كفاية الكتاب المقدس الذاتية 29 | شهادة الآباء ~ اغسطينوس


كفاية الكتاب المقدس الذاتية 29 | بي دي أف

كفاية الكتاب المقدس الذاتية 29 | بي دي أف

كما نص عليها الكتاب المقدس، وممتحنة في ضوءه وكما نص عليها الآباء، مع تأكيدات بحثية بخصوص نظرات الآباء.

والكفاية الذاتية هي أن الكتاب المقدس ليس فقط يحوي كل ما هو ضروري للخلاص، ولكن ما هو ضروري للخلاص هو واضح جداً ولا يحتاج لأي معلومات خارج الكتاب المقدس لتفسيره.

ناقشنا من قبل الكفاية الذاتية للكتاب المقدس كما شهد هو عن نفسه. ولكن قارئنا المتمسك بالتقليد، رغم الحجة الكتابية الواضحة للكفاية، والتي ينبغي الانصياع لها بسب سلطان الكتاب المقدس الفريد على ضمير المؤمن، لا يزال يطلب أكثر من هذا. ورغم أننا لسنا متأكدين من أنه سوف يبذل الوقت والمجهود ليقرأ الدلائل التاريخية الآبائية التي سنسوقها له، فسنقوم بذلك لعله يفيد بعض المخلصين في البحث عن الحق وللتأكيد على أن الكنيسة الأولى لم تكن تؤمن سوى بهذه الكفاية الذاتية للكتاب المقدس، وهذا ليس وهماً اختلقناه.

وبعد تركنا لجيروم نتوجه لشمال أفريقيا ونتقابل مع واحد من أشهر اللاهوتيين على مر العصور، إنه اغسطينوس:

أبدأ، لهذا، بأن أطلب منك أن تنحي جانباً الرأي الذي كونته بسهولة تامة بخصوصي، وأن تصرف نظر عن هذه المشاعر، رغم أنها دلائل مرضية على حسن نيتك، وصدق (بدلاً من هذا) شهادتي (التي أنطق بها) أكثر من شهادة أي شخص أخر بخصوصي، إن كنت تريد تبادل المشاعر معي. لأن هذا هو عمق الكتاب المقدس المسيحي، أنه حتى لو كنت أحاول أن أدرسه ولا (أدرس) شيء أخر منذ طفولتي المبكرة حتى عجز الشيخوخة، وبأقصى متعة ممكنة، وبأقصى غيرة لا تهدأ، وبمهارة أعظم مما لدي، كنت سأظل يومياً أتقدم في اكتشاف كنوزه؛ (هذا) ليس لأنه هناك صعوبة عظيمة بهذا المقدار في دراسته للتوصل لمعرفة الأمور الضرورية للخلاص، ولكن متى قبل أي واحد هذه الحقائق بالايمان أنها لا غنى عنها كأساس لحياة تقوى واستقامة، فأشياء كثيرة من المخفية تحت ظلال عديدة من الأسرار تظل متاحة للاستفسار بواسطة هؤلاء الذين يتقدمون في الدراسة، وكم هو عظيم عمق الحكمة ليس فقط في الكلمات التي كتب فيها، ولكن أيضاً في الأشياء نفسها، حتى أن خبرة دراس الكتاب المقدس الأكبر سناً، والأقدر، والأكثر غيرة توضح ما قاله الكتاب نفسه فلما ينتهي الرجل (من الدراسة)، عندها يبدأ (في الدراسة)”[1]

وما يثير الاهتمام أن أغسطينوس يقول أن ما هو ضروري للخلاص من تعاليم ليست هي الأشياء الصعبة. وهو يردد ما ردده رجال الاصلاح في هذا الشأن. وهو أيضاً يوحي لنا بأنه حتى الأمور العميقة والصعبة فهي تحتاج المزيد من الدراسة ولا تحتاج التقليد لكي ما يشرحها.

ولنستمع لأوغسطينوس مرة أخرى:

لاحظوا، أيضاً، الاسلوب اللغوي الذي كتب به الكتاب المقدس، – وكيف هو سهل المنال لكل  الناس، رغم أن أسراره العميقة يمكن سبر غورها فقط بواسطة قليلين. وهو يعلن الحقائق الواضحة التي يحتويها في لغة غير مزخرفة مناسبة بشكل مألوف لقلوب كل من الغير متعلمين والمتعلمين؛ ولكن حتى الحقائق التي يضعها وراء رموز فهو لا يقدمها في جمل جامدة رصينة، والتي قد يتراجع من الاقتراب منها العقل الغير مرتب والغير متعلم، كما يخاف الرجل الفقير من حضور الغني؛ ولكن، بواسطة تنازل اسلوبه، هو يدعو الجميع ليس فقط لكي يتغذوا بحقه الصريح، ولكن أيضاً أن يتمرنوا بواسطة الحق المخفى، واضعاً في كل من أجزاءه البسيطة والغامضة نفس الحق (ذاته). ولئلا يجد ما هو مفهوم بسهولة التخمة عند القارئ، يصبح نفس الحق (ذاته) الموجود في مكان آخر معبر عنه بشكل أكثر غموضاً موضوع رغبة (القارئ) مرة أخرى، وهو مرغوب فيه، يتم بشكل ما استثماره مرة اخرى بجاذبية جديدة، وهكذا يتم قبوله بسرور في القلب. بهذه الوسائل يتم تصحيح الأذهان العاصية، وتنمية الأذهان الضعيفة، وملء الأذهان القوية بالسرور، بطريقة ما مفيده للجميع. هذه العقيدة لا يعاديها سوى الانسان، المخطئ، الذي يجهل فائدتها التي لا تقاس، أو، المريض روحياً، الكاره لقوتها الشافية.[2]

لاحظ كيف يشير اغسطينوس لأهمية الأجزاء الواضحة، ولكن في نفس الوقت يشير أن هناك أجزاء أقل وضوحاً وتعمل كنوع من التمارين حتى لا تصيبنا الرخاوة من الجهة الروحية. ولكن ليس لدينا تعليق أكثر من هذا لأن أغسطينوس يقدم وجهة نظر الاصلاح حتى انه لا حاجة لأي تعليق. ولنرى مرة أخرى ما لدى اغسطينوس ليقوله:

لأنه إن لم نتشجع بواسطته، وندعى لكي نفهمه؛ وإن (هو) أهملنا لأننا جديرين بالازدراء، حيث أننا لا نقدر أن نشاركه لاهوته إن لم يكن هو يستطيع أن يشاركنا قابليتنا للموت ويأتي لكي يتحدث يتحدث لنا بانجيله؛ إن لم يكن قد أراد أن يشترك معنا في ما هو ذليل فينا وأكثره قلة، – لكنا قد قد فكرنا أن من أخذ على نفسه قلتنا، لم يكن ينتوي أن يمن علينا بعظمته الذاتية. أقول هذا لئلا يلومنا أي واحد كأننا مجترئين في التعامل مع تلك الامور، أو ييأس (آخر) من أن يكون قادر على فهم، عن طريق عطية الله، ما قد صمم ابن الله أن يتحدث له به. لهذا فما قد صمم (ابن الله) أن يتحدث لنا به، فلابد أن نؤمن أنه قصد أن نفهمه. ولكن إن لم نفهم فذاك، إن طلبنا منه، سوف يعطينا الفهم، فهو الذي أعطانا كلمته بدون أن نطلب منه (أن يعطينا الكتاب المقدس).[3]

والفكرة السابقة مشابهه للفكر الاصلاحي تماماً. فالكتاب المقدس كما يشير اغسطينوس هو تواصل من الله معنا، ولهذا فالله قد اعتنى بأن يكون تركيب الكتاب المقدس هو ما مناسب للفهم.

ويبدو أن اغسطينوس مصمم على الايمان بنفس فكر الاصلاح الانجيلي اذ يقول:

“وَلاَ حَاجَةَ بِكُمْ إِلَى أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ، بَلْ كَمَا تُعَلِّمُكُمْ هذِهِ الْمَسْحَةُ عَيْنُهَا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ”[4] إذاً لأي سبب نعلمكم “نحن” أيها الأخوة؟ إن كانت المسحة تعلمكم عن كل شيء، فيبدو أننا (كوعاظ) نتعب بلا سبب. وماذا يعني لنا أن ننادي بالحديث هكذا؟ دعونا نترككم لمسحته، ولندع مسحته تعلمكم. ولكن هذا السؤال موجه فقط لي: وأوجهه انا أيضاً لنفس الرسول: دعوه يتلطف ويستمع لطفل يسأله: ليوحنا نفسه أقول، هل هؤلاء الذين كنت تحدثهم لديهم المسحة؟ ألم تقل، “هذه المسحة تعلمكم كل شيء” فلماذا اذاً كتبت رسالة مثل هذه؟ أي تعليم أعطيته “أنت” لهم؟ أية تعاليم؟ أي بناء؟ لاحظوا هذا هنا، أيها الاخوة، لاحظوا سراً جباراً. (بينما) تصطدم أصوات كلماتنا بالآذان، (فهناك) بالداخل المعلم. لا تعتقدوا ان أي انسان يتعلم من مجرد انسان (أخر). نحن يمكننا أن نوبخ بأصواتنا؛ وإن لم يكن هنا واحد بالداخل سيعلم (الناس)، فباطلاً الضوضاء التي نقوم بها. نعم، أيها الاخوة، ليكن لكم عقول لفهم هذا الأمر؟ ألم تسمعوا جميعا ًهذا الحديث الحالي؟ ورغم ذلك كم كثيرين منكم سوف يرجعون لمكانهم غير متعلمين! أنا، من ناحيتي، قد تحدثت للجميع؛ ولكن هؤلاء الذين لا تتحدث لهم هذه المسحة بالداخل، هؤلاء هم الذين لا يعلمهم الروح القدس من داخلهم، هم الذين يرجعون بيوتهم غير متعلمين. فتعليم معلم من الخارج هو نوع من المساعدة والتوبيخ. (ولكن) ذاك الذي يعلم القلوب، لديه كرسيه في السماء. لهذا يقول هو نفسه في الانجيل أيضاً: “وَلاَ تُدْعَوْا مُعَلِّمِينَ، لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمَسِيحُ.”[5] دعوه لهذا هو بنفسه يتحدث لكم من الداخل، حيث (بالداخل) ليس هناك شخص أخر من الجنس البشري: لأنه بالرغم من أن شخصاً ما بجوارك، لكن ليس هناك أحد (من الناس) بداخل قلبك. دع مسحته تكون في القلب، لئلا يكون قلباً عطشاً في البرية، وليس لديه نبعاً للارتواء بالماء. هناك اذاً، أقول، معلماً بالداخل يعلم: المسيح يعلم: وحيه يعلم. وحيث لا يوجد وحيه ومسحته، فباطلاً تصنع كلمات ما ضوضاء من الخارج. كذلك، أيها الأخوة، الكلمات التي نتحدث بها (اليكم) من الخارج، هي كالمزارع للشجرة: فهو يعمل من الخارج، يسقي ويجتهد زارعاً؛ دعوه من الخارج يقوم بما يجب أن يقوم به، هل هو من يشكل التفاح؟ هل هو من يكسو عري الشجرة بغطاء مظلل من الأوراق؟ هل يقوم بأي من مثل هذه الأشياء من الداخل؟ (بالطبع لا) ولكن من هو الذي يقوم بهذه؟ استمعوا للزارع، الرسول: فلترونا نحن الاثنين (بولس وأبلوس)، واستمعوا للمعلم الذي بالداخل: “أَنَا غَرَسْتُ وَأَبُلُّوسُ سَقَى، لكِنَّ اللهَ كَانَ يُنْمِي. إِذًا لَيْسَ الْغَارِسُ شَيْئًا وَلاَ السَّاقِي، بَلِ اللهُ الَّذِي يُنْمِي.”[6] هذا اذاً ما نقوله لكم: سواء كنا نغرس، أم كنا نروي، فبواسطة حديثنا نحن لا شيء: لكن الذي ينمي هو الله: أي، “تُعَلِّمُكُمْ هذِهِ الْمَسْحَةُ عَيْنُهَا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ”[7][8]

ما هو مهم على الأخص بخصوص الاقتباس السابق أن اغسطينوس يلاحظ دور الروح القدس بالداخل. ورغم أن بعض معارضي الكفاية الذاتية ينكرونه ويستخفون به، فهو بالتمام وبمنتهى الدقة هو فكر اغسطينوس وهو ذات فكر الاصلاح. فاغسطينوس يقول أن عدم الفهم أو عدم كفاية الكتاب المقدس، ليس بسبب أن قارئه يحتاج وجود التقليد أو سلطان تعليمي رسولي بل هو غياب هذا التعليم الداخلي للكتاب المقدس بواسطة الروح القدس.

ويعود اغسطينوس ويؤكد:

لأنه من بين الأشياء الموضوعه  بوضوح في الكتاب المقدس نستطيع أن نجد كل الأمور التي تتعلق بالايمان واسلوب الحياة، — أي، الرجاء، والمحبة، والتي تحدث عنها في الكتاب السابق.[9]

وهناك ترجمة أخرى لنفس الاقتباس:

الحقيقة أنه، بعد كل شيء، ففي الفقرات المكتوبة بوضوح في الكتاب المقدس يوجد كل شيء يتعلق بالايمان والاخلاقيات الحسنة، أي الرجاء، وفعل الخير، والتي تعاملت معها في الكتاب السابق.[10]

وهكذا فكما رأينا من قبل مع فم الذهب والآن مع أغسطينوس فها هو يعبر عن وجهة نظر الاصلاح تماماً: الكتاب المقدس هو قاعدة الايمان والحياة. غير أنه يصر على أن “كل شيء” يتعلق بالايمن مكتوب بوضوح في الكتاب المقدس.

ولسنتمع لكاتبنا مرة أخرى:

وبينما قد يجد كل انسان هنا (في الكتاب المقدس) كل ما قد تعلمه من أشياء مفيدة في أماكن أخرى، فسوف يجد هنا (في الكتاب المقدس) بوفرة أعظم بكثير أشياء لا يمكن أن يجدها في اي مكان أخر، ولكنه يمكن تعلمها فقط في السمو العجيب والبساطة العجيبة التي للكتاب المقدس.[11]

لاحظ هنا أنه لو كان هناك تقليد به أشياء أساسية يجب اضافتها للكتاب المقدس لم يكن اغسطينوس ليقول أن كل ما تتعلمه من أشياء مفيدة من خارج الكتاب هي أيضاً موجودة في الكتاب المقدس. بل لقد أكد أن به هو أشياء هي أيضاً لا يمكن أن تجدها في كل شيء أخر. وبالتالي لو وجدت أشياء ليست في الكتاب المقدس، فاغسطينوس يقول أنها ليست مفيدة.

وهكذا فيبدو أن اغسطينوس يؤكد على قاعدة سولا سكريبتورا التي أحياها الاصلاح مرة أخرى، أي “الكتاب المقدس وحده”. وليس هذا فقط بل يقول أن الكتاب المقدس بسيط بساطة عجيبة تمكن من التعلم بواسطته. فهو كافٍ وحده. ولنكمل مع اغسطينوس:

ولا أري أي سبب لأن يتهافتوا على هذا الرجل المقدس الكامل أنطونيوس، ذلك الراهب المصري، الذي قيل عنه أنه قد علم الكتاب المقدس الالهي بقلبه ببساطة عن طريق انه استمع له، رغم أنه هو نفسه لم يكن يعرف القراءة، ولأنه فهم معناه عن طريق التأمل الفاهم فيه؛ أو لأجل هذا الامر نفسه (لأنه قد تم) بواسطة عبد بربري، مسيحي، الذي علمنا عنه مؤخراً عن طريق أناس جادين جداً موثوق فيهم.[12]

والاقتباس السابق يصف لنا حقيقة أن رجال لا يعرفون القراءة والكتابة وعن طريق سماع الكتاب المقدس والتأمل فيه قد فهم معناه. وذلك دون رجوع لسلطة دينية أو تقليد، فقط بالتأمل فيه شخصياً.

وأيضاً الغريب جداً بالنسبة للعقل التقليدي الآن، أن أنطونيوس، أب كل الرهبان، تعلم الكتاب المقدس وشرحه وتفسيره ليس من تقليد شرحي أو تفسيري ولكن فقط بواسطة التأمل فيه، وهذه شهادة أغسطينوس عنه.

وهو لا يعطي لانطونيوس أي جدارة خاصة على فهم الكتاب، بل على العكس هو لا يجد في تعلم أي انسان للكتاب المقدس بواسطة التأمل فيه فقط أي عجب على الاطلاق.

ولنستمر مع أغسطينوس:

وكما قلت منذ قليل، لما يتم حصار هؤلاء الرجال بواسطة الشهادات الواضحة للكتاب المقدس، ولا يستطيعوا الفرار من قبضتها، يعلنون أن الفقرة (المستشهد بها) مزيفة. هذا الاعلان وحده يظهر نفورهم للحق، ومكابرتهم في الخطأ.[13]

ان النقطة من وراء الاقتباس السابق هو ببساطة لشرح كيف أن اغسطينوس يؤمن أن الكتاب المقدس واضح.

ولنكمل ونرى ماذا لديه أكثر ليقول:

لهذا، فليس هناك أممي، إن لم يكن عنيداً وفاسداً، سيحتقر هذه الأسفار ببساطة لأنه ليس تحت ناموس العبرانيين، الذين لهم هذه الأسفار؛ ولكنه سيقدر هذه الأسفار، مهما كانت لمن (قد كتبت)، لما يجد فيها نبوات منذ زمان سحيق، ويرى أنها الآن تحدث. فبدلاً من أن يستخف بالمسيح يسوع لان سبق وكتب عنه في الأسفار العبرية، سوف يستنتج ان هذه الفكرة وحدها جديرة بأن تكون موضوع الوصف النبوي، مهما كان كتابها، قبل مجيئه للعالم بدهور عديدة جداً، — احيانا في تصريحات مباشرة، واحيانا في صور وتصرفات رمزية وأحاديث ناطقة، — لابد أن تزعم بأن تعتبر ذات تقدير جلل ومهابة، وأن تتبع في اتكال ضمني. وهكذا حقائق التاريخ المسيحي تثبت حقيقة النبوة، والنبوة تثبت ادعائات المسيح. سمي هذا نزوة، إن لم تكن تلك الحالة بالفعل أن رجال في كل العالم ينقادون، ويقادون الآن، للايمان بالمسيح عن طريق قراءة تلك الأسفار.[14]

وهذه القطعة رغم انها بها عبارة “تصريحات مباشرة”، لكن المثير بالأكثر للاهتمام هو روح القطعة نفسها التي بالحقيقة يشير فيها اغسطينوس أن الناس يقادون للمسيح عن طريق قراءة الأسفار المقدسة. وهذا معناه ان الأسفار المقدسة نفسها كافية بذاتها لكي تقود شخص غير مؤمن وغير مولود من الله وليس معمداً وليس ساكن به الروح القدس بل وليس مسيحياً لأن يؤمن بالمسيح.

هذا تصريح صريح جداً بالكفاية الذاتية للكتاب المقدس، ولنكمل مع اغسطينوس ونرى ماذا لديه أيضاً:

كل الأشياء التي نقرأها في الكتاب المقدس هي لأجل تعليمنا وخلاصنا، فحري بنا أن نستمع (لكلمة الله) بانتباه مخلص. ولكن أهم شيء هو أن تلك الأشياء تسلم لذاكرتنا، لانها (هذه الأشياء) هي القوة الأعظم في مواجهة الهراطقة؛ الذين تتوقف (بسبب الاشياء التي نقرأها في الكتاب) حيلهم الماكرة عن القضاء على كل من هم أضعف وأقل ذكاء. تذكروا أن ربنا ومخلصنا يسوع المسيح مات من أجلنا وقام أيضاً؛ مات، أي، لأجل خطايانا، وقام أيضاً لأجل تبريرنا. كما قد سبق وسمعتم أن التلميذين اللذان قابلاه على الطريق، كيف “أُمْسِكَتْ أَعْيُنُهُمَا عَنْ مَعْرِفَتِهِ:”[15] وقد وجدهم متحيرين من الفداء الذي كان (لابد أن يصير) في المسيح، ويظنون أنه الآن قد تألم ومات كانسان، ولم يحسبوا أنه كابن الله هو يحيي للأبد؛ ويظنون أيضاً أنه كان ميتاً بالفعل في الجسد وأنه لن يرجع للحياة مرة أخرى، ولكن تماماً كما قال واحد من الأنبياء: كما سمعتم الآن أنتم يا من كنتم منتبهين لكلماتهم بالفعل. ثم “ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى … يُفَسِّرُ لَهُمَا”[16] وبعد أن مر على جميع الانبياء، مظهراً لهم أن كل ما تألم به كان قد سبق فقيل، لئلا يترددون أكثر إن كان الرب قد قام ثانية، ويخيبون أكثر في أن يصدقوه، إن لم تكن هذه الأشياء قد سبق فقيلت بخصوصه. لان صلابة الايمان هي في هذا، أن كل الأشياء التي حدثت للمسيح سبق فقيلت. والتلاميذ، وقتها، لم يعرفوه، الا عند “كسر الخبز”. وبالحقيقة فإن من يأكل ويشرب ليس دينونة لنفسه في كسر الخبز يرتدي أن يعرف المسيح. وبعد هذا أيضاً فالأحدى عشر هم أيضاً “ظَنُّوا أَنَّهُمْ نَظَرُوا رُوحًا”[17] والذي أعطى نفسه لكي يصلب أعطى نفسه أيضاً لهم ليلمسوه؛ أن يصلب بواسطة أعدائه، وأن يلمس (للتأكد منه) بوساطة أحبائه: على أنه طبيب الجميع، في كل من فجور أولئك، او عدم ايمان هؤلاء. لانكم سمعتم لما قرئ سفر أعمال الرسل، كم آلاف ممن ذبحوا المسيح قد آمنوا. إن كان هؤلاء قد صدقوا من قد سبق وقتلوه، الا يمكن ان هؤلاء الذي قد شكوا قليلاً به الآن يؤمنون؟ وحتى بالنسبة لهم، شيء لابد أن تلاحظونه على الأخص، وتضعونه في ذاكرتكم، لأن هذا هو ما يجعلنا أقوياء تجاه الأخطاء الغادرة، الله قد سر أن يضعه في الكتاب المقدس، الذي ضده لا يجرؤ أحد على التحدث، كل من يرجو أن يبدو مسيحياً بأي صورة ما، عندما أعطى نفسه لكي يتعاملوا معه، فإن هذا لم يكفي بالنسبه له، ولكن هو ايضاً يؤكد بواسطة الكتاب المقدس (على) قلوب هؤلاء الذين يؤمنون: لأنه نظر الينا من بعيد نحن الذين سوف نأتي بعد ذلك؛ رائياً أننا لن نستطيع أن نتأكد منه (بالتعامل الشخصي باللمس)، ولكن سوف يكون لدينا هذا الذي نقرأه. فلو ان هؤلاء قد آمنوا فقط بسبب أنهم أمسكوا ولمسوا، ماذا يمكننا أن نفعل؟ فالآن، المسيح قد صعد للسماء؛ وهو لن يأتي إلا في النهاية، لكي يدين الأحياء والأموات. كيف يمكننا اذا ان نؤمن، إلا عن طريق هذا (الكتاب المقدس) الذي أراد (الله) أنه بواسطته حتى هؤلاء الذي لمسوه يمكنهم التأكد؟ لأنه فتح لهم الكتب وأراهم أنه كان حرياً بالمسيح أن يتألم، وأنه يبنغي أن يتم كل ما هو مكتوب عنه في ناموس موسى، وفي الأنبياء والمزامير. فهو قد حوى في نفسه كل النص القديم للكتاب المقدس. كل ما هو هناك في هذه الأسفار السابقة يتحدث عن المسيح؛ ولكن فقط ان وجد آذاناً (للسمع). وهو أيضاً “فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ.”[18] لهذا فيجب علينا نحن أيضاً ان نصلي لأجل هذا، أن يفتح (الرب) أذهاننا.[19]

إن ما يثير الاهتمام على وجه الخصوص في الفقرة السابقة هو أن اغسطينوس قد وصف يسوع أن قد أتى لنا نحن الذين لم نراه في ما هو مكتوب في الكتاب المقدس، بالتضاد مع لمسه والامساك به. فإن كان الرسل قد لمسوه، فنحن وإن لم نلمسه، فالكتاب المقدس كاف لنا إن فتح الرب ذهننا لكي نفهمه. فنرى أن اغسطينوس يقول أن اللمس والرؤية يقابلهم الآن القراءة والفهم. وهذا الفهم لا يعتمد سوى على فتح الرب لذهننا.

ولكن اغسطينوس لم يتوقف عند هذا، ولكنه قال ان حتى هؤلاء الذين لمسوه بعد القيامة، كان ما أكد لهم الايمان ليس الرؤية ولا اللمس لكن النبوات التي في الكتاب المقدس، وذلك بعدما فتح الرب ذهنهم ليفهموا الكتب.

ولم يقل اغسطينوس أنه علينا أن نرجع للتقليد لكي ما نعرف كيف فهموا الكتب بعدما فتح الرب ذهنهم لهذا، ولكنه قال انه علينا نحن أيضاً أن نصلي لكي ما يعطينا الرب أن نفهم الكتب كما فهموا.

كل هذا بالتحديد هو موقف الاصلاح من الكتاب المقدس. ودعونا نتصفح ماذا يخفي اغسطينوس في جعبته أيضاً  وهو يعلق على المزمور الثامن:

من أفواه الأطفال والرضع أسست حمداً، بمعنى أن هؤلاء الذين يريدون تحصيل معرفة جلالك (يا الله) عليهم أن يبدأوا بتصديق الكتاب المقدس. فجلالتك مرتفعة فوق الكتاب المقدس لأنها تتفوق وترتفع فوق كل اعلانات الكلمات واللسان. لهذا فالله قد نزل بالكتاب المقدس لمستوى الأطفال والرضع، كما تغنى مزمور أخر: “‎طأطأ السموات ونزل وضباب تحت رجليه‎.” هذا فعله بسبب أعدائه الذين، وهم أعداء صليب المسيح عن طريق تكبرهم وأحاديثهم المفرطة، لا يستطيعون أن يكونوا مفيدين بأي شكل للأطفال والرضع، حتى وان قالوا أشياء حقيقية. بهذا الشكل ينهزم المحاربون الذين ينتمون للعدو. وبالرغم من أنه يحاول اعطاء مظهر التمسك بالحكمة التي هي بالفعل اسم المسيح ذاته، فبالرغم من ذلك فهو ينطلق من نفس الايمان ذاته وفي خطوة الأولية يصوب هجمته على الحق ذاته الذي كان مستعداً لكي يعد به (سامعيه). إنه أمر في غاية الوضوح أنه لا يمتلك الحق، لأنه في أول خطوته الأولى، التي هي الايمان، فهو بهذا يثبت أنه لا يمتلك حتى أقل القليل من معرفة كيف ينمو في ذلك بواسطة هذه الوسيلة، لهذا، فهذا الشخص المتسرع الأعمى، الذي يعد بالحق ولكنه أيضاً عدواً محارباً له يتم دحره. هذا حدث لما ترى السموات كعمل أصابع الله، أي، لما الكتاب المقدس، تم النزول به لمستوى الأطفال الغير سريعي الفهم، حتى يفهم. فهو ينمي هؤلاء الأطفال حتى يصلوا لنفس الاشياء التي يقولوها بهذه القناعة. ولكن الأطفال الآن قد تم تغذيتهم جيداص وتقويتهم لكي يصلوا للأعالي ويفهمو الأشياء الأبدية، عن طريق اتضاع الايمان المتجذر في تاريخ قد تم انتاجه بمرور الزمن. هذه السموات، أي، هذه الأسفار، هي بالحقيقة عمل أصابع الله، لأنه بواسطة عمل الروح القدس في القديسين قد تمت كتابتها. أما هؤلاء الذين ابتغوا مجدهم الشخصي أكثر من ابتغائهم خلاص الجنسي البشري لم يتكلموا بواسطة الروح القدس، الذي فيه أعماق رحمة الله.[20]

هل يمكن لأي واحد أن يتحدث عن كفاية الكتاب الذاتية بشكل أقوى من هذا حتى أن أبسط أعضاء المجتمع يمكنه فهمه؟ وهكذا يستمر اغسطينوس بمناداته بايمان الاصلاح من جهة الكتاب المقدس، وسوف نكمل معه:

متى قال الرسول، “أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟ لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ للهِ.”[21] هناك قد أظهر بوضوح شديد أن الروح القدس هو الله وأنه لابد من تعظيمه في جسدنا كأنه في معبده. قال الرسول بطرس لحنانيا، كيف تجرؤ على الكذب على الروح القدس؟ ليظهر أن الروح القدس هو الله، قال، أنت لم تكذب على انسان بل على الله (اعمال الرسل 5 : 3-4)[22]

وهكذا يؤكد اغسطينوس كيف أن الكتاب المقدس واضح وضوح شديد عن طريق مثال عملي في التفسير.

وها مقولة أخرى لاغسطينوس:

يشير الرب لهذه الأشياء في مثل، وبالرغم من أن معنى الرب (الذي قصده الرب) ذو وضوح كامل، فلما قال، (ثم اقتبس اغسطينوس متى 21: 33-43 ومزمور118: 22-23 وتسائل) أيوجد ما هو أكثر صراحة ووضوحاً من هذا، وأكثر توثيقاً؟[23]

وهكذا كان هذا مثالاً أخر في كيفة يعلق اغسطينوس في أثناء شرحه للكتاب على وضوح الكتاب المقدس.

ولنقترب من اغسطينوس مرة أخرى ونرى كيف يوبخ البعض مما يقولون أن الكتاب المقدس لا يمكن فهمه بدون مساعدة خارجية:

أنتم تبالغون (قائلين) “كم هي صعبة معرفة الكتاب المقدس” وتدعون أنها “مناسبة فقط لقليل من المتعلمين، ….”[24]

وها هو مرة أخرى يردد ايمان الاصلاح الانجيلي:

ولكن لما تكون المسألة بديهية، لا يجب أن نضيف تفسيرنا لمعنى السفر الالهي، لأن هذا ليس يُعمَل بسبب الجهل البشري، ولكن بسبب الكبرياء البغيض.[25]

والاقتباسات الأخيرة تجمع بين خطين رئيسيين (1) أمثلة للأشياء “البديهية” أو التعاليم الواضحة للكتاب المقدس، (2) معارضة أغسطينوس للذين يخطئون محاولين أن يجعلوا ما هو بديهي أمر أخر غير المعنى البديهي.

وها هو يشدد على تعليم الكفاية الذاتية للكتاب المقدس:

هذا، أخيراً، هو ما وراء لماذا يقوم الشاب طريقه: بسببه تأمله في كلمات الله حيث انه يجب عليه التأمل فيها، وحفظها لأنه يتأمل فيها، ويعيش بالشكل الصحيح لأنه يحفظها. هذا، اذاً، هو السبب وراء تقويم حياته: بسبب أنه يحفظ (يسير بموجب) كلمات الله.[26]

والفقرة السابقة تعلن عن رؤية اغسطينوس أن الكتاب المقدس هو قانون حياتنا. هذا، بالطبع، هو وجهة نظر الاصلاح التي نتحدث عنها منذ أن بدأنا حديثنا هذا. ثم يشرح أغسطينوس الطريقة التي بها يتم تطبيق هذه القاعدة في الحياة عن طريق التأمل فيها، وليس عن طريق استمداد المعرفة لمعناها من مصادر أخرى. وهكذا يثبت اغسطينوس أن الكتاب المقدس هو ذو كفاية ذاتية.

وها هو يؤكد على كفاية الكتاب المقدس للحصول على الايمان وللوقوع في الدينونة بدون مساعدة خارجية أو مصادر اخرى:

إن مجلداتنا (الأسفار المقدسة) معروضة للبيع للعامة؛ فليس للنور أبداً أن يخجل (مختفياً). دعوهم يشترونها، ويقرأونها، ويؤمنون بها؛ أو دعوهم يشترونها ويقرأونها ويسخرون منها. هذه الأسفار تعرف كيف تحفظ الناس مذنبين، هؤلاء الذين يقرأونها ولا يؤمنون بها.[27]

هذا تصريح غير مباشر عن الكفاية الذاتية للكتاب المقدس، ولكنه يعد طريقة قوية جداً للتعبير عن أن الكتاب المقدس هو مستند قائم بذاته، وغير مستند على مصادر أخرى. وهو وحده يجعل من لا يؤمن به مذنباً.

ولنستمع لأغسطينوس في مخاطبته لجوليان:

في الحقيقة أنت تحاول أن تجعل أنوار الأسفار المقدسة غامضة، تلك التي تشرق بحقيقة معينة بواسطة تعقيدات منطقك الشرير. على كل حال، ما هو أكثر وضوحاً من ما قد قلته للتو: الإِنْسَانُ أَشْبَهَ نَفْخَةً. أَيَّامُهُ مِثْلُ ظِلّ عَابِرٍ. (مزمور 144: 44)؟ هذا بكل تأكيد ليس ما قد كان سيحدث، لو كانوا قد استمروا على صورة الله التي خلقوا عليها. ما هو أكثر وضوحاً من عبارة: لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ. (كورنثوس الأولى 15: 22)؟ ما هو أكثر وضوحاً من الكلمات (التالية): مَنْ يُخْرِجُ الطَّاهِرَ مِنَ النَّجِسِ؟ لاَ أَحَدٌ! إِنْ كَانَتْ أَيَّامُهُ مَحْدُودَةً، وَعَدَدُ أَشْهُرِهِ عِنْدَكَ، وَقَدْ عَيَّنْتَ أَجَلَهُ فَلاَ يَتَجَاوَزُهُ (أيوب 14: 4-5)؟[28] وهناك فقرات أخرى كثيرة تحاول أنت أن تخفيها في الظلام وتحرفها لمعناك المنحرف بواسطة حديثك الفارغ.[29]

وها اغسطينوس يستخدم نفس تشبيه “النور” الذي تعرفنا عليه بالفعل في أول حلقات السلسلة من الكتاب المقدس لكي يقول أن الكتاب المقدس واضح وسهل الفهم. والأكثر من هذا، أن اغسطينوس يتهم جوليان بأنه يحاول أن يجعل الكتاب المقدس غير واضح بواسطة اضفاء ضباب عليه. ففي مفهوم اغسطينوس، الكتاب المقدس واضح بذاته ويشع نور بدون تدخل أي انسان. هذا هو التشبيه الأكمل للكفاية الذاتية للكتاب المقدس – وهو تشبيه يقدمه لنا الكتاب المقدس نفسه كما لاحظنا من قبل.

واغسطينوس يتحدث بهذه الطريقة دائماً عن الكتاب المقدس:

إنهم يجعلون الأفكار الغامضة هي تعليمهم؛ أنتم تحاولون ان تجعلوا الأشياء الواضحة غامضة بواسطة تعليمكم. على أية حال، ما هو أكثر وضوحاً من عبارة الرسول “من اجل ذلك كأنما بانسان واحد دخلت الخطية الى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت الى جميع الناس؟”[30]

ولا زال اغسطينوس يثبت ايمانه من جهة هذه الامور، ولنستمع له مرة أخرى:

لماذا تحاول أن تلتحف بعباراتك الغامضة معارض العبارات الواضحة للرسول؟ هو يتحدث عن الله، فهو يقول، “الَّذِي أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ،”[31]، وأنت تقول أنه قال هذا، لكنه استثنى الصغار.[32]

وهذا كان نفس الخط الفكري الذي نتحدث عنه.

ودعونا نكمل ما يقوله اغسطينوس:

في هذا الحديث هو يصرخ بأعلى صوته، “وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟”[33] وأنت تغلق عينيك عن الحقيقة الكاملة الوضوح ثم تفسر أنت أنينه، ليس كما هو واضح بالدليل للجميع، ولكن كما يسرك، عندما تقول أن من ينقذني من جسد هذا الموت؟ تعني: “من ينقذني من ذنب الخطايا التي ارتكبتها؟” هو يقول، “لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ.”[34]، وأنت تقول: “الخطايا التي ارتكبتها”[35]

والاقتباس السابق يوضح كيف أن اغسطينوس يطبق مبدأ الكفاية الكاملة الذاتية للكتاب المقدس ووضوح الكتاب المقدس في تفسير النص. ولكن الهراطقة دائماً ما يقولون أن الكتاب المقدس لا يؤخذ بمعناه الواضح المباشر.

وهكذا وكما سنرى في الاقتباس التالي، يستمر أغسطينوس على نفس ذات المنوال:

الشخص الذي يقرأ كتابات بصوت عالٍ لسامعين أخرين هو بديهياً يعرف ما ينطق به، وفي نفس الوقت فالشخص الذي يعلم الناس في فصول تعليم القراءة والكتابة يقوم بهذا هكذا (اي يقوم بالقراءة) حتى يتعلمون هم أيضاً كيف يقرأون. كل منهم، الكل متماثلون، يسلم (للأخرين) ما قد استلمه. وبنفس الطريقة أيضاً فهؤلاء الذين يشرحون لسامعيهم ما قد فهموا في الكتاب المقدس، فكأنهم، يمارسون دور القارئ وينطقون بالحروف التي يعلموها، حيث أن هؤلاء الذين يضعون قواعد كيفية الفهم هم مثل الشخص الذي يعلم القراءة والكتابة، الذي يعطي القواعد، أي، قواعد كيفية القراءة. حتى أنه كما أن الشخص الذي يتعلم كيف يقرأ لا يحتاج قارئ أخر، عندما يمسك بكتاب ما، ليقول له ما هو مكتوب، بنفس الطريقة، هؤلاء الذين يدركون القواعد التي نجتهد لكي نسلمها لكم سوف يستمر لديهم معرفة هذه القواعد، مثل (معرفة) الحروف (للقراءة والكتابة)، فعندما يأتون إلى أي شيء غامض في الأسفار المقدسة، سوف لا يحتاجون شخص أخر يفهم حتى يكشف لهم ما قد اختفى في هذا الغموض. بل، فعن طريق تتبع بعض الدلائل، سوف يكونون قادرين بأنفسهم على ادراك المعنى المختفي للفقرة دون خطأ – أو على الأقل سوف يتجنبون الوقوع في رأي خاطئ بشكل مريع.[36]

لاحظ أنه رغم أن أحدهم قد يستغل الفقرة السابقة لكي يحاول ان يثبت أن الكتاب المقدس ليس مفهوماً بذاته ومع ذلك فإن ما يقوله أغسطينوس بالفعل هو، أنك بمجرد أن تعرف قواعد فهم الكتاب المقدس، لا تحتاج بعد ذلك لمعلم لكي تصل لفهم كافٍ. وهكذا فهذا هو رأي الإصلاح بكل تأكيد.


[1] NPNF1: Vol. I, Letters of St. Augustine, Letter 137, Chapter 1, §3.

[2] NPNF1: Vol. I, Letters of St. Augustine, Letter 137, Chapter 5, §18. See also FC, Vol. 20, Saint Augustine Letters, 137. Addressed to Volusian (412 AD) (New York: Fathers of the Church, Inc., 1953), p. 34.

[3] NPNF1: Vol. VII, Tractates on John, Tractate XXII, §1.

[4] يوحنا الأولى 2: 27

[5] متى 23: 9

[6] كورنثوس الأولى 3: 6-7

[7] يوحنا الاولى 2: 27

[8] NPNF1: Vol. VII, Ten Homilies on the First Epistle of John, Homily 3, 1 John 2:18-27, §13

[9] NPNF1: Vol. II, On Christian Doctrine, Book II, Chapter 9

[10] John E. Rotelle, O.S.A., ed., WSA, Part 1, Vol. 11, trans. Edmund Hill, O.P., De Doctrina Christiana, Book II, Chapter 9, §14 (New York: New City Press, 1996), p. 135

[11] NPNF1: Vol. II, On Christian Doctrine, Book II, Chapter 42

[12] John E. Rotelle, O.S.A., ed., The Works Saint Augustine, Part 1, Vol. 11, trans. Edmund Hill, O.P., De Doctrina Christiana, Prologue 4 (New York: New City Press, 1996), p. 102

[13] NPNF1: Vol. IV, Reply to Faustus the Manichaean, Book XI, §2

[14] NPNF1: Vol. IV, Reply to Faustus the Manichaean, Book XVI, §20

[15] لوقا 24 : 16

[16] لوقا 24 : 27

[17] لوقا 24 : 37

[18] لوقا 24 : 45

[19] NPNF1: Vol. VII, Ten Homilies on the First Epistle of John, Homily 2, 1 John 2:12-17, §1

[20] John E. Rotelle, O.S.A., ed., The Works of Saint Augustine, Part 3, Vol. 15, trans. Maria Boulding, O.S.B., Expositions of the Psalms, Psalms 1-32, Psalm 8.8 (Hyde Park: New City Press, 2000), p. 133

[21] كورنثوس الاولى 6: 19-20

[22] John E. Rotelle, O.S.A., ed., The Works of Saint Augustine, Arianism and Other Heresies, Answer to Maximinus the Arian, Book II:XXI.1, Part 1, Vol. 18, trans. Roland J. Teske, S.J. (Hyde Park: New City Press, 1995), p. 304

[23] John E. Rotelle, O.S.A., ed., The Works of Saint Augustine, Arianism and Other Heresies, Answer to an Enemy of the Law and the Prophets, Book II.16, Part 1, Vol. 18, trans. Roland J. Teske, S.J. (Hyde Park: New City Press, 1995), p. 421

[24] John E. Rotelle, O.S.A., ed., The Works of Saint Augustine, Answer to the Pelagians, II, Answer to Julian, Book V:2, Part 1, Vol. 24, trans. Roland J. Teske, S.J. (Hyde Park: New City Press, 1998), p. 432

[25] John E. Rotelle, O.S.A., ed., The Works of Saint Augustine, Answer to the Pelagians, II, Answer to Julian, Book V:7, Part 1, Vol. 24, trans. Roland J. Teske, S.J. (Hyde Park: New City Press, 1998), p. 436

[26] John E. Rotelle, O.S.A., ed., The Works of Saint Augustine, Answer to the Pelagians, II, Answer to Julian, Book VI:76, Part 1, Vol. 24, trans. Roland J. Teske, S.J. (Hyde Park: New City Press, 1998), p. 528. This statement by Augustine is meaningless if it does not presuppose the general perspicuity of Holy Scripture.

[27] John E. Rotelle, O.S.A., ed., The Works of Saint Augustine, Newly Discovered Sermons, Part 3, Vol. 11, trans. Edmund Hill, O.P., Sermon 198.20 (Hyde Park: New City Press, 1997), pp. 195-196

[28] هنا أغسطينوس يقتبس الترجمة السبعينية التي تختلف قليلاً عن ترجمتنا العربية التي اقتبسها المترجم هنا: الترجمة السبعينية تقول: من، على أية حال، طاهر من النجاسة؟ ولا حتى رضيع حياته كانت يوماً واحداً على الأرض.

[29] John E. Rotelle, O.S.A., ed., The Works of Saint Augustine, Answer to the Pelagians III, Unfinished Work in Answer to Julian, Book I:5, Part 1, Vol. 25, trans. Roland J. Teske, S.J. (Hyde Park: New City Press, 1999), p. 58

[30] John E. Rotelle, O.S.A., ed., The Works of Saint Augustine, Answer to the Pelagians III, Unfinished Work in Answer to Julian, Book I:25, Part 1, Vol. 25, trans. Roland J. Teske, S.J. (Hyde Park: New City Press, 1999), p. 66

[31] كولوسي 1: 13

[32] John E. Rotelle, O.S.A., ed., The Works of Saint Augustine, Answer to the Pelagians III, Unfinished Work in Answer to Julian, Book I:64, Part 1, Vol. 25, trans. Roland J. Teske, S.J. (Hyde Park: New City Press, 1999), p. 90

[33] رومية 7: 24

[34] رومية 7: 19

[35] John E. Rotelle, O.S.A., ed., The Works of Saint Augustine, Answer to the Pelagians III, Unfinished Work in Answer to Julian, Book I:65, Part 1, Vol. 25, trans. Roland J. Teske, S.J. (Hyde Park: New City Press, 1999), p. 95

[36] See John E. Rotelle, O.S.A., ed., The Works of Saint Augustine, Part I, Vol. 11, trans. Edmund Hill, O.P., De Doctrina Christiana, Prologue §9 (New York: New City Press, 1996), p. 104

_________________

نقلاً بتصرف عن مدونة http://www.turretinfan.com

ما الذي يجول بخاطرك بخصوص التدوينة؟

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 336 other followers

%d bloggers like this: