التجربة في رسالة يعقوب | هاني رفعت


من أسوأ ما يكون في التعليم المسيحي هو تفكيك الإيمان وتفصيله حسب “ما يطلبه المستمعون”. ولما يحدث هذا، وهو كثير على وجه العموم، أقول لما يحدث هذا الشر التعليمي فإن أسوأ ما في هذا الشر التعليمي يظهر عند تعامله مع من هو الله وما هي صفاته. فهذا النوع من الإنحراف التعليمي لما يتعامل مع الله، يصنع إلهاً من عنده مناسب لمطالب “السامعين”. إنه وثنية جديدة يقدم فيها المعلم إلهاً آخر غير إله الكتاب المقدس. يقدم صنماً أدبياً وليس صنم من ذهب وحجاة وفضة ونحاس. إنه إله “تفصيل” إنه إله مزيف مصنع تبعاً لمطاليب الناس.

ومن أشهر هذه الإنحرافات التعليمية هي محاولة نزع صفات الصرامة والعدل والشدة والجدية من الرب. إنها محاولة الهدف منها أن تجعله فقط إلهاً مثل “سانتا كلوز” أو “بابا نويل”، عبارة عن كهل يلبس ملابس بهيجة ويأتي بالحلوى ولا يحمل عصا ولا يؤدب ولا يوبخ. وكلما تدخل في حياتك لا تجد سوى حلوى وهدايا جميلة ملفوفة في ورق هدايا رقيق. أما الله القاضي الديان العادل البار، فلا، لا يتحدث مثل هؤلاء عنه.

تماماً كما كان في أيام أشعياء النبي إذ نقرأ أن الشعب كان لا يريد الحديث عن الله القدوس المهيب ولكنه كان يريد أحاديث تعليمة “لذيذة” فقط ومسالمة ولا توبخه ولا تطالبه بشيء فنقرأ:
“الَّذِينَ يَقُولُونَ لِلرَّائِينَ (الأنبياء الذي يرون الرؤيا): «لاَ تَرَوْا»، وَلِلنَّاظِرِينَ (إسم أخر للأنبياء): «لاَ تَنْظُرُوا لَنَا مُسْتَقِيمَاتٍ. كَلِّمُونَا بِالنَّاعِمَاتِ. انْظُرُوا مُخَادِعَاتٍ (أمور خادعة). حِيدُوا عَنِ الطَّرِيقِ. مِيلُوا عَنِ السَّبِيلِ. اعْزِلُوا مِنْ أَمَامِنَا قُدُّوسَ إِسْرَائِيلَ. | إش30: 10-11″

وقد، للأسف، إنتشر مؤخراً تعليم شرير مؤداه أن الله “لا يؤدب أحد عن طريق أن يأتي له بمرض أو بألم ما” وفي هذا المجال، يتحدث المتكلم عن آية معينة بالتحديد من رسالة يعقوب وهي “الله غير مجرب بالشرور، وهو لا يجرب أحداً | يع1: 13″

ومثل كل  الشرور التعليمية، ينزع المتحدث هذه الآية من سياقها ويقرأها قراءة خاطئة وبتشكيل غير صحيح ويخلص منها بأن يؤكد ما يريد هو أن يراه فيها.

إن رسالة يعقوب الرسول والأصحاح الأول تحديداً يتحدث عن نوعين من التجارب:

  1. النوع الأول هو تجربة الوقوع في الألم أو المرض أو الضيق أو الفقر، وهي تجربة “إمتحان الإيمان عن طريق الضيق”. وذلك في الأعداد من 1 إلى 12.
  2. النوع الثاني هو تجربة الوقوع في “الخطية” أو تجربة التعرض “لإغراء السقوط في الخطية” وذلك في الأعداد من 13 إلى 17.

والآن دعونا نتعرض للنوع الأول: تجربة “إمتحان الإيمان عن طريق الضيق”

يقول الرسول في العدد الثاني: “اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ” فمعنى ذلك أن هذه التجارب لما تأتي لابد أن نفرح كل فرح.

ويكمل في العدد الثالث قائلاً “عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا.” فهذه التجارب تعلمنا الصبر أو الله يرسلها لنا لكي نتعلم الصبر.

ثم يضيف في العدد الرابع: “وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ، لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ.” وهذا معناه أن هذه النوعية من التجارب سوف يكون لها عمل تام أي كامل يؤدي لأن ننضج كمسيحيين.

ثم يؤكد في العدد الثاني عشر: “طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّجْرِبَةَ، لأَنَّهُ إِذَا تَزَكَّى يَنَالُ «إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ» الَّذِي وَعَدَ بِهِ الرَّبُّ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ.” أي أن المجرب هنا ينال التطويب إن إحتمل التجربة. وأن التجربة سوف تؤدي لتنقيته (التزكية).

ومن المستحيل ان يكون يتحدث في الآيات التي سبقت عن تجربة “التعرض لإغراء الوقوع في الخطية” فلا يمكن أن نفرح كل الفرح ولا أن نصبر على الخطية فلابد تركها فوراً، ولا يجب أن نحتمل الخطية بل يجب التخلي عنها أولاً بأول.

فمن الواضح أنه يتحدث عن تجربة السقوط في الآلام والتجارب والضيقات والأمراض والفشل وأنها تأتي بتصميم الهي يقود المؤمن للنضوج الروحي والتنقية من عيوبه وللفرح.

والآن دعونا نتطرق للنوع الثاني من التجارب، تجربة “الإغراء بالسقوط في الخطية”:

ويقول الرسول في العدد الثالث عشر: “لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: «إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللهِ»، لأَنَّ اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا.”

وعند قراءة الآية بالتشكيل يتغير المعنى تماماً عن المعنى الرائج السائد لها. فالله في هذه الآية لا يتجرب هو شخصياً بالشرور وهو لا يجرب أحداً بها.

وترجمة الإنجيل الشريف تضع الآية كالتالي:

إن تعرضتم للإغراء فلا تلوموا الله على ذلك، لأن الشر لا يغري الله، كما أن الله لا يغري أحدا بعمل الشر.

والترجمة الإنجليزية القياسية الدولية تضعها كالتالي:

When someone is tempted, he should not say, “I am being tempted by God,” because God cannot be tempted by evil, nor does he tempt anyone.

ولكن ما هي الشرور هنا؟ إنها ليست المحن الصعبة من أمراض أو آلام أو ضيقات أو متاعب أو خسارات. إنها شر إغراء الآخرين بالسقوط في الخطية. والله لا يجرب أحداً بأن يحاول أن يوقعه في الخطية، لماذا؟ لأن الله نفسه ليس لديه دوافع داخلية تغريه بأن يوقع الآخرين في الخطية. فالله غير مجرب (أي لا يتجرب هو شخصياً) بالشرور أي بالخطية.

ومن الواضح أن هذه تجربة إغراء بالسقوط في الخطية من الأعداد 14 و15 “وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُجَرَّبُ إِذَا انْجَذَبَ وَانْخَدَعَ مِنْ شَهْوَتِهِ. ثُمَّ الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ خَطِيَّةً، وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمَلَتْ تُنْتِجُ مَوْتًا.”

ثم يقول الرسول في العدد 16 “لاَ تَضِلُّوا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ.”

أي لا يخدعكم أحد ويجعلكم تفكرون أن الله يغريكم بالسقوط في الخطية، حاشا. ويكمل في العدد 17 بأن يقول “كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ، الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ.”

فالتجربة بالألم عطية صالحة لأنها تؤدي للحصول على كل فرح وعلى الصبر وعلى عمل تام وعلى تنقية من العيوب. وهي تأتي من عند الله وبتصميم إلهي. وذلك بالمفارقة مع تجربة التعرض لإغراء الخطية.

أما تجربة التعرض لإغراء الخطية فهي لا يمكن أن تأتي من الله، بل كل واحد يجرب إذا انجذب وانخدع من شهوته.

About these ads

ما الذي يجول بخاطرك بخصوص التدوينة؟

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 336 other followers

%d bloggers like this: