات (لو15: 20). ثم أعاده كما نعرف من باقي القصة إلي مكانته الأولي.

لقد كان الإبن رغم خطيته وضلاله وفشله وقسوة قلبه والإهانة التي وجهها إلي أبيه هو محل شوق ومحبة أبيه. وكما نعلم جميعاً أن هذه الصورة الجميلة عن الأب هي صورة عن الآب السماوي. هذا الآب الذي أحبنا جداً، كما قال الرب يسوع أن “الآب نفسه يحبكم” (يو16: 27)، حتي أنه “لم يشفق علي إبنه، بل بذله لأجلنا أجمعين” (رو8: 32) “لأنه هكذا أحب الله العالم حتي بذل إبنه الوحيد” (يو3: 16)

إن هذه المحبة المحفوظة لنا من الله أبينا والمؤكدة والغير متغيرة هي الملجأ لنا وسط رفض وقسوة العالم المحيط بنا. يجب علينا دائماً أن نري محبة الله لنا، وقبوله لنا في المسيح، حتي في أكثر لحظات حياتنا ضعفاً وفشلاً.

إن سعينا نحو نوال قبول ومحبة العالم المحيط بنا، فهذا قد يشير إلي أننا لم نعرف الله بعد. إذ يقول الرسول “لاتحبوا العالم (كنظام وكأناس) ولا الأشياء التي في العالم (مايقدمه العالم). إن أحب أحد العالم فليست فيه محبة الآب” (1يو2: 15)

ولاتنخدع يا أخي ولاتنخدعي يا أختي وتظنان أن الناس في العالم يحبون بعضهم البعض. إن كل مايتبادلونه هو محبة مشروطة ومصالح متبادلة. أما المحبة كما عرفناها في الله فليست لهم ولا فيهم. ونحن لن نجد المحبة الحقيقية ولا القبول الحقيقي إلا في محبة الآب التي لايعرفها العالم.

فلنلجأ إليه إذاً فليس هناك سواه. وأي علاقات صداقة أو تعاطف أو رومانسية علي شبكة الإنترنت، دوناً عن كونها خطية في معظم الأحيان، فهي أشياء تخيلية بينك وبين أشخاص وهميين. لامحبة حقيقية دون إحتكاك حقيقي، ففي الإحتكاك العملي الحقيقي تبرز المحبة الحقيقية. أما في العالم الوهمي التخيلي، فما أسهل المحبة إذ أنها مجرد عبارات. وما أسهل الحصول علي قبول الآخرين في العالم التخيلي وفي أحلام اليقظة، ولكن يقول الرسول أن المحبة ينبغي أن تكون في الواقع الحي إذ يقول “يا أولادي لانحب بالكلام ولا باللسان (مثل مواقع الدردشة والتواصل الإلكتروني) بل بالعمل والحق (في الواقع العملي الحي الحقيقي) (1يو3: 18)

الله يحبك كما أنت، ويستطيع أن يغيرك عما أنت فيه، حتي تكون علي الصورة التي تحسن في عينيه. ولكنك تظل غالياً علي قلبه مهما كان وضعك الأدبي. لايوجد مكان أخر في الوجود تريد أن تكون فيه لتحصل علي الحب الغير مشروط والقبول دون مسائلة، سوي حضن الآب السماوي المحب.

نصائح عملية

هذه بعض النصائح العملية التي قد تفيدك إن إكتشفت أنك مدمنا للإنترنت

  • شارك أحد المؤمنون الناضجون في ما تعاني منه، إسأله ان يتابعك ويسألك عن مقدار إستخدامك للشبكة بشكل دوري.
  • حاول التعرف علي المفاتيح التي تجعلك تنقلب وتتحول للإنترنت وتستعملها بشكل غير طبيعي. فهناك دائماً مؤثرات معينة خارجية تجعلك تتحول للمارسة المعتادة أي للإنترنت. تعرف علي هذه المفاتيح وراقبها حتي تقطع مشوار الممارسة الشبكية قبل أن يبدأ، أي بمجرد أن يظهر المؤثر الخارجي، إلجأ للرب فوراً وأطلب مساعدة من مؤمن ناضج.
  • كما رأينا من قبل البعض يلجأ للإنترنت في حالات نفسية معينة مثل الشعور بالوحدة أو بالرفض أو فقدان المعني، فإذا حدث لك هذا الشعور أو الحالة النفسية إلجأ فوراً للرب.
  • توقف عن فتح المواقع التي تجعلك لاتستطيع التحكم في مدي إستخدامك للشبكة. ضع قائمة بهم وتوقف تماماً عن التعامل معهم، ولو حتي عن طريق الفضول.
  • كلما جلست لإستخدام الشبكة إستعمل |Time Sheet| أي جدول تسجل فيه الوقت الذي تقضيه في كل موقع أو إستخدام معين. بعد أن تنهي إستخدامك للشبكة، أدرس ماهي الأشياء النافعة التي قمت بها، وماهي الغير نافعة إن وجدت وأدرس كم قضيت وقتاً في كل منها. وضع لنفسك هدفاً ألا تهدر الوقت أبداً في اشياء تافهة أو غير بنائة.
  • نظم أوقاتك داخل حياتك وذلك بصنع قائمة بالمهام التي يجب أن تقوم بها مبتدئاً بالاهم فالمهم. ففي معظم الأحيان يقوم معتاد إستخدام الشبكة بشكل مبالغ فيه بتأجيل كل المهام والأنشطة التي لديه، ويبدأ بالأنشطة أو بالممارسات التي تتم علي الشبكة. لاتستخدم الإنترنت إلا إن كان النشاط الذي لابد أن تقوم به هو الذي عليه الدور في قائمة المهام التي لديك.
  • ضع الكمبيوتر في مكان مكشوف في المنزل أو العمل حتي يلاحظ الجميع مقدار إستخدامك ونوعيته فذلك سيجعلك أكثر إلتزاماً من جهة الوقت ومن جهة محتوي المواقع والأنشطة التي تمارسها.
  • من الممكن أن تجعل الكمبيوتر يمنع عرض المواقع الإباحية بسهولة شديدة، قم بذلك الأمر، وإستخدم مساعدة في ذلك إن لم تكن تعرف كيف تقوم بهذا الأمر. سيسهل ذلك عليك المهمة بشكل كبير.
Advertisements
Comments
One Response to “إدمان الإنترنت | هاني رفعت”
  1. دينا كتب:

    جميل جدا …….الرب يباركك

ما الذي يجول بخاطرك بخصوص التدوينة؟

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: